عندما تنقطع الكهرباء عن المنازل، يضج الناس، وتبدأ الاتصالات تتوالى على طوارئ الكهرباء تستفسر عن سبب الانقطاع، وموعد رجوع الكهرباء . ويزداد تذمر الناس في أيام الصيف الحارقة، حيث أصبحت حياتنا كلها مرتبطة بالكهرباء، فتوقّف أجهزة التكييف والثلاجات والأجهزة الكهربائية، يعني توقف الحياة في وقتنا الحاضر، ولكن هل تصور أحدنا نفسه يعيش في سنوات ما قبل النفط، عندما كانت الحياة بالإمارات من دون كهرباء وأيضاً من دون تمديدات مياه منتظمة كما هي عليه الآن؟ لا شك أن تلك كانت معاناة كبيرة، فالظلام الدامس كان يلف المدن الصغيرة بعد غروب الشمس، وتتوقف الحياة تماماً، فلا أجهزة تلفاز ولا مكيفات ولا أسواق، ومع ذلك عاش الناس حياة البساطة وتكيفوا مع الحياة القاسية بكل رحابة صدر ورضا .
كان دخول الكهرباء للإمارات متأخراً كثيراً عن بقية الدول العربية ودول الخليج، حتى أن بعض الإمارات لم تصلها الكهرباء إلا في منتصف الستينيات من القرن العشرين . أما المياه فكانت تجلب من الآبار التي يحفر معظمها خارج المدن، وكان هناك تجار صغار يجلبون تلك المياه في صفائح على ظهور الدواب ويطوفون بها في الحواري، وينادون بصوت عال معلنين عن بضاعتهم . وسنستعرض في هذه الحلقة بدايات الكهرباء والبحث عن المياه في الإمارات .
في مقابلة أجريت مع ناصر عبداللطيف السركال ضمن حلقات فنجان قهوة، تحدث عن بداية دخول الكهرباء للإمارات، فقال: عندما أنشئ مطار الشارقة عام ،1932 تم بناء بيت استراحة ضمن مبنى المطار لإسكان الموظفين ولإقامة المسافرين العابرين بطائرات شركة الخطوط الجوية الملكية البريطانية من الشرق إلى الغرب وبالعكس . ولاحتياجات بيت الاستراحة، نصّب أول مولد للكهرباء بقوة 16 كيلوواط، وكان يشتغل في النهار لتعبئة خزان البطاريات، ويتوقف ليلاً، ثم تستمد طاقة الإنارة واللاسلكي من البطاريات، وبعد فترة تم استبدال مولد أكبر به لسد حاجة التوسعات التي كانت منها إضافة بناية أخرى إلى بيت الاستراحة، بعدما كثر عدد المسافرين، واستمر الحال كذلك حتى أعلنت الحرب العالمية الثانية عام ،1939 حين أنشأت الحكومة البريطانية قاعدة جوية عسكرية مزودة بكل ما تحتاج إليه الحامية من معدات كان من ضمنها المولدات الكهربائية الكبيرة التي أمدت القاعدة وبنايات الاستراحة بالطاقة . ومرت سنوات بعد الحرب لم يفكر فيها أحد بجلب مولدات للكهرباء خاصة أو عامة، وذلك لقلة الخبرة والمال، وكان أول مولد كهربائي خاص جلب إلى دبي ذلك الذي أتت به شركة كري ماكنزي وكيلة البواخر عام 1952 وهو ذو قوة ثلاثة كيلوواط، وتم تركيبه في إدارة الشركة بدبي . بعد ذلك جلب مولد خاص لمنزل الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي في الشندغة، وفي 1955 جلبت أنا مولداً خاصاً قوته 2 كيلوواط وركبته في منزلي بديرة، فتوالت علي الطلبات من الجيران لمدهم بالكهرباء، فاستجبت للبعض، وامتنعت عن البعض الآخر لصغر طاقة المولد، وهنا فكرت في توفير مولدات أكبر حتى أستطيع مد الجيران بالطاقة . ويكمل السركال تم لي ذلك حين جلبت مولدين قوة كل منهما 30 كيلوواط، ونصبتهما في منزل خالي يوسف بن ناصر الواقع مقابل مركز بريد سكة الخيل في ديرة، وبدأت أمد الجيران والراغبين بالكهرباء، ولكن الطلبات تكاثرت، الأمر الذي اضطرني إلى توسيع المحطة، فجلبت 3 مولدات أخرى طاقة كل منها 70 كيلوواط، ونصبتها قرب البحر، فأصبحت الطاقة لدينا عام 1958 تعادل 210 كيلوواط، وأصبح الناس يلحون علي بتوسعة المحطة الكهربائية (1) .
