مروة العقروبي*
«بونجورنو»... صباح الخير من إيطاليا، ومن معرض بولونيا لكتاب الطفل، الذي تتلاقى فيه الحكايات وتتجاوز الكتب حدود اللغات، وتحضر دولة الإمارات باعتبارها شريكاً فاعلاً في صناعة المشهد الثقافي العالمي، ففي هذا الحدث الذي يُعد الأهم في أدب الطفل واليافعين، تتجسد رؤية دولة آمنت بأن الاستثمار في الإنسان يبدأ من الكلمة، وحرصت على أن يكون حضورها المتجدد امتداداً لمسيرة طويلة من العمل الثقافي، الذي لم يكتفِ بالمشاركة، بل وصل إلى التأثير وصناعة الفارق.
إن هذا الحضور الثقافي العالمي الإماراتي، لم يأتِ وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهد مؤسساتي متكامل، مدعوم بتوجهات وطنية راسخة تضع الثقافة ضمن أولوياتها، وجاء ثمرة جهد وعطاء من رموز الثقافة الوطنية وصناعها، وهنا تبرز سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، ومسيرتها التي بدأت قبل نحو 20 عاماً، حين اختارت سموها أن تكون جزءاً من هذا المعرض، وبالتالي من صناعة أدب الأطفال على مستوى العالم.
لقد أدركت سموها مبكراً أن صناعة النشر هي في الجوهر صناعة تصوراتنا نحو العالم، وعلاقاتنا بالآخر الثقافي الإنساني، وهي صناعة تنمية وتقدم وحضارة، كما أدركت أن أدب الطفل يشكّل القاعدة الأولى لبناء الوعي، وأن الكلمة في سنوات التكوين الأولى قد تكون الفارق بين مسار بناء وآخر للهدم، لذا حرصت سموها على بناء علاقات متينة مع المؤسسات الثقافية الدولية، والتعرّف عن قرب إلى منظومة النشر العالمية، وهو ما أسس لمرحلة جديدة من الحضور الإماراتي، أساسها الفهم العميق، والتخطيط طويل المدى، والإيمان بأن الثقافة تحتاج إلى صبر واستمرارية لتؤتي ثمارها.
في مسار هذه الرؤية، انطلقت مبادرات أعادت تشكيل المشهد الثقافي، أبرزها تأسيس سموها لـ«مجموعة كلمات» التي تطوّرت من دار نشر إلى كيان ثقافي متكامل، إلى جانب تأسيس المجلس الإماراتي لكتب اليافعين عام 2010 منصةً لدعم أدب الطفل العربي والارتقاء بإصداراته، وتُرجمت هذه الجهود إلى إنجازات ملموسة، من أبرزها إطلاق معرض «الخراريف برؤية جديدة» عام 2019، الذي قدّم الموروث الشعبي الإماراتي برؤية معاصرة، وفتح حواراً بين الثقافات، وأتاح للفنانين الإماراتيين إعادة تخيّل حكايات الشعوب، بما رسّخ حضور الإمارات جسراً يربط بين التراث والتطور ويعزز التفاهم الإنساني.
إن حديثنا عن مسيرة سمو الشيخة بدور القاسمي وأثرها في المشهد الثقافي، لا يأتي من باب التذكير بما هو أكبر من أن يُنسى، بل من باب الشكر والعرفان، ومن باب تسليط الضوء على تجربة استثنائية ملهمة، أثبتت للعالم أن نجاح المشاريع الثقافية يرفع الأمم، وأنه قابل لأن يتحقق بالعمل الدؤوب المخلص والصادق، وبتبني رؤية إنسانية شاملة تحتضن كل فكر وكل ثقافة، ومن بولونيا، يبدو واضحاً أن ما بدأته سموها قبل سنوات، أصبح اليوم قصة نجاح إماراتية تُروى للعالم، وتفتح الطريق أمام أجيال جديدة لتكتب فصولها القادمة بثقة، ومسؤولية، وإبداع.
* رئيسة المجلس الإماراتي لكتب اليافعين