ذاكرة الزمن

00:27 صباحا
قراءة 6 دقائق
د . محمد فارس الفارس
منذ ظهور التصوير في منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت الصورة أهم وثيقة تسجل الأحداث . وعلى مدى أكثر من قرن ونصف القرن، التقطت الكاميرات ملايين الصور لحروب وكوارث ومناسبات سعيدة وحزينة لأفراد وجماعات ودول . ولاشك أن الصورة تعني كثيراً في توضيح أي حدث، وتشد القارئ وتجذبه وتحفزه على القراءة باستمتاع .
في هذه الصفحة، لدينا صور كل منها يتحدث عن مناسبة أو حدث معين نعود من خلالها لقراءة التاريخ برؤية معاصرة .

أحمد قاسم البوريني في الشارقة عام 1953

في عام ،1953 قررت الكويت إرسال أول بعثة تعليمية إلى الشارقة للبدء بالتعليم النظامي، وكانت هذه البعثة تتكون من مدرسين اثنين هما: مصطفى يوسف طه وأحمد قاسم البوريني، وفي أواخر الخمسينات، هاجر البوريني إلى ألمانيا حيث استقر هناك وعمل في إذاعة بألمانيا، ولكنه قبل هجرته، ترك لنا أثراً خلد ذكراه، ففي العام 1957 نشر كتاباً عن فترة وجوده في الإمارات، الكتاب اسمه "الإمارات السبع على الساحل الأخضر، تحدث فيه عن الإمارات كما رآها .
يتحدث البوريني الفلسطيني الجنسية عن كيفية انتدابه للعمل بالتدريس ضمن البعثة الكويتية الأولى فيقول: "تقدم من بين من تقدم من الزملاء المدرسين بطلب إلى معارف الكويت، وأبديت رغبتي بالعمل في الشارقة، وشاء الحظ أن يتم اختياري كأحد أفراد البعثة، وبدأت الطائرة ترتفع مغادرة أرض الكويت ووصلنا البحرين بعد ساعتين، وفي اليوم التالي واصلنا السفر حيث حطت الطائرة ذات الثمانية ركاب على أرض مطار الدوحة ثم تابعنا حتى لاحت لنا الشارقة، وكان في استقبالنا شقيق الحاكم وبعض وجهاء الإمارة، وذهبنا إلى الاستراحة، وتحتكر شركة الخليج للطيران النقل الجوي إلى الشارقة كما تحتكر شركة كري مكنزي النقل البحري، والمطار مدني وعسكري وخلف استراحة المطار معسكرات الجيش البريطاني وقوة ساحل عمان ويبعد المطار حوالي 3 كيلومترات عن البلدة" وانتظم البوريني وزميله مصطفى طه في أول مدرسة كانت قائمة أصلاً وتدرس العلوم الدينية هي مدرسة الإصلاح التي أسسها محمد بن علي المحمود، وكان طه مدرساً ومديراً بنفس الوقت، وتحمل هؤلاء الرواد الأوائل صعوبة الحياة، وقبلوا مشاركة أبناء الإمارات ظروفهم القاسية، وكانت الحكومة الكويتية أرسلت قبل وصول البعثة، المقاعد والكتب والقرطاسية والأدوات الرياضية، وكانت المدرسة تضم ما بين 250-300 طالب وطالبة في العام الدراسي الأول الذي افتتحه المدرسان طه والبوريني .

مكة المكرمة 1880

تعد الصور الجميلة التي التقطها الضابط والرحالة المصري محمد صادق باشا لمكة المكرمة عام ،1880 الصور الأولى التي تلتقط للحرم المكي . ولد محمد صادق في القاهرة عام 1822 والتحق بالمدرسة الحربية، ولنبوغه وتفوقه، تم اختياره ليكون ضمن أعضاء البعثة العلمية المسافرة إلى باريس لتلقي فنون الحربية هناك، وكان برفقته اثنان من أبناء إبراهيم باشا ابن محمد علي، وهما الخديوي إسماعيل والأمير أحمد، وذاعت شهرة محمد صادق بين أقرانه من الكتاب والمثقفين من خلال مؤلفاته عن الحج وشعائره إضافة إلى مجموعة من الصور الرائعة التي التقطها بنفسه ليصبح بذلك أول من التقط صوراً لكل من مكة والمدينة، وكانت الزيارة الأولى له لمكة عام 1860 بصحبة والي مصر محمد سعيد باشا، ودوّن تفاصيل تلك الرحلة في كتاب، ويقول عن تلك الرحلة: "اتجهنا بالقطار إلى السويس ثم استقللنا الباخرة إلى ميناء الوجه ومنها أخذنا الجمال وبدأنا سيرنا باتجاه المدينة المنورة" ووصف بعناية ودقة بالغة وعورة الجبال والقلاع والشخصيات وأسماء القبائل وغيرها، وعندما وصل إلى هناك التقط صوراً للمدينة المنورة، ويبدو أنه في هذه الرحلة لم يلتقط صوراً لمكة على الرغم من زيارته لها، ولكن الرحلة الأكثر أهمية لصادق باشا كانت عام ،1880 أي بعد مرور عشرين عاماً على زيارته الأولى عام ،1860 ودوّن تفاصيل هذه الرحلة في كتاب بعنوان "مشعل المحمل"، وذكر في هذا الكتاب البروتوكول المتبع في سفر المحمل المصري، ويقول: "في 27 سبتمبر/أيلول 1880 تهيأ المحمل الشريف بميدان محمد علي في تمام الساعة 3 ظهراً بحضور خديوي مصر محمد توفيق باشا، واستلم أمير الحج زمام جمل المحمل من يد الخديوي بحضور النظار ولفيف من العلماء والمشايخ، وفي اليوم الثالث تم استلام كسوة الكعبة الشريفة وهي 11 قطعة وتحرك الموكب قاصداً الأراضي الحجازية" .
وفي هذه الرحلة كانت الكاميرا ترافق صادق باشا، وعن التقاطه للصور، يقول: "في 23 نوفمبر/تشرين الثاني1880 تيسر لي في هذه الأيام أخذ رسم المسجد المكي والكعبة بالفوتوغرافيا" وقد حاز صادق باشا ميدالية ذهبية من الدرجة الأولى في معرض ونيزيا عام 1881 على هذه الصور التي التقطها، ولم يسبقه أحد فيها .