المحاولات الأولى
ما قاله ناصر بن عبداللطيف السركال في الفقرة السابقة، يشير إلى البدايات الفردية لإدخال الكهرباء إلى الإمارات . وإذا استثنينا القاعدة الجوية البريطانية في الشارقة، فإن المحاولات الأولى اقتصرت على ما قام به السركال، وهي في كل الأحوال لا تعد مشروعاً حيوياً ومدعوماً من الحكومة في دبي أو من مجموعة من التجار لتأسيس شركة كهرباء في المدينة، فأغلبية سكان دبي في الخمسينيات كانوا يعتمدون على الشموع والكيروسين في الإضاءة ليلاً . وتشير الوثائق البريطانية إلى أن أول محاولة جادة على ما يبدو لإدخال الكهرباء إلى دبي، كانت من قبل مستر سلبي وهو من شركة كريشمالنلي، وكانت خطة سلبي تعتمد على أساس أن تقوم شركته بإنشاء محطة كهرباء بقوة 600 كيلوواط بتكلفة قد تصل إلى 72 ألف جنيه إسترليني . وتم تكوين لجنة عليا من أفراد الأسرة الحاكمة بدبي والتجار المحليين والبنك البريطاني للشرق الأوسط لمناقشة اقتراحات مستر سلبي، كان ذلك في مارس/ آذار ،1955 ويبدو أن المجتمعين لم يتفقوا على شيء، وعادت المحاولة مرة أخرى عام ،1956 ولكن هذه المرة من مجموعة من التجار الكويتيين الذين تقدموا بمشروع لتأسيس شركة للكهرباء، وكان مرشد العصيمي ممثل الكويت في إمارات الساحل والمقيم بدبي، على رأس هؤلاء التجار . وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1956 غادر ثاني بن عبدالله مبعوثاً من الشيخ راشد بصحبة مرشد العصيمي إلى الكويت لمناقشة المشروع مع التجار الكويتيين الراغبين في الاستثمار بشركة الكهرباء، وكان الشيخ راشد وقتها لم يتوصل إلى قرار حول منح مرشد امتياز احتكار هذا المشروع، ولكنه وعد باستشارة الوكالة البريطانية في هذا الموضوع قبل التوقيع على أي اتفاق مع التجار الكويتيين (2)، ولكن المباحثات على ما يبدو لم تصل إلى نتيجة . وتشير الوثائق إلى محاولة أخرى قام بها التجار الكويتيون عام ،1958 وأبدوا استعدادهم لتمويل المشروع بما يساوي مليون روبية، وأنهم مستعدون لقبول أي نسبة يقررها حاكم دبي، وأبدى التجار الكويتيون رغبة كبيرة في الاستثمار بهذا المشروع ودراسته مع شركائهم البريطانيين، وتشير الوثائق نفسها إلى وجود رغبة وتردد بنفس الوقت عند هؤلاء التجار، فالمشروع مكلف والاستثمار به يتطلب ضمانات لاستمراره، خاصة أن مشاريع المياه والكهرباء لا يمكن أن تستمر وتدار كمشاريع خاصة من قبل تجار، ويبدو أن المحادثات حول هذا المشروع تعثرت مرة أخرى (3) .
