إرادة الحياة وميلاد الحرية

04:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحياة وقائع وأحداث وبناء الأرض وعمارتها هي حكمة المشيئة العليا، ولكل قيمة تطغى على قيمة الإنسان لها نهاية مهما امتد بها الزمن، وهي نهاية معتمة ومحتمة، والطغيان لا يخشى شيئاً كما يخشى يقظة الشعوب وصحوة القلوب، ولا يكره أحداً كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة، ولا ينقم على أحد كما ينقم على من يهزون الضمائر الغافية . وها هو اليوم يسقط معمر القذافي بعد أن سخر كل مقدرات بلده للدعاية والإساءة لغيره، بعد أن أحاط نفسه بهالة كبيرة من الدعاية الواسعة، وأحاط إعلامه المزيف بكثير من الأضواء الصارخة، حيث وضع نفسه فوق قدره، وأعطى لذاته أكبر من حجمها، فأوهم العالم أجمع بأن لديه قوة جباره لا تقهر، وأن عنده من الأسلحة التي لا يمكن مواجهتها، ثم انكشفت الحقيقة عن فقاقيع تافهة واستعدادات محدودة ودفاعات هشه وأسلحة تقليدية واهية تجاوزها الزمن .

في تاريخ الشعوب، الثورات غيرت مسار التطور الإنساني وأسهمت في انصهار الوعي العام داخل عقلية المجتمع، فالشدائد جبال معنوية تتسلقها النفس المؤمنة فتزداد قوة، إنها بحار يسبح بها المؤمنون، كما أنها مثار الهمم الإنسانية ومحك الحياة، لقد أنبتت شدائد الاستعمار وطغيان الظالمين بذور الحرية وقيثارة الحنين والشوق إلى الاستقلال، ونور الشمس الآتية من الريح والغيم وسماء المطر، فالحرية هي الحضور المباشر للمحسوس، والنور الأخضر هو فعل الحرية، والحقيقة لا توجد للفرد إلا من حيث هو أنتج بفعله شيئاً، وهذا الإنتاج لا يتم إلا بقرار مصمم وسط دوامة التأمل الذي يحقق حلم الإنسانية الطويل والمضطرب المظلم . وربما كانت الحرية سبيلاً إلى المجد إلا أن القيود أحياناً تكون سبيلاً إلى إبداع أكبر، فكل فعل للإنسان هو النتيجة الضرورية لخلقه، ففي أعماق الإرادة الكلية توجد الحرية بالأمل والطهر والبراءة، وفي مقابل الإرادة العامة يقوم الحق في الحرية الأخلاقية، وفي مقابل الإرادة الفردية يقوم الحق لإرادة أخرى فيه، أي الحق مقابل أية إرادة ويتمثل في حق الحرية الأخلاقية وحق المساواة، إذ إن الحرية هي من متطلبات الحياة الكريمة ومبدئها اللامشروط، وهناك شعوب انتزعت حق الحرية العامة وتخلصت من العبودية والإجبار والفرض، ونتج عن ذلك أن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي برزت فيما بعد، أسهمت في تشكيل التوجهات المجتمعية داخل جوهر الإنسان بكل المعاني السامية والمشاعر النبيلة .

ميلاد الحرية الفكرية جاء على أيدي شباب تونس ومصر وليبيا، وجعلوا ثورة الحرية تغوص في أغوار الوعي بلغة الحق وروح العصر، لأن الله منح العقل الإنساني الحق في أن يقرر مصيره في القضايا الحياتية انطلاقاً من السيادة المطلقة التي يتمتع بها وبذلك يبلغ الاستنارة غايته، بمعنى أن يصور التحولات السياسية والاجتماعية على أنها تحولات الحياة والفكر في المقام الأول لأن الحرية لها مدلول اجتماعي مباشر بحيث يتشكل من خلالها الوجود الفعلي لحرية الكلمة، فالحرية هي علامة الكلمة ورمزها، وبوساطة الكلمة يمكن تغيير الواقع وخلق قوى ثورية، تتفجر بمفهومها الفكري، فالفكرة تسبق الفعل كما يسبق البرق والرعد لتحلق عالياً على نحو رائع عظيم في السماء المضيئة ليشمخ كل شيء في الأوطان، أشجاره تتفرع إلى أغصان وأوراق من أجل مستقبل وحاضر الأجيال، لكي تعيش أكثر حرية وسعادة ورفاهية في وطن ينساب فيه ماء العدالة والحكمة وعطر ورد التآخي والتعاو،ن وينبثق منه البحر كالنور في أعماقه، وذلك بعد أن أحرق شرور الشياطين الطغاة المستبدين كل الشواء على السفود في الرماد وقدور النار، بكل أنواع البشاعة والشناعة في الليالي الشتائية الطويلة وهم يسكبون الماء الحارق على نشارة الخشب وكومة الحطب بمناقيرهم المفتوحة، كما يرمون الحب للدجاج والبذور المتساقطة بهدف تدمير روح وعقل شباب الأمة وحرمانهم من حقوقهم .

المجد للشباب العرب الشرفاء المخلصين، شباب الثورة وأصحاب المواقف والإحساس الرفيع عندما أزالوا الطغاة وحققوا المعجزات، وبعد أن تحملوا مختلف ألوان الموت والضيم والعذاب والنضال، وبذلوا أغلى دمائهم في سبيل تحقيق الحرية الأخلاقية العليا والصيرورة الكلية لبناء الدولة المثلى ليرتفعوا بذلك إلى الحرية العينية ويجعلوا من الحق المصباح الأعلى ليضيء الامتداد اللامتناهي في البحر العظيم بالإسفنجات الكبيرة في شعاع الفكر اللامتناه،ي وفي غاية من السمو والنقاء والطبيعة الخلاقة الفعالة في وحدتها وفعلها من أجل خير الأوطان وصيانه كرامة الإنسان، الكرامة الواعية التي توفر للأمة الحس الحضاري بوازع الثقة نحو السمو وبنور الشمس وشعاع الإيمان .

الشعب الليبي اليوم في أشد الحاجة إلى حسن الرحمة ونداها، بعد أن تحرر من الذل والخوف ومتاهات الجحيم والقلق وعقال الوهم والخرافة والسلطان الزائف .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"