واضح لي إلى حد كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريباً جداً في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عاماً أو أكثر. ما نعرفه، أو نقدره، عن الأزمة الراهنة أنها تبدو وقد أنهكتها الأحداث والحروب. تبدو كما لو أنها صارت أقرب إلى نهايتها منذ أن وصلت مختلف أبعادها إلى درجة من النضج كافية للانتقال بالنظام الدولي من حال الفوضى العارمة إلى حال الاستقرار أو إلى ما هو أشبه به. نعلم أن البعد الأمريكي الذي نفرد له أكثر هذه السطور ليس إلا واحداً من أبعاد ليست قليلة، تسهم منفردة ومجتمعة في تعميق حال الاضطراب السائدة.
أما الأبعاد التي أقصدها وأعتبرها فاعلة في صنع هذا الاضطراب فهي بدون ترتيب خاص أو متعمد من ناحيتي:
* أولاً: أمريكا، القطب المرتبك في ممارسة الهيمنة في أشد مراحلها صعوبة وتعقيداً، وسوف أعود إليه ببعض التفصيل بعد قليل.
* ثانياً: الصين وروسيا القطبان الساعيان إلى تحقيق انتقال هادئ للقمة الدولية من وضع هيمنة القطب الواحد إلى وضع تعدد الأقطاب أو إلى وضع أشبه ما يكون بحال توازن القوى، وما زلت أؤكد، اليوم قبل الغد، حرصهما المشترك على أن يتم الانتقال من دون حرب عالمية فيكون سابقة فريدة في نظريات التحول في نمط القيادة الدولية على امتداد قرنين على الأقل.
* ثالثاً: الشرق الأوسط، الإقليم الذي يحل بجدارة وبالتدريج محل الإقليم الأوروبي وشهرته في التاريخ، كما نعلم، أنه الإقليم صاحب الحروب الدائمة والمصدر الأساسي لمختلف نظريات علم السياسة والقانون الدولي والصراع. سوف يذكر التاريخ أن الشرق الأوسط اشتهر في أواخر مراحله (هي التي نعيشها الآن) بأنه صار أشبه بمقبرة خصصت لدفن القانون الدولي وقوانين أخرى كثيرة صنعتها حضارة الغرب خلال صعودها وقبل بدء أفولها.
* رابعــاً: بـزوغ كتلة، أو مجموعة، الجنوب من دول صاعدة اقتصاديـاً وسياسيــــاً تسعى إلى تنسيق الضغوط لصالح السلم العالمي ولفائدة برامج تنميتها وتأمين صعودها.
* خامســاً: اجتمــاع عديد المشكــلات الاقتصاديـة والاجتماعية وبشكل حاد على كافة المستويات، مستوى دول القمة كما على مستويات دول الجنوب.
* سادساً: أوروبا مهد حضارة الغرب وحامل مشاعل نهوضها صارت حملاً لا تحتمل حمله الولايات المتحدة.
يهمني في اللحظة الراهنة وبشكل خاص مناقشة الدور الذي يؤديه البعد الأول، وأقصد أمريكا في وجود الرئيس دونالد ترامب لاعباً أساسياً. إلا أنه يجب التأكيد سلفاً على حقيقة أن حال انحدار أمريكا من موقع القوة المهيمنة والأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً إلى موقع أدنى لم تتحدد معالمه بعد بالدقة اللازمة، هذه الحال بدأت تفرض نفسها منفصلة عن مرحلة وصول ترامب إلى سدة الحكم وتسبقها، لكنها بالتأكيد عززت انحدار الغرب كجماعة حضارية.
أضف إلى كل ما سبق استخدامه أسوأ ما في اللغة من ألفاظ تمس بالإهانة أو بنية الغدر رموزاً دولية مثل حلفائه الأوروبيين ثم قداسة بابا الفاتيكان ثم شعائر أديان أخرى.
خرجت الصين، أو قد تخرج خلال أيام، ومعها روسيا بمشروع لإنقاذ العالم من ويلات حرب عظمى. أعتقد أن الصين بالذات تخرج إلى العالم مزودة بحكمة أنضجتها تجاربها الخاصة مع الاستعمار الغربي، وهي تجارب أشهد شخصياً بأنها كانت أليمة، وتجاربها الأحدث كدولة عظمى على طريق «القطبية». هذه التجارب مع تجارب روسيا كقطب سابق ودولة عظمى كفيلة بأن ترشد زعماء هذه الدول إلى خطة لبناء نظام دولي جديد ينشد التعاون بين الأقطاب وبينهم وبين دول الجنوب.
سوف يتعين على كل من روسيا والصين المساعدة على إخراج النخبة الحاكمة في أمريكا من عقدة الضعف ومن حال الابتزاز التي تعيش بدورها فيها. للأسف لا تبدو الخريطة الراهنة للنخبة الأمريكية والقوى الضاغطة عليها مشجعة ليخرج عنها منظومة قواعد عمل تليق بنظام دولي جديد.
حقاً، أخشى أننا قد لا نشهد نهاية سريعة للمرحلة الصعبة التي نعيشها وإن كنا نحلم باقتراب نهايتها.