أول شركة كهرباء
في ،1958 كان ناصر بن عبداللطيف مازال يقوم بمحاولاته الفردية لتزويد سكان دبي بمولدات الكهرباء، وبعد تعثر المباحثات مع التجار الكويتيين، قام بالاتصال برجل الأعمال علي بن عبدالله العويس واقترح عليه إنشاء محطة كهرباء كبيرة، فرحب بالفكرة، وتم عرضها على الشيخ راشد الذي وافق على المشروع (4) . وتشكلت لجنة سميت لجنة كهرباء دبي كان هدفها تمويل مشروع الكهرباء، وطرحت أسهماً ليكتتب بها سكان دبي اعتباراً من 28 فبراير/ شباط ،1958 ووصل الاستشاري الهندسي المكلف دراسة المشروع من بيروت لتقديم مشورته الفنية (5) . وفي 1959 أنشئت شركة كهرباء دبي التي أصدر الشيخ راشد مرسوماً يقضي بتوفيرها إمدادات كافية من الطاقة الكهربائية للاستخدامات المنزلية والصناعية، وكان رأسمال الشركة 3 ملايين روبية أسهم فيها المواطنون مع الحكومة، كما ساعد بخبرته المستر كول كيلي مدير البنك البريطاني للشرق الأوسط، حيث اتصل بشركة استثمارية هي كندي ودونكن البريطانية (6) . واعتمدت الشركة في بدايتها على أربعة محركات ديزل عمودية معززة الشحن ذات ثماني أسطوانات، وذات طاقة تبلغ 360 كيلوواط، وتم شراء مهماز بقوة 6،6 كيلوواط لتغذية مطار دبي الدولي . وشَيّدت شركة كهرباء دبي أول مولد لها في ديرة، وهو أحد ستة مولدات شُيّدت خلال المرحلة الأولى في موقع قريب من فندق الشيراتون الحالي، واستكملت أعمال التشييد، وبدأ الإنتاج في يوليو/ تموز ،1961 حيث وفر المولد الكهرباء للجزء الأكبر من منطقة ديرة، ونجحت شركة كهرباء دبي في توصيل الكهرباء إلى مئات البيوت ومرافق الأعمال المختلفة في غضون ستة أشهر، حيث بلغ عدد المستهلكين 770 مستهلكاً في الربع الأخير من السنة، وارتفع إلى نحو 2500 بحلول صيف عام ،1962 وكان عدد المستهلكين يزيد بمعدل 50 - 100 مستهلك في الأسبوع الواحد، وكانت الشركة تنتج آنذاك نحو 21 ألف كيلوواط في الأسبوع (7) . وكانت دبي أول إمارة تعرف الكهرباء من بين كل إمارات الساحل أواخر الخمسينيات، ولم تعرف الإمارات الأخرى الكهرباء إلا في الستينيات .
