محمد الشافعي: الموسيقا عيناي

أصغر كفيف يكتب النوتة ويدرّس الكمبيوتر لأقرانه
12:38 مساء
قراءة 6 دقائق

عندما تجلس معه تشعر بأنك تجالس موسيقاراً عظيماً وأديبا كبيراً . يتكلم بلباقة شديدة، لديه ثقة وذكاء يحسده عليه الكثيرون، ثقافته تبهرك، إذْ قرأ الكثير ولديه كم من المعلومات والأفكار صعب أن تجدها لدى رجل في الخمسين . جمع بين الموسيقا والتكنولوجيا الحديثة لدرجة أنه سبق من هم في سنه بكثير، بحيث لا يصدق أحد إمكان أن تجتمع هذه المواهب في طفل كفيف عمره 14 سنة .

محمد أيمن الشافعى أصغر كفيف يجيد قراءة وكتابة النوتة الموسيقية ويعشق الألحان والتوزيع الموسيقي إلى درجة أنه يعلم أصدقاءه المبصرين الموسيقا، كما يعشق اللغة العربية وحروفها ويجيد قواعدها وأيضا يتقن الإنجليزية تحدثا وكتابة . والطفل المعجزة، كما يوصف، لا يتوقف نبوغه عند هذه القدرات المتعددة و إنما يهوى أيضا الأدب ويقرأ بنهم لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين وحصل على شهادة ةة معتمدة من شركة ميكروسوفت ليصبح أصغر كفيف مؤهل لتدريس الكمبيوتر للمكفوفين .

هنا حوار مع محمد يقترب أكثر من تفاصيل تفوقه:

كيف كانت بداية بزوغ مواهبك؟

لم أشعر من يوم ولادتى بأنني كفيف، أمي وأبي كثيرا ما كانا يقدمان لي كل أنواع المعرفة من قراءة الكتب إلى سماع الموسيقا حتى مشاهدة التلفزيون، كانا يشاهدانه ويصفان لي اللقطات عشرات الكتب سمعتها من أبي وأمي، ومنذ صغري وأنا أستمع لكل أنواع الموسيقا .

ولا أعرف متى بالضبط بدأت أميل للعزف لكنه شيء كبر معي بمرور الوقت . ورغم أنني ولدت كفيفا إلا أن الله عوضنى بالعديد من القدرات الكثيرة الجميلة ومنها الأذن الموسيقية، فأمي دائما تحكي لي أنني منذ أن كنت رضيعا لم أكن أكف عن البكاء ولا أنام إلا على أنغام الموسيقا، وبدأت أستمع إلى أغانى فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وكبار الفنانين وأنا في الثالثة من عمري . وعند سن الخامسة بدأت أعزف على البيانو، طبعاً لم يكن بشكل متقن ولكنه كان مجرد ضغط طفل صغير على البيانو، من هنا شعر والدي ووالدتي أن هناك شيئا بداخلي تجاه الموسيقا وسرعان ما أحضرا لي مدرس موسيقا وبدأ في تدريبي وأنا عمري ست سنوات وهو أول من التفت إلى موهبتي . ونصح وقتها والدي بضمي إلى الكلية الإنجليزية لأتعلم الموسيقا، والتي تمنح خريجيها شهادة تؤهلهم للالتحاق بأوركسترا برلين .

هناك بدأت بشكل أكاديمي أتعلم العزف والموسيقا وكنت أصغر دارس في الكلية .

وما الذي تعلمته داخل الكلية؟

تعلمت كيف أعزف كمحترف واكتسبت خبرة كبيرة، وكنت طالبا مجتهدا ما أتعلمه بالنهار أظل طيلة الليل أتدرب عليه في البيت خاصة وأن لدي بيانو منذ أن وعيت على الدنيا كان صديقي وعيني وحياتي كلها . وفي الكلية تعلمت العزف على البيانو والأورج والعود ووصلت الآن إلى المستوى السابع من ثمانية مستويات دراسية ويعد هذا إنجازا لأن من هم في سني لا يزالون في المستوى الأول أو الثاني .

وماذا عن النوتة الموسيقية التي تكتبها؟

برايل هي الطريقة الملموسة للحروف وتعلمت النوتة الموسيقية بهذه الطريقة مثل القراءة والكتابة، وهذه الطريقة صعبة لكن بالتمرين استطعت أن أجيدها، وكانت هناك صعوبة في البداية، لأن كل دولة لها نوتة وعندما ابتكروا النوتة العالمية وجدت صعوبة أكبر في ترجمتها إلى طريقة برايل مما دفعني إلى التفكير في ابتكار رموز وحروف خاصة بي تساعدني على عزف المقطوعات الموسيقية العالمية من دون الإخلال بأي جزء من اللحن وبطريقة برايل .

والنوتة الموسيقية بطريقة برايل تساعد من يرغب في العزف على استخدام اللمس كبديل للقراءة وأنا أصغر من تعلموا تلك الطريقة في العالم .

ومعروف أن النوتة في الأمور العادية توضع أمام عيني العازف، لكن النوتة الموسيقية بطريقة برايل مختلفة الحروف وتوضع تحت يدي وليس أمامي طبعا، وعندما أحب تأليف مقطوعة أقوم بتلقينها إلى شخص يكتبها قبل تحويلها لطريقة برايل لأستطيع أن أعزفها .

