بعقود الزهور والياسمين ودوائر الضوء تستقبل دبي الآتي إليها من كل صوب، واعدة الحاضرين إليها أن تغمرهم بكل الفرح، تغازل سياح العالم فيحطون رحالهم على أرضها،، فكل آتٍ إليها في عينيه أحلام العمر، يشدو بلحن الوفاء وبوعد اللقاء معها مرات ومرات، هي كل ذلك وأكثر .
دبي . . حكاية تحكى، إرادة لا تعرف المستحيل، تنفيذ لا تقف أمامه العراقيل، هكذا كانت بدايتها وهذه هي حكايتها ومفتاح سر نجاحها، معاً نكمل الحكاية، حكاية تظاهرة فرح وثقافة و مال وأعمال تبرم في إطار واحد، من أشهر مهرجانات العالم مهرجان دبي للتسوق الذي يقام في دبي سنوياً منذ عام 1996. قبل إلقاء الضوء على أهمية مهرجان دبي للتسوق لابد لنا من وقفة تفرض حضورها بقوة وهي فلسفة وثقافة المهرجانات، نعم فوراء كل نجاح فلسفة وثقافة ينطلق منها وعليها يرتكز .
أول من اكتشف ما يعرف باسم ثقافة المهرجانات العالم الألماني مارك شترومر في العام 1920 من القرن الماضي، وهو عالم ومتخصص في علم الاجتماع ومتخصص في أيديولوجية تأثير الفعل الجمعي في الفرد .
بدأ شترومر تجربته على مجموعة من أطفال المدارس الابتدائية، ودعاهم لمدة 10 أيام في حديقة منزله في مدينة بون الألمانية العريقة، ونسق الحديقة وقام بعمل مهرجان صغير للحصاد، وكان دور الصغار القيام يومياً بكتابة نبذة عن يومهم داخل حديقة شترومر وكيفية استمتاعهم بهذه الفكرة الرائدة، ومن خلال مراقبته لهم خرج باستنتاج هام وهو أن اثنين من الصغار كانا في حالة انطواء، ولكنهما بعد اليوم الرابع تأثرا بالمشاعر الجماعية لرفاقهما وساهما في الاستمتاع بالمهرجان الصغير، وخرجوا بكتابة انطباعاتهم التي لاحظ العالم الألماني بأنها أثرت ثقافتهم وأثرت كذلك في أهمية إعمال الفكر، ومن هنا تفجرت أول شرارة في الغرب بما تعرف باسم ثقافة المهرجانات ومدى تأثيرها في الفرد .
وثقافة المهرجانات أيضاً إطلالة على إبداعات الشعوب والأفراد المشاركين في المهرجانات على مستوى العالم العربي والدولي وهي تعريف بالآخر، وبثقافته، وبفنه، وبتاريخه وأيضاً بعاداته وتقاليده، وكذلك كيفية التطور الفكري والثقافي لتوظيفهما في مجال الإبداعات، كأن العالم كله يضع أفضل ما عنده في قلب مهرجان واحد، لابد أن تتوافر له بنيات أساسية من الاستقطاب والسياحة والمصداقية، وأيضاً القدرة على إحداث الفرح وكيفية المشاركة فيه، وهنا تطل نظرية البهجة، وهي نظرية في علم النفس أسسها الفيلسوف اليوناني آبيقور، والتي ترتكز على أن السعادة والبهجة هما الهدف الأساسي للحياة الإنسانية، وأنهما ركيزتان للإبداع والثقافة، ويعكس فيلم الساحر من بطولة محمود عبد العزيز هذا المفهوم وهذه النظرية، ويلحظ ذلك على الفور من اسم محمود عبد العزيز في الفيلم منصور بهجة لأنه يشيع الفرح ومفردات الجمال وثقافة القفز على الواقع وتغييره للأفضل .
وقد تمكنت دبي بالفعل من تطبيق نظرية وثقافة البهجة وثقافة الانغماس في التجمعات التي يستشعر معها الإنسان بأنه جزء مهم من كل متفاعل ورائد .