المياه
لا شك أن وجود الكهرباء في مكان ما، يعني وجود الحياة، ولكن في سنوات الفقر، كان من الصعب على معظم الإمارات تبني هذا المشروع المكلف، فالإمكانات المحدودة في فترة ما قبل النفط، فرضت على كل الإمارات أن تعيش من دون هذه الخدمة، وتجاوزت دبي هذه العقبة في أواخر الخمسينيات كما ذكرنا سابقاً، إلا أن بقية الإمارات استمرت من دون كهرباء إلى فترة الستينيات . وبالنسبة إلى الماء، فهو يختلف تماماً عن الكهرباء، فلا أحد يستطيع أن يعيش من دونه، ولكن طرق استخراج الماء وتوزيعها استمرت بالطرق القديمة حتى منتصف الستينيات في معظم الإمارات، فاستخراج الماء من الأرض بوساطة الآبار، كانت الطريقة الوحيدة للحصول عليه سواء للاستخدامات الشخصية أو للزراعة . وكان سكان الإمارات يعتمدون على طريقتين أساسيتين في الحصول على المياه، إما حفر آبار في المنازل، وإما جلب المياه من آبار تحفر خارج المدن تتميز بحلاوة مياهها، وكانت الطريقة الأخيرة هي الأعم نظراً لكون معظم مياه الآبار المنزلية تميل إلى الملوحة . ومن يشاهد الصور القديمة يرى النساء وهن يحملن الأواني الفخارية المملوءة بالمياه قادمات من تلك الآبار، أو الدواب وهي تحمل قِرَب الماء لبيعه على السكان، وتختلف مشكلة المياه في الإمارات في تلك الأيام من إمارة إلى أخرى، فهناك أراضٍ تتميز بنسبة عالية من الملوحة، وأخرى تتميز بمياه حلوة مثل المناطق التي انتشرت بها الزراعة في واحات ليوا وقرى العين وإمارة رأس الخيمة ومنطقة الذيد . وكان العرب منذ القدم يحبذون الإقامة في الأراضي التي تحوي مياهاً حلوة، ولذلك استقر كثير من السكان في تلك المناطق للحصول على المياه وللعمل بالزراعة، ويمكننا أخذ انطباع عن وجود المياه في بعض الإمارات في العشرينيات من القرن العشرين، من خلال ما ذكره الرحالة الإيراني أحمد فرامرزي الذي زار الإمارات في أواخر العشرينيات . يقول فرامرزي عن أبوظبي يتم الحصول على مياه الشرب في أبوظبي من آبار يتم حفرها يومياً لسرعة امتلائها بالرمل، وهي مياه مالحة يمكن شربها في اليوم الأول بصعوبة، إلا أنها في اليوم التالي لا يمكن شربها بتاتاً . ويتحدث عن المياه في جزيرة دلما التابعة لأبوظبي فيقول مياه الجزيرة من العيون والآبار التي تقع في تربة معدنية حمراء، لذلك تكون هذه المياه مرة المذاق وحمراء اللون، وهي رديئة إلى حد يمكن القول معه إنها غير صالحة للشرب، ولعله لا أحد غير سكان تلك الجزيرة يستسيغها، وعندما زرت هذه الجزيرة، ووصلت سفينتنا إلى المرفأ، شاهدت عدداً كبيراً من السباحين يتقدمون نحو السفينة التماساً لماء الشرب، فعلى رغم ملوحته، فهو أفضل من الماء في الجزيرة، والأثرياء يستوردون مياه الشرب من قطر، أما الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، فهم مجبرون على شرب الماء المر والمخلوط بالتراب الأحمر، وتذوقت بنفسي ذلك الماء، حيث إنه يعطي طعم السولفات تقريباً . ويصف فرامرزي طبيعة المياه في دبي فيقول في منطقة الجميرة وأم سقيم، يمكن ملاحظة أشجار النخيل والنباتات الأخرى التي تسقى من مياه الآبار، أما منطقة حتا فتوجد فيها مياه جارية ومزارع وبساتين زاهرة . ولا يذكر شيئاً عن المياه في الشارقة، إلا أنه يقول عن عجمان يتم الحصول على المياه في عجمان من الآبار، وعلى بعد فرسخين أو ثلاثة من الساحل، توجد عدة عيون من الماء جعلت تلك المنطقة خضراء بنخيلها وأشجارها، ويقوم الأهالي في الأطراف بزراعة بعض الخضراوات التي يسقونها من مياه الآبار . أما منطقة الحمرية الواقعة بين عجمان وأم القيوين، فيقول عن مياهها مياه الشرب في الحمرية عذبة إلى حد ما، وتجلب من الآبار، أما المياه في أم القيوين فيقول عنها لا توجد في هذه الإمارة مياه جارية، ومياه الآبار رديئة جداً، والمنطقة الفاصلة بين الحمرية وأم القيوين فيها عدد من أشجار النخيل . واتجه فرامرزي بعد ذلك إلى رأس الخيمة، ويقول عن مياهها بخلاف سائر موانئ إمارات الساحل، تتمتع هذه الإمارة بالمياه الجارية، وباحتوائها على البساتين الجميلة والمزارع الكثيرة، لذلك أصبحت مصيفاً لكثير من أبناء الإمارات، أما عن مدينة كلباء فيقول تتميز كلباء بوجود مياه جارية فيها، وبساتين عامرة بأصناف الفواكه (8) .
