في يوم اللقاء العظيم

03:28 صباحا
قراءة دقيقتين
ابن الديرة

وقفة عرفة في مكانها الأشم على جبل الرحمات، لكن من قال إن مجازها لا يتجاوز مكانها الواقعي المقدس، ليصل إلى مشاعر وقلوب المسلمين في كل مكان؟ هذا يوم لقاء عظيم، ويوصل التأمل في معناه إلى درجات الوصول، الوصول إلى أجمل القيم وأعلى المبادئ. إنه يوم لقاء المسلمين على اختلاف ديارهم على صعيد عرفة، كما هو يوم لقاء المسلمين جميعاً، في أربع جهات الأرض، وهم يتجهون، في انتظار عيد الأضحى المبارك، إلى عيدهم الأبدي، عيد اللقاء المستمر حول العقيدة والدين واليقين، وحول تاريخ حي من المحبة والأخوة والمعرفة والحنين. يراد فهم يوم عرفة على هذا النحو، ويراد إمعان البصر والبصيرة في معان ودلالات تتصل بهذا اليوم، يوم اللقاء العظيم، مباشرة.
الإشارة إلى أن الزمن ليس واحداً، حيث فيه نقاط ضوء غير اعتيادية، وكأن شموس بعض أيامه، كيومنا هذا، يوم اللقاء العظيم، أقرب وأكثر دفئاً وشموخاً.
الإشارة إلى أن يوم الوقفة يهيئ نوعاً من القوة يصعب وصفه، قوة المعنى قبل أي شيء، فها نحن مع بعضنا بعضاً ننطلق من الفكرة ذاتها نحو الهدف ذاته، وبالعبارات نفسها لفظياً، في الصوت الواحد والنسق الواحد، والاتجاه بالعقول والقلوب والضمائر نحو الأراضي المقدسة، ونحو احتشاد تاريخ الإسلام في نداء «لبيك اللهم لبيك».
لبيك اللهم لبيك. لبيك ربنا ونحن هناك، لبيك ونحن هنا. لبيك، فنحن عبيدك، وهذا ما يهبنا حريتنا، ويؤدي بنا إلى حياة أفضل، تماماً كما يؤدي يوم الوقفة إلى يوم العيد.
وبين اللقاء والعيد وقفة، وبين العمل والأمل وقفة، وبين الغرس والقطاف وقفة، وبين السعي والوصول وقفة.
وتعني الوقفة على صعيد عرفة، في بعض ما تعني، أن الناس جميعاً سواسية، وأن الأفضلية إنما بالتقوى، وأن التقوى ابنة الأخلاق وسليلة الإرادة، وهي عنوان رضا الله إن شاء الله.
وتعني الوقفة أن اتجاه المسلمين واحد، أو ينبغي أن يكون واحداً، اتجاههم بالنسبة إلى عقيدتهم ومشتركاتهم الكبرى، فليس بعد ذلك إلا تعارف الشعوب والأمم، وليس إلا تحقيق الأخوة والصداقة بينهم حتى يبلغوا أبعد القمم.
معاني وقفة يوم عرفة تبدأ ولا تنتهي، ويكفي ارتباط هذا اليوم برحمة الله المطلقة التي لا تحدها حدود، والأجدر بنا في المفرد والجمع، وفي صيغة منتهى الجموع، أن نكون على قلب واحد، وإن تعددت القلوب إلى أمد لا يحصى، ولا يعني ذلك الرأي الواحد، أو منع الرأي الآخر، فعلى العكس، مطلوب ترجمة لغة اللقاء إلى لغة العمل المشتملة قطعاً على لغة الحوار والحرية واحترام الاختلاف.
وقفة عرفات وفي الغد العيد، فكأنما اللقاء عيد، وتوحيد الموقف عيد، والسعي إلى القوة عيد، وكأن النسك إرادة تتكرر منذ فجر الإسلام وهو ينادي بعصور من الصباحات والنهارات والبدايات والمطالع.
ديمومة النداء لقاء للمسلمين على اختلاف البلاد محفوف بأشرعة الخلود، فالخلود للمحبة واللقاء ولدين الله الخاتم، والخلود لاحتشاد الملايين على جبل الرحمة، ولاحتشاد قلوب مئات الملايين المتجهة إلى حيث هم، لتخفق معهم في اللفظ الواحد والصوت الواحد والنداء الواحد، وكأنه شوق الدهر، فلبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"