السينما في الكويت

من عاش في الكويت في فترة الستينات أو السبعينات من القرن الماضي لا بد أنه ذهب لمشاهدة أحد الأفلام العربية أو الأجنبية في إحدى دور العرض المعروفة، مثل سينما الأندلس أو سينما حولي اللتين تقعان في منطقة حولي، أو سينما الفردوس وسينما الحمراء، وكانت بعض هذه السينمات مثل سينما حولي مخصصة للعروض الصيفية فقط، حيث تكون السينما عبارة عن مبنى مكشوف ويجلس المشاهدون في الهواء الطلق، وبدأت السينما في الكويت عندما تأسست شركة السينما الكويتية الوطنية عام 1954 وكان يطلق عليها في البداية اسم "شركة الكويت للسينما"، وكان رأسمالها عند التأسيس 7 ملايين روبية قبل أن يصبح الدينار الكويتي هو العملة الرسمية للدولة، وأول دار تأسست في الكويت هي دار سينما الشرقية عام 1955 وكان موقعها بالقرب من المستشفى الأميري، وكانت كبيرة نسبياً حيث تتسع لنحو 1000 شخص، وكانت سينما الشرقية مكشوفة صيفاً وتغطى بالطربال شتاء، وكانت شركة السينما الكويتية شركة مساهمة للكويتيين، حيث طرحت أسهمها في السوق بسعر 100 روبية للسهم الواحد وهو ما يعادل 500 .7 دينار كويتي، وحددت هيئة المؤسسين مبلغ 500 سهم كحد أعلى لكل مساهم، وشكل المؤسسون بعد ذلك مجلس إدارة للشركة، وتم انتخاب 10 أعضاء من المساهمين وهم : يوسف الفليج، نصف اليوسف النصف، عبدالعزيز حمد الصقر، محمد عبدالرحمن البحر، يعقوب يوسف الحمد، بدر سالم العبدالوهاب، خليفة خالد الغنيم، أحمد السيد هاشم الغربللي، أحمد سعود الخالد، خالد زيد الخالد .

بداية التعليم النظامي في قطر

في عام 1947 اكتشف النفط في قطر، ورأى الشيخ حمد بن عبدالله آل ثاني الذي كان يصرف شؤون الحكم نيابة عن والده الشيخ عبدالله بن قاسم آل ثاني أن التعليم العصري أصبح ضرورة حتمية، وتم الطلب من محمد بن علي المحمود من أهالي الشارقة بافتتاح مدرسة في الدوحة، فحضر عام 1947 واستأجر مبنى في حي الجسرة بالدوحة وافتتح مدرسة سماها "الإصلاح الحمدية" والتحق بها في السنة الأولى 50 طالباً قطرياً، ثم انضم اليهم 30 طالباً من الشارقة، وتطورت المدرسة بسرعة وزاد عدد التلاميذ والمدرسين، وفي عام 1954 نقلت المدرسة إلى مبنى جديد وسميت المدرسة الابتدائية ثم تغير اسمها إلى مدرسة قطر الابتدائية، وتأسست مدرسة أخرى في الدوحة عام 1954 باسم الروضة القديمة، وفي قرية الخور أنشئت مدرسة شبه ابتدائية عام 1952 تبعتها مدرسة أخرى في قرية الرويس، عام ،1952 وبنهاية عام 1954 كان هناك أربع مدارس في قطر يتولى التعليم فيها 26 مدرساً معظمهم من سوريا وفلسطين والأردن ومصر . وشهدت الفترة من 1954 إلى 1964 توسعاً كبيراً في التعليم الابتدائي وزاد عدد المدراس ليصبح 6 عام ،1956 أما بالنسبة لتعليم البنات، فافتتحت أول مدرسة نظامية باسم بنات الدوحة عام ،1955 وبدأت المدرسة بصفين يدرس بهما 50 طالبة، وكانت هناك معارضة من الأهالي في البداية بشأن تعليم البنات، إلا أن المجتمع القطري بدأ يتقبل تدريجياً ذلك، وفي عام 1957 أنشئت وزارة المعارف، وأصبحت الحكومة مسؤولة بشكل منظم عن التعليم، وتطورت نظم التعليم النظامي وارتفعت أعداد مدارس البنات، خاصة بعد فتوى الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع التي يؤيد فيها بشدة تعليم البنات، وسجل المدرسون العرب مواقف مشرفة في الصبر وتحمل مشاق الحياة في قطر في فترة الخمسينات ونقص وسائل المعيشة المريحة مثل الكهرباء والنقل والإسكان المريح رغبة منهم في المساهمة بتطوير التعليم في هذا الجزء من العالم العربي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"