الزواج مثنى وثلاث ورباع

عالم متجدد
05:05 صباحا
قراءة 3 دقائق

تدور شائعة بين الناس مفادها ان الاسلام أباح للرجل أن يتزوج أكثر من اربع زوجات بدليل ان القرآن الكريم قال مثنى وثلاث ورباع.

- اقول: هذه الشائعة لها أصل في كتب التفسير، لكنها شائعة مغرضة ولا أصل لها شرعاً، إذا علمنا ان زواج الخامسة يعد باطلاً في حق الرجل، إذا تزوجها وفي عصمته اربع زوجات، لأنها ليست محلاً للعقد.

- فالذين اشاعوا هذه الشائعة قالوا إن الله تعالى قال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع (سورة النساء: 3).

- ورغم أن هذه الآية تفيد مشروعية تعدد الزوجات إلا أنها لا تفيد التعددية المطلقة، لأن مصطلح مثنى وثلاث ورباع في الآية الكريمة، ليس لتعيين العدد، بل من قبيل: كل العنب ثنتين أو ثلاثاً أو اربعاً.

- ويذكر الإمام محمد أبو زهرة في كتابه محاضرات في عقد الزواج وآثاره في ص 132 ان الامام فخر الدين الرازي ذكر هذه الشائعة في تفسيره الكبير، وسمى من قالوها قوماً سدى أي ضائعين في تفكيرهم.

- وذكر أبو زهرة ايضاً أن بعض الشيعة وليس كلهم، ذكر ان الحل محدود بتسع، لأنهم يفسرون مثنى وثلاث ورباع، على أن الواو للجمع ومجموع الثنتين والثلاث والاربع يفيد العدد 9.

- واحتجوا لزعمهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين تسع نسوة، مع العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أبيح له ذلك استثناء وليس بموجب الآية.

- أما الظاهرية فمنهم من ذهب إلى أن العدد المباح بموجب هذه الآية 18 زوجة، لأنهم قالوا إن معنى مثنى وثلاث ورباع، اثنان اثنان وثلاث ثلاث واربع اربع، وزعموا ان الواو للجمع، ومن ثم فإن المجموع 18 زوجة.

- نعم، ووصف القرطبي هذه الأقوال كلها بقوله: وهذا كله جهل بالكتاب، والسنة ومخالفة لإجماع الأمة، وحجة الجمهور في أن الآية تفيد التقيد بأربع حجة واضحة، لأن مثنى وثلاث ورباع في لغة العرب، معدولة عن اثنين وثلاث واربع.

- وهذا اللفظ في هذه الحالة يكون للتكرار، فيقولون: جاءت الخيل مثنى أي جاءت جماعات اثنين اثنين، وجاءت ثلاثاً أي ثلاثاً ثلاثاً.

- ثم إن العطف هنا على نية تكرار العامل، فمعنى الآية: انكحوا اثنين اثنين، وانكحوا ثلاثاً ثلاثاً، وانكحوا اربعاً اربعاً، فالمراد بالعطف جمع الفعل لا العدد.

- ويرشدنا الامام أبو زهرة إلى التفاتة أخرى هي أن الاسلام أباح التعدد وقيده بقيدين هما العدل بين الزوجات والقدرة على الانفاق، قال تعالى: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (سورة النساء).

والعدل المطلوب كما ترشد هذه الآية هو العدل الظاهر كما يقول الجصاص في أحكام القرآن وهو القسم الليلي والانفاق. وليس العدل في المحبة القلبية التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، ولا تؤاخذني فيما لا املك.

- إذن التعدد مشروع بشرط العدالة والقدرة على الانفاق، والعدالة هي العدالة الظاهرة المقدور عليها غالباً، وليس العدالة الباطنية غير المقدور عليها لا من قبلنا ولا من قبل الانبياء.

- ونلاحظ هنا دقة الآيتين الكريمتين، فالعدالة الظاهرة قال الله عنها: فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة بمعنى أنها ممكنة بصعوبة، أما العدالة الباطنة فقال عنها: ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة.

وهذا يعني ان العدل القلبي غير ممكن أبداً، ولذلك فإن الله لم يطالبنا به، فسبحانه وتعالى ما اعظمه من عادل ومنصف.

- وإذا كنا لا نستطيع ان نعدل أو لا نستطيع أن نعدل بين اثنتين، فهل يقال إن الآية شرعت تسعاً أو ثماني عشرة وهي كلها اوزار في اوزار؟ الا يكفي من الوزر ما نطيقه؟

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"