لن يغلق العقل باب القلب

شيء ما
04:38 صباحا
قراءة دقيقتين

ما سر هذا التشابه بين العاطفة والعاصفة حتى في النطق والكتابة، حيث لا يفرق بينهما سوى حرف واحد؟ هل كان واضعو اللغة العربية قد أدركوا هذا التشابه الغريب بين الأمرين فاختاروا لهما لفظين متشابهين، متقاربين، أم أن العربي القديم، بعد أن عرف العاصفة احتار ماذا يسمي ذلك الشعور النبيل الذي قد يكون داهمه مرة، فلاحظ أنه شعور كالعاصفة، فاختار له تسمية قريبة لعلها تحمل نفس الدلالات وتستوعب تلك الشحنة الرمزية الهائلة للعاطفة التي تضاهي العاصفة في القوة والتدفق؟

للعاطفة، كما للعاصفة، نذرها. لكنها نذر سريعة التشكل وسريعة النتائج، ولا سبيل لاتقاء ما تشي به النذر أو إيقافه. فكلاهما حتمي ولا راد له، وكلاهما يأتي بلا ميعاد. يداهمك على حين غرة. ولن يجديك نفعاً أن توصد الأبواب أو النوافذ، فرياح العاصفة ستتسلل عبر الشقوق والفتحات التي لا تراها العين المجردة، ولن يغلق العقل باب القلب حتى لو سعى.

تترك العاصفة في اليوم التالي آثارها: ركاماً من الغبار مرشوشاً كملح البحر على الشرفات والشوارع ومفارق الطرقات، وأشجاراً تكسرت أغصانها أو تدلت. وتترك العاطفة آثاراً مشابهة: ركاماً من الحنين والشوق الجامح والتوق الذي لا يرتوي. هنيهة وتمتلئ الدنيا بالغبار، هنيهة ويمتلئ المدى بفراشات الفرح وقطرات الغناء وينابيع الوله.

مجّد الأدب العاصفة. لعله، بالأحرى، مجّد شجاعة الإنسان تجاه العاصفة، كمعيار الشهامة والرجولة والأريحية في الظرف الاستثنائي. هذا ما فعله ارنست همنغواي، مثلاً، هذا المغامر الجميل الذي عشق البحر والعواصف والرحلات البعيدة وكل ما هو غير عادي وغير مألوف، ومثله فعل كاتبنا العربي حنا مينه، الذي جعل من الساحل السوري فضاء لأبطاله في مواجهة أقدراهم الغامضة مسلحين بالقوة والنبل حتى في لحظات ضعفهم. وهتف أحد شخوص تشيخوف في مسرحية الخال فانيا: أنا الذي تطهره العاصفة.

لكن العاطفة هي مرجل التطهر الحقيقي. كم كان على الإنسان أن يجتاز من الخبرات حتى يكتسب هذا النبل العالي، هذه القدرة على أن يحب، وعلى أن يشبع بعاطفته البهجة في نفسه وفي محيطه، وأن يرى الجمال في التفاصيل الصغيرة، وأن يذوب في جمال روح من يهوى في لحظات لا ندركها دائماً، ولكننا ندركها أحياناً حين يجتاحنا عرس الصدى والألفة التي، وإن غفت، لا تنام..!

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"