وثقافة المهرجانات هي نوع من العلاجات غير المباشرة وغير التقليدية لكل من هم مهمومون بالشأن الشخصي الضاغط، والشأن العام الذي ربما يحتاج في أحوال كثيرة إلى ثقافة من نوع خاص وهي ثقافة المعايشة حتى يتم التغيير للأفضل، أيضاً تلعب المهرجانات دوراً مهماً في إخراج الأشخاص المصابين بالاكتئاب والانطواء، لأن المهرجانات وخاصة مهرجان دبي للتسوق العبقري في تحريك الاقتصاد، يلعب ذلك في شفاء هؤلاء المرضى، فالتسوق الشخصي وسط المجموعة هو علاج يصنعه الأطباء بالفعل، لأن الشراء والاقتناء كل منهما يرتكز على فلسفة أهمية الذات البشرية والاعتناء بها، وهي ثقافة حديثة يلتزم بها علماء النفس في الشرق والغرب على حد سواء، ومن رواد هذا العلاج الدكتور أحمد عكاشة استشاري الطب النفسي وعضو الجمعية الأمريكية للطب النفسي .
دبي تتألق في مهرجانها هو الشعار الذي انطلق منه مهرجان دبي للتسوق هذا العام في دورته السابعة عشرة، وتصاحب المهرجان عشرات الفاعليات الترويجية والثقافية والترفيهية، والهدايا والحفاوة وسط تظاهرة ترحيب أوسع من خيالٍ لكل زوار المهرجان والقادمين لمدينة الفرح والأمل الكبير في الغد .
يبدأ مهرجان دبي كل عام بحفل افتتاح يفوق الخيال في جماليته وثقافة القائمين عليه بمفردات المهرجانات على مستوى العالم، فيعد الافتتاح وحدة جدارية متحركة واعدة بما هو أكثر من ذلك بكثير داخل أماكن المهرجان على امتداد شوارع دبي والقرية العالمية ومراكز التسوق، جميعها تداعب خيال وذوق الكبار والصغار، والمسنين وكل فئات القادمين إليها .
مهرجانات للطهي يحضرها طهاة من كل أنحاء العالم، فالمهرجان يحرك الحواس الخمس للإنسان، الجمال والتذوق والشعور والنظر لكل ما هو راق واستنشاق
وشم رائحة، يتختلط فيها عبق البخور والزهور والعطور والأكلات التي تتصاعد من أبخرتها ثقافات متعددة من كل أرجاء المعمورة .
وإذا كانت دبي تطلق مهرجانها لهذا العام تحت شعار دبي تتألق في مهرجانها، فإنها قد أطلقت في أول دورة لمهرجانها في العام 1996 شعاراً يخاطب الحس الإنساني، وهو شعار عالم واحد عائلة واحدة وهو شعار ثابت للمهرجان، وحقق ذلك نجاحات كبيرة منذ بداية انطلاقه، حيث استطاع أن يجعل من دبي ملتقى للشعوب لتتعرف إلى ثقافة التسوق والترفيه والفرح وثقافة المشاركة، وثقافة فن الربح الوفير .
وكانت نجاحات المهرجان الأولى لدبي واضحة من حيث استقطاب العالم لها وانعكاساته الاقتصادية واضحة على كافة القطاعات حيث بلغ حجم الإنفاق في العام 1996 نحو 15 .2 مليار درهم، وبلغ عدد الزوار 7 .1 مليون زائر، وتوالت الازدهارات لتبلغ القمة في عامنا هذا في الألفية الثالثة التي دخلتها دبي مرتكزة على كونها واحدة من أشهر مدن العالم جذباً للسياح، والأكثر دخلاً من عائدات السياحة .
هذه النجاحات الكبيرة لمهرجان دبي للتسوق عبر مسيرته الطويلة، كانت وراءها مؤسسة دبي للفاعليات والترويج التجاري والتي عرفت في الماضي باسم مكتب مهرجان دبي للتسوق في الأعوام الأولى لانطلاق المهرجان، لتتولى مهمة الإشراف والتنظيم والتنسيق، وإدارة المبادرات الخلاقة والواعية والطموحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله .
إدارة المهرجان حرصت على التنسيق فيما بين القطاعين العام والخاص، ما يؤدي إلى تحريك هائل للاقتصاد، فعمدت مؤسسة دبي للفاعليات والترويج التجاري إلى التشاور مع كبار رجال الأعمال وكبار التجار وذوي الرأي، وكان نتاج ذلك كله هذا التعاون المثمر الذي أوصل دبي إلى ما وصلت إليه من شهرة ومكانة في عالم المال والأعمال، كما وضعت المؤسسة المنظمة لفاعليات مهرجان دبي مفاجآت صيف دبي، بالإضافة إلى إدارة علامة مدهش التجارية التي أصبحت الشعار المعتمد لمهرجان صيف دبي .
وتستمر نجاحات مهرجانات دبي تحت مصداقية للثقافة التي يستند إليها جوهر إقامة المهرجان، وكانت النجاحات العملاقة هي أيضاً شعارات حرصت عليها مدينة دبي لمزيد من التألق والجذب والعالمية، فقد أوضح إبراهيم صالح المنسق العام للمهرجانات نائب المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للفاعليات والترويج التجاري أن الميزانية العامة المخصصة لمهرجان دبي في دورته الحالية 2012 التي قدرت ب70 مليون درهم، 30 % منها دعم حكومي .
وركز صالح بأن الفعاليات المتميزة هذا العام حرصنا أن تتناسب مع عالمية دبي ومكانتها بين مدن العالم الكبرى، ومن هذه الفاعليات الجديدة فيستفال بروميناد في دبي فيستفال سيتي، بالإضافة إلى العديد من فاعليات المهرجان الرئيسية، كالقرية العالمية وهي ضمن فلسفة وثقافة المهرجانات، حيث بتعرف السائح إلى ثقافات العالم داخل مكان واحد، وربما يوحي هذا المسمى القرية العالمية بما تردد مؤخراً في السنوات الماضية في مجال السياسة والاقتصاد والسياحة ومجال الشبكات العنكبوتية بأن العالم أصبح قرية صغيرة، قصرت المسافات فيما بينه بفعل وسائل عملاقة للسفر وبفعل تقنيات شبكات الاتصال وأهمها الشبكة العنكبوتية المتعددة على الانترنت، وهو بعد آخر لثقافة التجمعات وسرعة وصولها .
ومقياس النجاح للمهرجانات هو نسبة أعداد السياح والزائرين الذين قدر عددهم بالنسبة لدورة المهرجان هذا العام بنحو 4 ملايين زائر أنفقوا ما متوسطه 15 مليون درهم، وسماء دبي فرحة ملونة تصاحب ثقافة الفرح على امتداد أيام مهرجان دبي للتسوق، تضيء الألعاب النارية الملونة بألوان قوس قزح والألوان الساخنة كالأرجواني والأزرق والبنفسجي في تشكيلات مبهرة تنير وتتوهج في ليالي دبي، وتنطلق الألعاب النارية يومياً في دبي الساعة 30 .8 مساء من خور دبي مقابل شارع السيف، وهي برعاية مجموعة الزرعوني .
وبالنسبة لثقافة المهرجانات والتي يدخل جزء منها في إطار الحكاية الخيالية الأسطورية، فيقال إن الألعاب النارية خاصة تلك التي بلون قوس قزح الناعسة في هدوء ألوانها يوجد في نهايتها قدر كبير من ذهب يتناثر فيعم الثراء على العالم، وهذه الأسطورة من الثقافة التركية القديمة التي كانت ترويها الجدة لأحفادها فيتسع خيالهم، ويزيد بريق عيونهم، وتشتعل طموحاتهم ويزداد فرحهم فتتحقق البهجة واحدة من مفردات ثقافة الفرح بالمهرجانات .
مهرجان دبي للتسوق إحدى المناسبات التي تطبع في الذاكرة وفي القلب والوجدان، يعود الزائرون له لبلادهم حاملين الهدايا وحفنة من الذكريات، وأملاً ووعداً بالعودة لمدينة النور وعقود الزهور والياسمين وعبق البخور، وبنايات شامخة وتقنيات أوسع من الخيال، ومراكز تسوق وفنادق 7 نجوم، ومدينة أشبه بالحلم .