عادي
الجغرافيا الجديدة تتطلب تاريخاً متعدد الأقطاب

التفكـــير في تاريـــخ العــالـــم بطــريقــة أخــــرى

23:28 مساء
قراءة 3 دقائق
1

القاهرة – «الخليج»
أصبح من الضرورة الملحة أن يكتب تاريخ العالم من جديد، بعد ما عرفناه من صلات جديدة، بين المجتمعات، لقد طال زمن مركزية أوروبا التي جعلت منها مركز السرد والمرجعية لتاريخ البشرية وكتابته، «الاكتشافات الكبرى» ثم استعمار أغلب بقاع العالم مكن الأوروبيين من فرض تصوراتهم للعالم، ومن نشر طرقهم في رسم خريطته، ونشر ما يتصل بذلك من مقولات ومفاهيم.
هناك اليوم أصوات علمية نجدها مثلاً في حركات «التاريخ الشامل» و«دراسات ما بعد الكولونيالية» التي تعتبر أن الجغرافيا الجديدة للعالم تتطلب تاريخاً جديداً، متعدد الأقطاب كما هو فضاء العالم.
هذا الكتاب وعنوانه «هل يجب التفكير في تاريخ العالم بطريقة أخرى؟» لأستاذ التاريخ الفرنسي كريستيان غراتالو، من ترجمة د. الهادي تيمومي، يسهم في التبرير العلمي الدقيق لضرورة التفكير في تاريخ العالم بطريقة أخرى.
يمكن اختزال الكتاب في هذا المزج بين السؤالين: أين؟ ومتى؟ لماذا هنا وفي تلك اللحظة، وليس في مكان آخر، وفي لحظة أخرى؟ 
أصبحت كلمة «عولمة» عام 1981 مدرجة في قاموس لاروس الصغير المصور، وغدت بعد أن كان استعمالها إلى حد ذلك التاريخ نادراً، تعبيراً عن وعي بأهمية المستوى العالمي، وإذا كان العالم آنذاك في غمرة التحول فالأمر بديهي، وتلك المتغيرات المرئية كانت مناقضة لما كان قائماً في المرحلة السابقة، مرحلة الحرب الباردة و«الأعوام الثلاثين المجيدة» عندما كانت الأدوار الدولية الموكلة للشرق والغرب وإلى العالم الثالث تبدو كأنها قائمة لمدة طويلة.
كان ظهور كلمتي «العولمة» و«ما بعد حداثي» في الحوار العمومي متزامناً، ولم يكن ذلك مصادفة، فمن جهة حصل الوعي لدى الغرب في عقد 1970 بتبعيته إزاء الآخرين كصعود آسيا الشرقية (الاعتراف باليابان قوة اقتصادية كبرى، ظهور أوائل البلدان المصنعة الجديدة، وبداية الانفتاح الصيني مع نهاية حكم ماو تسي تونج) ومن جهة ثانية انحسرت الآليات التأويلية الكبيرة والشمولية، الماركسية والبنيوية بصفة خاصة، باعتبارهما الشكلين الأكثر اكتمالاً للحداثة وفكرة التقدم والطريق الواحدة.
إن صيغة ما بعد الحداثة نتاج للنقد الفني والأدبي والمعماري في الولايات المتحدة الأمريكية في عقد 1970 وقد اتخذت في مجال تنظيم العمران الحضري والمعمار شكل تحليل نقدي لفعل الانتزاع من السياقات، جغرافياً وتاريخياً واجتماعياً، لقد عيب على المعمار الوظائفي كونه عالمياً وغير متماش مع أشكال الماضي المحلية، ومع الظروف الجغرافية والاجتماعية للبيئة الحضرية.
كان يمكن أن تظل هذه العبارة غير ذات بال، أو أن تستخدم في أي حال استخداماً ينحصر في الحقول الأصلية، لو لم يستعملها الفلاسفة في سبيل نقد أكثر راديكالية للإرث الفكري والعلمي المنبثق من فلسفة الأنوار، ومن الفلسفة التطورية للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
كان ذلك على نحو خاص دور جان فرانسوا ليوتار بفضل مؤلفه «وضع ما بعد الحداثة.. تقرير حول المعرفة» لقد أوجد تأثير ليوتار ومفكرين فرنسيين آخرين، خاصة فوكو، مناخاً للتفكير لم يكتسب تناغماً إلا على أيدي الأمريكيين، الذين أعادوا صياغة ذلك الفكر تحت اسم النظرية الفرنسية.
ولا يعود انتشار العبارة عالمياً، وكذلك انتشار المقاربة التفكيكية للحداثة، مجدداً إلى الدور المركزي للجامعات الأمريكية فحسب، وإنما لأن ذلك الانتشار استجاب للحاجة العميقة إلى قطيعة فكرية ناجمة عن الوعي بالعالم، الذي كان مؤشره الذيوع المفاجئ لكلمة «عولمة».
إن توقيع الصين أول اتفاقية اقتصادية عام 1980 وتحول المبادلات الاقتصادية كذلك لأول مرة عام 1980 عبر المحيط الهادي، إلى وضع الند للند، مع المبادلات عبر الأطلسي هي علامات واضحة على بداية العولمة الاقتصادية المعاصرة، لكن إذا عدنا إلى الوراء، فبوسعنا الدفاع عن فرضية مفادها أن فهم عدد من التحولات الفكرية لأواخر القرن الـ 20 مرتبط بظهور وعي بأن العالم متعدد الأقطاب، وبتهافت الرؤية الغربية التي كانت تنعت بالحداثية، وكأن الأمر مفروغ منه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"