من أهم العازفين والمطربين الذين تسمع لهم؟

أهوى عزف سيمفونيات باخ وبيتهوفن وتشيكوفيسكى وأعشق الموسيقا الشرقية وخاصة ألحان عمار الشريعى و عبد الوهاب وفريد الأطرش وزكريا أحمد ولدي اهتمام بالمؤثرات الصوتية، أيضا لدي مكتبة فنية تضم الموسيقا التصويرية للعديد من الأفلام السينمائية بالإضافة للسيمفونيات الأجنبية وأجمل المقطوعات الشرقية ويعد فريد الأطرش مثلي الأعلى في مجال الموسيقا، حيث أراه فنانا متكاملا يلحن ويغنى ويمثل، وأعشق عمار الشريعى وأتمنى أن أصبح مثله وأعتز كثيرا بالدكتور طه حسين في مجال الأدب حيث أتعلم منه التعرف على الجانب الرمادي في كل شخصية .

ماذا عن تعليمك الموسيقا لزملائك؟

جاءت فكرة التدريس بعدما وصلت لمرحلة احتراف العزف، والمسألة بدأت بشكل شخصي عندما وجدت ثلاثة طلاب متقدمين لاختبارات القبول في الكلية الإنجليزية لتعلم الموسيقا ولم يتم قبولهم، ثم التقيت بهم أثناء خروجهم من الكلية وعرضت عليهم أن أساعدهم وبالفعل بعد تدريب دام شهرا خاضوا الاختبارات مرة ثانية وقبلوا في الكلية معنا . وفي إحدى المحاضرات قصوا ما حدث لأحد الأساتذة فشكرني على ما قمت به وأكد لي أنني استطعت أن أقوم بتعليمهم قواعد مهمة في شهر كانوا يحتاجون لتدريب ستة أشهر عليها . ومن فرط إعجابه بما قمت به، اقترح على إدارة الكلية أن أدرب المتقدمين فوافقت .

ألا تشعر بالحزن ولو للحظات لأنك حرمت من نعمة البصر؟

أنا راض وسعيد ولم أشعر قط أنني كفيف، أتعلم وأذهب إلى مدرستي ومتفوق في دراستي ولي مواهب كثيرة أنميها وحققت إنجازا كبيرا فيها واستطعت أن أسابق السنين فالذي تعلمته في 5 سنوات يحتاج إلى 10 سنوات، وأسرتي متدينة جداً لذلك علمتني كيف أرضى بقضاء الله، هذا غير كرم ربي علىّ فقد وهبني أذنا موسيقية وذكاء شديدا وإحساسا عاليا وأري أن في عطائه هذا أكبر عوض عن البصر .

ألم تسأل يوما طبيبا عن جراحة أو علاج يجعلك تبصر؟

لا أشغل بالي، أنا متأقلم هكذا، ورغم أني سمعت أكثر من مرة عن أطباء عيون أجانب يأتون لمصر لأجراء عمليات دقيقة وما شابه إلا أنني بعد أن ذهبت في إحدى المرات لخوض هذه التجربة شعرت أن الأمل والجري وراءه سيأخذان الكثير من وقتي وأعصابي وسيعطلني، لذلك ألغيت الفكرة .

التقيت مرة بالموسيقار الكبير عمار الشريعي وقال لك إنك موهوب وتذكره بنفسه، بم شعرت بعد أن قال لك هذا؟

هناك مسابقة للموهوبين المكفوفين ينظمها عمار الشريعي سنويا، وتقدمت مثل العشرات والتقيته في أحد الاختبارات وعندما سمعني أعزف لحن الربيع لفريد الأطرش أبدى إعجابه الشديد بي وكانت تلك أكبر شهادة حصلت عليها في حياتي إذ ظل يحييني وقتا طويلا وطلب مني أن أعزف أي جزء من سيمفونية غربية وبالفعل عزفت جزءا من مقطوعة لبيتهوفن فوجدته يسألني عن بعض التفاصيل في النوتة الموسيقية وبعض قواعد العزف فأجبته فكان سعيدا جدا بي وقال لي وقتها إنه في يوم من الأيام وهو في سني مر بكل ما أمر به الآن وأنه كان متفوقا وموهوبا وبالصبر وصل إلى ما هو فيه الآن ونصحني أن أجتهد أكثر وأتعلم وأستمر .

وماذا أضافت لك الموسيقا؟

أضافت الكثير لشخصيتي، وعندما أشعر بالحزن أو الاكتئاب وأستمع إلى موسيقا حلوة أشعر على الفور بالأمل والسعادة، والموسيقا تمنحني عينين وصوراً وطبيعة تعطيني الخيال والجمال وتعوضنى عما حرمت منه .

وماذا عن الكمبيوتر؟

أتعلم مثل أي فتى في سني وأسير في التعليم بمستوي جيد وأجيد اللغة الإنجليزية التي تعلمتها مثل العربية والنوتة الموسيقية والكمبيوتر، وتعلمت كل ذلك بطريقة برايل، لكن الكمبيوتر بالذات أجدته تماما لإيماني الشديد بأهميته لأنه يساعدنا على متابعة ما يدور في العالم، وأجدت التعامل معه وبطلاقة لدرجة أنني حصلت على شهادة ICI وهي شهادة معتمدة من شركة ميكروسوفت لأصبح أصغر كفيف مؤهلاً لتدريس الكمبيوتر للمكفوفين، وتدريسي للمكفوفين شيء يشرفني ويزيدني فخراً، إذ أشعر دائما بمسؤولية تجاههم، فهناك من وقف إلى جانبي وأتمنى أن أقف إلى جوار أي شخص يحتاج إلى مساعدة، وفي أحد المؤتمرات التي شاركت فيها منحوني لقب الطفل المثالي عام 2006 ومن يومها وأنا حريص على أن أساعد كل طفل كفيف مثلي ليكون في أحد الأيام مثاليا .

وما الذي تتمناه؟

أتمنى أن أكون عازفا شهيراً وأصل إلى العالمية وأتمنى أن أكون فخرا لبلادي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"