"مزيرع" خضراء تحتضنها الجبال

ملامح من الوطن
13:22 مساء
قراءة 5 دقائق

منطقة مزيرع التابعة لإمارة عجمان، جزء من مصفوت وهي تتميز بموقع فريد خاص، حيث تحتضنها وتلفها الجبال من كل جانب، مشكلة مظهراً بهيجاً لزوارها من السياح خصوصاً في موسم الشتاء عندما يفدون إليها للاستمتاع بالأجواء الساحرة والمناظر الخلابة، إضافة إلى أنها من المناطق المحافظة على تعاليم الدين، وأهلها حريصون على نقل مبادئ الشريعة الإسلامية إلى الأجيال الجديدة شأن بقية مناطق الدولة . وترتبط مزيرع ومصفوت بطرق واسعة مع الشارقة ودبي من جهة الشمال، ورأس الخيمة وأم القيوين من الجوب والذيد والفجيرة من الشمال الغربي .

سيف الرالي من أبناء مصفوت، عمره 39 عاماً يعمل موظفاً، ورغم صغر سنة يحمل في قلبه وعقله تاريخ مزيرع الذي قال عنه: أهل مزيرع من قبيلة بني كعب التي يمتد إليها نسبهم، وهي من أعرق القبائل العربية والأصيلة، والجميع يعرف أنهم أهل شعر، ورجال عظام في الحروب، مؤكداً أن هذه القبيلة تتكون من أربع بطون هي: بني عقيل وبني قشير وبني جعدة، وبين الحريش، وأن أغلب سكان مزيرع من عشائر بني الحريش، ويمتد نسب بعضهم إلى قبيلة يدوات، وهم يتميزون بالطيبة والبساطة على الرغم من بعض التغييرات التي أوجدها التطور .

ترابط اجتماعي

ولفت سيف إلى أن والده يحكي دائماً عن التربط الاجتماعي القوي الذي كان يربط بين الأهالي، ففي رمضان على سبيل المثال، كان السكان في البيوت المتقاربة يتجمعون على مائدة إفطار واحدة، وكان الرجال في النهار يببللون ثيابهم ويرقدون قرب القنوات المائية وقت القيلولة، ويصلون الجماعة والتراويح في مسجد مصفوت القديم، في حين كانوا يصلون العيد في أرض واسعة، في الصحراء، ما يؤكد أنهم كانوا متعاونين ومتكاتفين في كافة أمور حياتهم، وهو أمر اختلف الآن ربما لتباعد البيوت، واغلاق أبوابها معظم الوقت بسبب المكيفات، والتلهي بالتلفزيون والكمبيوتر والأشياء الأخرى التي سيطرت على الناس .

العسل في الجبال

رابح السعدي (79 عاماً) ولأنه عاش عمره في مزيرع، وهو أحد أبنائها الكبار كان لابد من لقائه، وقد اعتاد الجلوس أمام بيته يستمتع بالهواء بعيداً عن المكيفات التي لا يحبها يقول: إنه في جلسته ينظر إلى مرابعه التي شهدت صباه، وأنه يفضل الجلوس في الهواء الطلق، ولا يحب الطعام المعلب أو الذي تبيعه المحال، في حين أن حياة الصغار من أحفاده مختلفة تماماً، وطعامهم أيضاً مختلف، لذلك يرى أنهم لا يتمتعون بالصحة التي كان هو وجيله يتمتعون بها وهم في مثل أعمارهم، مشيراً إلى أن ماضي منطقة مزيرع كان مختلفاً عما نعيشه الآن، فالعلاج كان بالأعشاب الطبيعية، والسفر كان على الجمل، والصخام - الفحم - كانوا يصنعونه من أشجار السمر، ويزرعون الغليون في نواحي مزيرع التي كانت غنية بالماء والخضرة وتعيش فيها حيوانات أحياناً يصيدون منها مثل الظباء والوعول، وكان الرجال يحملون السلاح في كل تنقلاتهم، وهي أسلحة مثل الفلاسي وأعشر والصمعة، والمبرز، وغير ذلك من البنادق المعروفة وقتها، وكان سعرها يتراوح بين عشرين ومائتي روبية .

ويشير السعدي إلى أن العسل كان متوفراً بصورة هائلة في الجبال، مثل العسب، والبرم، والأشخاص كانوا يكتشفونه في الجبال، فيقوم كل واحد منهم بوضع علامة على العسل الذي وجده، ولا يمكن لأحد أن يتعدى عليه، والسكن كان متفرقاً حسب أرض كل شخص، وزراعته، والطعام كان من الذرة، والنساء كن يصنعن الثريد والهريس في المواسم والأعياد، والأمطار كانت دائمة والعشب في كل مكان، ولكن الأرض جفت اليوم كثيراً، لندرة الأمطار .