مصادر جديدة
استمرت مصادر المياه التي ذكرها فرامرزي في أثناء زيارته للإمارات في العشرينيات، على ما هي عليه حتى الخمسينيات من القرن العشرين، ولم يجر تطوير أو بحث جاد عن مصادر مياه جديدة سوى بعض المحاولات التي قام بها الإنجليز في المناطق الزراعية برأس الخيمة، وحفر المزيد من الآبار، ولا شك أن قلة عدد السكان والظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها المنطقة بعد انهيار اللؤلؤ وقيام الحرب العالمية الثانية، لم تمكن معظم الإمارات من تأسيس مراكز كبيرة لضخ المياه، أو تمديدها للمنازل، واقتصر الأمر على حفر الآبار هنا وهناك . وكانت هناك بعض المحاولات التي يجدر ذكرها، منها الاتفاقية التي وقعها الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي في فبراير/ شباط 1950 مع رجل الأعمال السعودي خليفة عبدالرحمن القصيبي لحفر آبار مياه في دبي، وأجريت بعض الاختبارات حول مدينة دبي، ولكن من دون جدوى، وبنهاية العام، حُوّلت ماكينات الحفر إلى مناطق إمارة رأس الخيمة الزراعية، حيث أجريت بعض الاختبارات أيضاً، ولكنها باءت بالفشل . ووضح أن حاكم دبي أنفق نحو 100 ألف روبية على مشروع المياه، وكان حريصاً على توفير مياه الشرب لدبي، نظراً إلى ما كان يعانيه سكان المدينة من مشقة للحصول على المياه في فصل الصيف، ما اضطرهم إلى استخدام الدواب، وسيارات الجيش القديمة لجلب المياه . وكانت هناك محاولة أخرى لإتاحة الفرصة للسكان لشرب المياه الباردة للمرة الأولى، ففي أغسطس/ آب ،1950 بدأ مصنع الثلج العمل في دبي بصورة مرضية، وكان الثلج يوزع مجاناً في اليومين الأولين، وكان أحد أهداف المشروع، إثبات قدرة أبناء دبي على تطوير منطقتهم، ومعايشة أساليب الحياة الحديثة(9)، إلا أن المحاولة الأهم لاستخراج المياه العذبة، هي ما قام به الشيخ زايد عندما أصبح ممثلاً لحاكم أبوظبي في العين، فرغم الإمكانات البسيطة، اهتم زايد بتطوير الأفلاج وهي نظام ري قديم للزراعة يقوم على أساس مرور قنوات مياه متشعبة بين مزارع النخيل والفواكه في العين، كما قام بحفر المزيد من آبار المياه . ويقول جوليان ووكر، مساعد المعتمد البريطاني في دبي، في كتابه، إنه قام هو والعقيد بوستد عام 1954 بزيارة العين واستقبلهما الشيخ زايد، ويصف ووكر تلك الرحلة بقوله استقللنا السيارة التي يقودها زايد، وقمنا بعملية فحص، لسبر أغوار الفلجين اللذين كانا يمدان العين بالمياه، وفي حين عكف عمال قبيلة العوامر على الحفر عند الآبار الرئيسية التي ينبع منها العيني والداوودي، كان بوستد يذرع المكان جيئة وذهاباً ويقيس الارتفاع والانخفاض، وكان يحدد المكان الذي ينبغي أن تحفر عنده بئر جديدة، ثم سرعان ما ينطلق بنا زايد ليرينا مواقع أخرى . (10) ويتحدث عبدالله هلال الكويتي الذي كان مكلفاً من قبل الشيخ زايد رعاية مزارع العين والبحث عن مصادر جديدة للمياه فيقول تمت زيادة أعداد الآبار التي تم حفرها كما كان الحال مع فلج العين