عادي

عشر خرائط ترسم ملامح السياسة الدولية

14:31 مساء
قراءة 4 دقائق
1

يوضح تيم مارشال في كتابه «سجناء الجغرافيا.. عشر خرائط تخبرك كل ما تحتاج إلى معرفته عن السياسة الدولية» (ترجمة أنس محجوب ويونس محجوب)، أنه لا يوجد عامل جغرافي واحد أكثر أهمية من العوامل الأخرى، فما الجبال بأكثر أهمية من الصحارى، ولا الأنهار أهم من الأدغال، وتعد الخصائص الجغرافية المختلفة، في مختلف أنحاء الكوكب، من بين العوامل المهيمنة بالنسبة إلى تحديد ما يمكن، أو ما لا يمكن للناس فعله.
بطريقة أعم، فإن الجغرافيا السياسية تهتم بالطرائق التي يمكن من خلالها فهم الشؤون الدولية، بدلالة العوامل الجغرافية لا بالعوامل الطبيعية فحسب، أي الحواجز الطبيعية التي تصنعها الجبال أو تقاطعات شبكات الأنهار على سبيل المثال، لكن هناك أيضاً المناخ والتركيبة السكانية والمناطق الثقافية واستخدام الموارد الطبيعية.
مثل هذه العوامل يمكن أن يكون لها تأثير مهم في العديد من الجوانب المختلفة في حضارتنا، من الاستراتيجية السياسية والعسكرية إلى التنمية الاجتماعية البشرية، بما في ذلك اللغة والتجارة والدين، وغالباً ما يتم تجاهل الحقائق الطبيعية، التي تقوم عليها السياسات الوطنية والدولية، سواء في الكتابة عن التاريخ أو في التقارير المعاصرة عن الشؤون العالمية.

 

*عامل أساسي


يرى الكتاب أن الجغرافيا جزء أساسي من معرفة الوقائع والأحداث، وبحث أسبابها قد لا تكون هي العامل الأساسي، لكن من المؤكد أنها الأكثر اعتباراً، ويضرب مثالاً بالهند والصين، فهما دولتان كبيرتان بعدد ضخم من السكان تشتركان في حدود طويلة جداً، لكنهما غير متحالفتين سياسياً وثقافياً، ولن يكون من المستغرب أن يتصارع هذان العملاقان، ويخوضا عدة حروب، لكنهما في الواقع لم يفعلاً ذلك قط، باستثناء معركة بينهما وقعت عام 1962، واستمرت شهراً واحداً، لماذا؟ لأن أعلى سلسلة جبال في العالم تفصل بينهما.
يرى المؤلف أن القادة الأفراد، وكذلك الأفكار والتكنولوجيا وعوامل أخرى، تلعب دوراً في تكوين الأحداث، لكن هذه عوامل مؤقتة؛ إذ يظل كل جيل جديد في مواجهة العوائق الطبيعية، التي صنعتها جبال هندوكوش والهيمالايا، حيث تظهر التحديات الناجمة عن موسم الأمطار ومساوئ الوصول المحدود إلى المعادن الطبيعية أو مصادر الغذاء.
تؤثر الجغرافيا السياسية على كل دولة، سواء كانت في حالة حرب أو في حالة سلم، وفي كل منطقة هناك حالات يمكن تسميتها، على الرغم من أنه، كما يقول المؤلف، يمكن تخصيص كتاب كامل لأستراليا وحدها والطرق الي شكلت بها الجغرافيا روابطها مع أجزاء العالم الأخرى، طبيعياً وثقافياً.
يوضح الفصل الخاص بالشرق الأوسط لماذا وقع رسم خطوط الخرائط وتجاهل تضاريس الطوبوغرافيا مع الإبقاء على الثقافات الجغرافية في بعض المناطق وصفة لإثارة القلاقل، وسوف تستمر في هذا القرن، لقد رسمت القوى الاستعمارية حدوداً مصطنعة على الورق، متجاهلة كلياً ما في المنطقة من حقائق طبيعية، وتجري الآن محاولات عنيفة لإعادة رسمها وهذه المحاولات ستستمر لعدة سنوات.