تطور في هدوء

أمام أحد البيوت قابلنا المواطن صالح سيف الذي وصف تطور الحياة بأنه يسير بهدوء في المنطقة، خاصة بعد تعاون الجهات المسؤولة عن الرعاية الصحية في الدولة وسعيها لتحسين الأداء في مزيرع نتيجة ما لمسه مسؤولون قاموا بعدد من الزيارات الميدانية إلى المركز الطبي الذي يستقبل حالات عدة يومياً، وقال صالح سيف إن الشوارع أصبحت الآن كلها منارة بالكهرباء، ولا توجد مساحة في المنطقة لا تضاء ليلاً، ولم يعد التيار الكهربائي ينقطع كما كان يحدث من قبل، وذلك بفضل جهود حكومة عجمان التي تعمل بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان .

وأضاف: توجد في المنطقة مدرستان، الأولى مدرسة مزيرع للتعليم الأساسي والثانوي للبنات، وأخرى هي مدرسة أبو سعيد الخدري للبنين، ويعتمد أهل مزيرع في أكلهم على التمر والخبز، والعسل، والسمك، والأرز، والمنطقة زراعية لأنها تتميز بالتربة الخصبة والوديان الفسيحة، وفيها عدد من المساجد الصغيرة المنتشرة بين البيوت ومعظمها شيدها المواطنون بجهودهم الشخصية .

معلم تاريخي

ويدلنا سلطان الكعبي إلى أهم الأماكن المهمة، ومنها معلم تاريخي في المنطقة، وهو حوض الشيخ زايد، الموجود وسط الجبال محاط بسور سلكي، اقتربنا من الباب فوجدناه مفتوحاً، وهناك وجدنا حوض مياه كبيراً محفوراً عليه اسم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وعلمنا أن من أنشأ هذا الحوض مواطن من أهل المنطقة يدعى راشد محمد شخبوط الكعبي، تعبيراً عن مدى حبه للمغفور له بإذن الله وتخليداً لذكراه، وهو حوض ارتفاعه 20 متراً عن سطح الأرض، ويتسع لنحو 25 ألف جالون من المياه . ويقول الكعبي عن هذا الحوض إنه شيد تعبيراً عن الحب الذي في قلوب كل الإماراتيين للمغفور له بإذن الله، بتشجيع من صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وسمو الشيخ عمار بن حميد النعيمي ولي عهد عجمان، والشيخ راشد بن حميد النعيمي رئيس دائرة التخطيط والبلدية في عجمان، وتوجد بجوار الحوض منصة لكبار الزوار، إضافة إلى استراحة تضم مجلساً يحوي مجموعة من الأسلحة يزيد عمرها على 120 سنة، كما تحيط بالمنطقة مجموعة من الاستراحات مكونة مجموعة جميلة من الأبنية المقامة على قمم الجبال وفوق التلال تقود إليها سلالم محفورة في الصخر ومحاطة بالنباتات والزهور .

مستقبل سياحي

ويؤكد سعيد المطروشي رئيس المجلس التنفيذي في عجمان أن مزيرع من المناطق السياحية التي يتنبأ لها بمستقبل سياحي كبير لطبيعتها الخلابة وجوها الصحي، وهي عامل جذب لهواة الرحلات في الهواء الطلق والاستمتاع بالطبيعة المتعددة العناصر من الجبال والمساحات الخضراء، مشيراً إلى وجود خطط لإنشاء منتجعات سياحية على مستوى عالمي لتشجيع السياحة، لذلك تم ترميم الوديان ومجاريها، إضافة إلى وجود خطة مستقبلية لتطوير المنطقة بعد أن تم رصف طرق عدة داخلها، إضافة إلى ردم الأماكن المنخفضة فضلاً عن حملات عدة للنظافة بهدف القضاء على ظاهرة التراب المتطاير وبشكل عام المنطقة تتوسع يوماً بعد آخر .

ولفت المطروشي إلى أنه قبل سنة ونصف السنة تم اعتماد مشروع للمركز الحكومي في مصفوت ومزيرع، وبدأ العمل فيه فعلياً بميزانية تصل إلى عشرين مليون درهم، وتعمل الأمانة العامة للمجلس التنفيذي في عجمان حالياً على تنفيذ الربط الإلكتروني مع الدوائر الحكومية والاتحادية داخل الدولة بهدف إيصال كافة الخدمات للأهالي في مصفوت ومزيرع بجودة عالية، كما هو داخل مدينة عجمان وفي الوقت نفسه فتح فرص عمل لأبناء مصفوت ومزيرع للمساهمة في التوطين الذي تحققه الدولة حالياً، موضحاً أن المبنى الحكومي الذي أطلق عليه سند سوف يتم افتتاحه خلال هذا العام .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"