المعروف بفلج الصاروج والذي تم حفر 120 بئراً إضافية بجانبه، كما تم حفر 80 بئراً إضافية مماثلة بفلج الداوودي(11) . وفي حين استمرت عمليات البحث عن المياه في جميع الإمارات تسير بجهود بطيئة، وأحياناً فردية، نرى تطوراً في هذا المجال في دبي مصاحباً للتطورات الإدارية التي شهدتها المدينة منذ النصف الثاني من الخمسينيات، ففي تلك الفترة، كانت هناك عدة آبار مياه عذبة في مدينة دبي، منها بئر تم اكتشافها في أكثر أحياء المدينة حركة بالقرب من حصن الفهيدي، وأخرى في ديرة بالقرب من المنطقة التي يوجد بها اليوم مركز حمر عين التجاري، إضافة إلى بئر بالقرب من مستشفى دبي الحالي، وعدة آبار في منطقة الجميرة، وكان آلاف السكان يقفون في صفوف حول تلك الآبار انتظاراً لدورهم في ملء زجاجاتهم وأوعيتهم بالماء، أما الأثرياء فكانوا يملكون مضخات صغيرة تعمل بالبطاريات، وكانت تغذي الصهاريج المحمّلة بالمياه خلال الخمسينيات . وفي 1959 أبرمت دبي مع قطر اتفاقية تقوم بموجبها الأخيرة بالتمويل وتزويد دبي بعدد من الخبراء للقيام بالإشراف على مشروع حفر كبير للبحث عن المياه العذبة . وكان وصول كبير المهندسين أريك تلوك عام 1959 بمنزلة افتتاح لسلسلة من أعمال المسح الجيولوجي لتأكيد جدوى أهم بئر مياه في تلك الفترة، وهي بئر العوير من أجل تلبية طلب دبي كلها من المياه . وتطلب الأمر أكثر من 18 شهراً من أجل التوصل إلى نتيجة الأبحاث، وفي النهاية تبين أن البئر التي يبلغ عمقها 120 قدماً كانت قادرة على أن تروي ظمأ مدينة بحجم دبي، وكانت النتائج أفضل مما كان يتوقع، وفي غضون شهور قليلة تم مدّ الأنابيب الأسمنتية على وجه السرعة (12)، وبدأت في دبي أول عمليات تمديد للمياه في كل منطقة إمارات الساحل .
هوامش
(1) في مجلس ناصر بن عبداللطيف السركال، الإمارات في ذاكرة أبنائها (الحياة الاقتصادية) لعبدالله عبدالرحمن، ص 346 - 347
(2) Burrows, October 22, 1956, Political Dianes Of The Persian Gulf, Vol . 20, P .177
(3) Ali Bustani, 24 June 1958, Records Of The Emirates, Vol . 11, P .P . 626 -627
(4) في مجلس ناصر بن عبدالله السركال، المرجع السابق .
(5) Trncial States Diary For The period Jan 28 - feb 27, 1958, polihcal Diaries of the persian Gulf, vol .20, p .590 .
(6) في مجلس ناصر بن عبداللطيف السركال، المرجع السابق .
(7) جريم ويلسون، راشد بن سعيد المكتوم الوالد والباني، ص 110 .
(8) أحمد فرامرزي، موانئ وجزر الخليج، ترجمة وتحقيق وإخراج الدكتور صادق الشريف العسكري، غير منشور .
(9) A .J . wilton, Report For the year 1950, the persian Gulf Administration Reports, vol . pp .162 - 163 .
(10) د . محمد الفارس، زايد في الوثائق البريطانية، ص 51 - 52 .
(11) في مجلس عبدالله بن هلال الكويتي، الإمارات في ذاكرة أبنائها، الحياة الاقتصادية لعبدالله عبدالرحمن، ص 401 - 402 .
(12) جريم ويلسون، م .س، ص 110.