صَوْملة غزة وَأفْيَنة العراق

أفق آخر
02:17 صباحا
قراءة دقيقتين
ليس الانفلات الأمني والفوضى المدمرة هما العنصرين اللذين دفعا صحيفة عبرية إلى وصف ما يحدث في غزة بالصوملة نسبة إلى الصومال، فالتجويع وتعاظم نسبة من يعيشون تحت خط الفقر الذي يقل فيه دخل الفرد عن دولارين ونصف في اليوم سبب كاف لمزيد من الانفجار، هذا بالرغم من أننا ضد اختزال معضلة وطنية ومصيرية إلى رغيف وكوب حليب وكهرباء.وأوضح ان العقوبة الجماعية لغزة لن تؤدي إلى الهدف المنشود منها، فالتجويع لا يفضي بالضرورة إلى التركيع والتطبيع، وهو أحياناً يتحول إلى وقود شديد الاشتعال للانتفاض والعصيان، وقلب الموائد بما عليها ومن حولها، لأن الانسان ليس كما يجري الآن تعريفه معزولاً عن تاريخه، وإرادته، وما تبقى لديه من احتياطيات الممانعة، حتى لو كانت الشروط التي تحاصره كهذه التي تتحالف ضد غزة وأبنائها.وإذا قبلنا ولو اجرائياً أن ما يحدث لغزة هو صَوْملة معاد انتاجها بحيث تتحول إلى خراب شامل، فإن العراق يتعرض إلى أفْيَنة مدروسة، بعد ان فاحت رائحة الأفيون في ترابه ومائه. وما يقال عن اضطرار المزارعين العراقيين للمجازفة باستنبات هذا الشر ليس صحيحاً على الاطلاق، ولا بد أن هناك عوامل هي من صميم استراتيجية السطو تساهم في أفينة العراق، وإغراقه في سبات سياسي يتيح لغزاته ان يسرحوا ويمرحوا ويعربدوا في مختلف جباله وأهواره، ونحن نعرف أن الظلم وحده لا يخلق لدى الانسان حافز التغيير والانقلاب على أوضاعه، لأن الوعي بهذا الظلم هو الأقنوم الأول في ثالوث المقاومة وبالتالي الاستقلال، والأقنومان الآخران هما ظرف ذاتي تغذيه الذاكرة الوطنية وظرف موضوعي يتلخص في الاحتلال، الذي هو بيت الداء في المسألة كلها، ولا ندري لماذا يتم قطع النتائج عن الأسباب والمقدمات، سواء في فلسطين أو العراق، لأن أي كلام عن الشقاء الذي يعيشه التوأمان العربيان بمعزل عن الاحتلال هو خبر بلا مبتدأ، ومحاولة للعد بدءاً من الرقم ألف.تجويع وحصار في مكان وتخدير بدأ موضعياً وانتهى شاملاً في مكان آخر، وتلك أساليب لم يبتكرها المحتلون الجدد، بل ورثوها عن أسلاف برعوا فيها، لكنهم أضافوا إليها جرعات جديدة، وقد وظفت التكنولوجيا سلبياً لتكريس أهدافهم، تماماً كما يوظف طبيب فاسد علمه من أجل تسميم مريضه ببطء.ويبدو أن تجزئة المشهد السياسي في الوطن العربي قد سهلت على المحتل أن يتعامل مع ضحاياه فرادى، حيث يسهل الاستفراد بالعصا، لكنه يتعذر عندما تصبح العصا غابة أو حزمة من العصي كما تعلمنا في أول درس عن الاتحاد والافتراق.الجمال العربية تموت من الظمأ والماء فوق ظهورها محمول، وكان شاعرنا العربي القديم شمّ بأنفه المدرب عن بعد هذه الرائحة التي تزكم أنوفنا جميعاً.وقد لا يجدي العتاب الآن، لأنه يحتاج إلى قدر فائق من الحساسية كي يؤدي دوره، وحالة التمسحة التي نعيشها تحول دون الاستجابة لمثل هذا العتاب، إذن ليكن الطرق على الباب الآخر، باب المصلحة القومية لا العاطفة، وباب المستقبل المهدد بالاحتلال الشامل لا هذا الباب الموارب نصف الموصد ونصف المفتوح.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"