 

*دبلوماسية


يتناول الكتاب القطب الشمالي، ويصفه بأنه أحد أكثر الأماكن غير الصالحة للسكن على وجه الأرض، لقد تجاهله البشر في معظم فترات التاريخ، لكننا وجدنا فيه مصدراً للطاقة في القرن العشرين، وستحدد دبلوماسية القرن الحادي والعشرين من يملك هذا المورد ويبيعه.
يمكن تفسير رؤية الجغرافيا بوصفها عاملاً حاسماً في مسار التاريخ البشري على أنها نظرة قاتمة للعالم، ولهذا السبب تتجنبها بعض الدوائر الفكرية، إنها تشير إلى أن الطبيعة أقوى من الإنسان وأننا لا نستطيع إلا أن نذهب بعيداً في تقرير مصيرنا، ومع ذلك فمن الواضح أن هناك عوامل أخرى مؤثرة في الأحداث أيضاً.

يعترف المؤلف بأن القوة الجوية غيرت طبيعة القواعد، تماماً كما فعلت الإنترنت بطريقة مختلفة، لكن الجغرافيا، والتاريخ الذي وطنت به الدول نفسها في هذه الجغرافيا لا يزالان ضروريين في فهمنا لعالم اليوم وفهم مستقبلنا.

 

*نبض


لعل أفضل ما قام به مارشال في هذا الكتاب أنه عمم معرفة الجغرافيا السياسية بأن أخرجها من صرامتها المنهجية، ومنحها نبضاً حياً نستطيع أن نعيشه ونتنفس هواءه، الذي يتردد في كل مكان حولنا من الأحداث المتفاقمة، التي تنقلها نشرات الأخبار، فتشي دائماً بأن العالم صار أكثر جنوناً من أي وقنت مضى إلى الأمل الضئيل، الذي يحدونا في أن نرى هذا العالم أكثر إنسانية وهدوءاً.
نستطيع أن نتضامن مع المؤلف في إدانة الحروب والاحتلال ونهب الموارد وتحقير الآخر، لكننا سنرفضه حتماً دون تردد، عندما نراه يستثني الحروب التي شنتها الولايات المتحدة والدول الغربية للسيطرة على موارد الآخرين أو دفاعاً عن مصالحها أو يبرر احتلال إفريقيا، مثلاً، ونهب ثرواتها، أو يعمد إلى تحقير غير الغربيين.

أما من جهة الأهداف فإن تيم مارشال ينبش مكامن الشر بين الأمم، ويزيح الغبار المتراكم طوال قرون عن المشكلات الخالدة بين البشر ضمن حدودهم القديمة، يستطيع أن يقنعنا بأن جميع الدول الكبرى تقضي أوقات السلم، وهي تستعد ليوم تندلع فيه الحرب، لكنه يفعل ذلك دون أن يشير إلى الأمل في التعايش والمشاركة والسعي إلى خير العالم وجميع سيناريوهاته لا تميل إلى استخلاص أي نتيجة إيجابية يمكن أن تنقذ العالم من الانحدار.

 

*إضاءة 


تيم مارشال من أهم الصحفيين إثارة للجدل، فقد تنبأ منذ سنوات بالحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، كما عاين عديداً من التحولات في دول كثيرة، وشارك في تغطية حروب أهلية كثيرة، وحظي بمقابلات صحفية مع أهم الرؤساء والزعماء من مختلف قارات العالم.

حقق هذا الكتاب مبيعات هائلة تجاوزت المليون نسخة في الولايات المتحدة وحدها، كما ترجم إلى أكثر من 30 لغة، إضافة إلى اعتماده مرجعاً في الدراسات الجيوسياسية المعاصرة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"