عادي
من ترقية مفاجئة إلى عقلية القيادة الحديثة

كيف تعلّم أحد كبار مسؤولي «غوغل» أهم درس إداري في حياته؟

21:05 مساء
قراءة 3 دقائق

قبل نحو عشرين عاماً، لم يكن برايان غلاسر يتوقع أن تتغيّر حياته المهنية بهذه السرعة. فبينما كان يعمل موظفاً عادياً يركّز على إنجاز مهامه اليومية في شركة «جيت بلو» للطيران، وجد نفسه فجأة في موقع القيادة بعد ترقية وصفها لاحقاً بأنها جاءت «بين ليلة وضحاها».
لم يكن غلاسر مستعداً تماماً للدور الجديد، ولم يكن يملك الخبرة الإدارية الكافية، لكن تلك اللحظة شكّلت بداية رحلة طويلة من التعلّم، انتهت به اليوم في موقع قيادي رفيع داخل شركة «غوغل».
يشغل غلاسر حالياً منصب كبير مسؤولي التعلّم في «غوغل»، حيث يقود فرقاً مسؤولة عن عمليات التوظيف، والتأهيل، والتدريب المستمر لنحو 150 ألف موظف حول العالم. وعلى الرغم من هذا المسار المهني اللامع، يؤكد غلاسر أن أهم درس تعلّمه في الإدارة لم يأتِ من الكتب أو الدورات التدريبية، بل من التجربة المباشرة والخطأ والتعلّم: الثقة بالآخرين لإنجاز العمل.

من الإنجاز الفردي إلى القيادة عبر الآخرين


يتذكر غلاسر بداياته المهنية باعتبارها مرحلة كان فيها النجاح يقاس بقدرته الشخصية على الإنجاز. وكان يشعر بالرضا حين ينهي مشروعاً بنفسه، ويلتزم بالموعد النهائي، ويعلم أن مساهمته الفردية كانت واضحة ومباشرة. وهذا الشعور بالسيطرة والاعتماد على الذات كان مصدراً أساسياً للحافز.
لكن عندما أصبح مديراً، تغيّرت القواعد تماماً. فالإدارة لم تعد تعني تنفيذ العمل بقدر ما تعني تمكين الآخرين من تنفيذه. ويقول غلاسر إن أصعب ما واجهه في تلك المرحلة هو التخلي عن فكرة أن عليه التدخل في كل التفاصيل، أو أن يكون صاحب الحل دائماً. فمحاولة القيام بكل شيء بنفسه لم تكن فعالة، بل كانت مرهقة له وللفريق.
ويشرح غلاسر أن الإدارة الحقيقية تقوم على فهم الأشخاص قبل المهام: فهم أساليب عملهم، ودوافعهم، وطموحاتهم، ونقاط قوتهم. ويستشهد بتشبيه لافت: «عندما تكون موظفاً منفرداً، فأنت تسعى لصناعة الإنجاز بيدك، أما كمدير فمهمتك تهيئة الظروف لصناعة الإنجاز عبر الآخرين». أي أن دور القائد ليس صناعة النجاح بيديه، بل بناء البيئة التي تسمح للنجاح بالحدوث.

التوازن بين الرؤية والتنفيذ


على مدار مسيرته، أدرك غلاسر أن أحد أكبر تحديات القيادة هو الموازنة بين الرؤية المستقبلية والتنفيذ اليومي. فالقائد مطالب برسم صورة كبيرة لما يريد أن يصل إليه الفريق، لكنه في الوقت نفسه مسؤول عن تحويل تلك الرؤية إلى خطوات واضحة وقابلة للتنفيذ.
ويعترف بأن من أخطائه السابقة تركيزه المفرط على المستقبل البعيد من دون تحديد المسار العملي للوصول إليه. هذا الأسلوب، رغم نواياه الإيجابية، قد يؤدي إلى إنهاك الفريق، لأن الأهداف الكبيرة من دون معالم مرحلية واضحة تجعل الطريق ضبابياً وتزيد الضغط النفسي على الموظفين.

ثلاث ركائز للقيادة الفعالة


انطلاقاً من خبرته الطويلة، يحدّد غلاسر ثلاث ركائز يعتبرها أساسية لأي قائد ناجح في عالم يتغيّر بسرعة:

1 - تحديد الاتجاه لا الوجهة النهائية

يرى غلاسر أن التخطيط الصارم طويل الأمد لم يعد مناسباً لعصر السرعة والابتكار.


فبدلاً من التركيز على نقطة وصول واحدة، ينبغي على القائد توجيه فريقه نحو اتجاه عام واضح، مع منحهم المرونة للتكيف وتغيير المسار عند ظهور تحديات أو فرص جديدة. إن النجاح، بحسبه، لا يعني الالتزام الحرفي بالخطة، بل القدرة على الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة.

2 - الاستعداد للاعتراف بالخطأ


يؤكد غلاسر أن القائد الذي لا يخطئ هو قائد لا يجرّب. فالابتكار يتطلب الشجاعة، والشجاعة تعني قبول الفشل أحياناً. ويشدد على ضرورة الانتقال من عقلية «أعرف كل شيء» إلى عقلية «أتعلّم دائماً». وهذا يتطلب طرح أسئلة أفضل، والاستماع لوجهات نظر متعددة، والاعتراف بعدم معرفة الجواب عند الحاجة، ثم تعديل المسار بثقة.

3 - الاهتمام بالبعد الإنساني للتغيير


في ظل التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة، يرى غلاسر أن القائد الناجح هو من ينتبه إلى تأثير هذه التحولات على موظفيه من الناحية النفسية والعاطفية والمعرفية. فالتغيير لا يكون تقنياً فقط، بل إنسانياً أيضاً. والقيادة الفعالة هنا تعني التعاطف، وفهم مخاوف الموظفين، ودعمهم لعبور مراحل التحول كفريق واحد.

النصيحة الأهم للمديرين الجدد


عندما يُسأل غلاسر عن أهم نصيحة يقدّمها لمن يتولى منصباً إدارياً للمرة الأولى، تكون إجابته واضحة: ابنِ علاقات حقيقية مع فريقك. فالتعرّف إلى تجارب الموظفين، واهتماماتهم، وطموحاتهم، يخلق أساساً من الثقة المتبادلة. وهذه الثقة، كما يقول، هي العمود الفقري لأي فريق عالي الأداء. ويختتم غلاسر حديثه بتأكيد بسيط لكنه عميق: «إذا لم تفعل شيئاً آخر كمدير، فاستثمر وقتك في التعرّف إلى فريقك وبناء علاقات قوية معهم. عندها، ستتبع النتائج تلقائياً». وهكذا، تحوّلت ترقية مفاجئة قبل عشرين عاماً إلى فلسفة قيادية ناضجة، تُطبَّق اليوم في واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"