جاءت شريعتنا الإسلامية بمنظومة متكاملة من الحقوق توفر لأطفالنا كل وسائل الرعاية والحماية، وتضمن لهم حياة مستقرة آمنة، وتعدهم إعداداً عقلياً ونفسياً وجسمانياً لكي يكونوا أعضاء صالحين في مجتمعاتهم .
ورحلة حقوق الطفل في الإسلام تبدأ كما تؤكد الدكتورة سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر، قبل أن يخرج إلى الحياة، وقبل أن يكون له وجود، وذلك عن طريق اختيار الأم الصالحة التي تحسن رعاية طفلها وتربيته على الفضائل، فالإسلام أولاً حث على الزواج من المرأة الولود حتى يوفر للطفل أسباب الوجود .
قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، وهنا ندرك مغزى التوجيه النبوي الكريم، فالمرأة الودود تتحقق معها الغاية من الزواج بالسكن والاستقرار والإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني، وهذا أول حق من حقوق الطفل، وهو حق الوجود، والمرأة الودود تحافظ على العشرة وتحرص على الألفة، وتقاتل من أجل المودة . وهذا ما ينعكس على الطفل ويوفر له حياة هادئة سعيدة في كنف زوجين متحابين .
ومن أجل ذلك أيضاً كان توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفضل الرجل عند زواجه صاحبة الخلق والدين التي تحسن تربية ورعاية أطفالها بعد أن تحسن معاملة زوجها وتعطي له كل حقوقه . . فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك .
والأمر هنا لا يقتصر على المرأة بل ينسحب على الرجل، فهو أيضاً إن كان صالحاً يوفر لأطفاله كل مقومات الحياة الكريمة ويحسن رعايتهم وتأديبهم والاعتراف بحقوقهم . وإن كان على العكس من ذلك فهو سيحرم أطفاله من حقوقهم ويسيء التعامل معهم .
ومن مظاهر حماية الإسلام لحقوق الطفل وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه تحريم الإجهاض، سواء والطفل في مرحلة التخليق أو بعد أن يتشكل ويصبح إنساناً محدد القسمات وتدب فيه الروح . وموقف الشريعة الإسلامية هنا كما تقول الدكتورة سعاد صالح صارم وواضح وحاسم، فلا يجوز إسقاط الجنين والتخلص منه حتى لو كان ثمرة لعلاقة آثمة، فحق الإنسان في الحياة في نظر الإسلام حق مقدس، ولا يجوز لأحد حتى إن كان الأبوين العدوان على روح بريئة ومصادرة حقها في الوجود .
ولذلك أفاض الفقهاء في وضع القواعد والضوابط التي تحكم التعامل مع الجنين، وحرموا الإجهاض في مراحل حياة الجنين إلا في ظروف قاسية جداً حماية لحياة الأم .
وبعد هذه الرعاية الإسلامية لحقوق الطفل قبل أن يكون له كيان مادي ملموس تبدأ مرحلة جديدة من رعاية الإسلام للطفل، عندما يصبح كياناً مستقلاً وهي تبدأ منذ ميلاده، فقد حث الإسلام على حسن استقبال المولود ورعايته أفضل ما تكون الرعاية، فالولد نعمة ورزق من الله عز وجل، ونعم الله ينبغي أن تقابل بالشكر وحسن الرعاية .
تقول الداعية والفقيه الدكتورة عبلة الكحلاوي أستاذة الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر: لقد حثنا ديننا العظيم على حسن استقبال المولود، فالولد من أجل النعم وأعظمها، ومن أجل ذلك ينبغي الحفاوة والتهنئة بالمولود لإدخال البهجة على قلب والديه، ولا يقلل من شأن العطية كونها أنثى، بل يكون ذلك مدعاة لإظهار السرور والفرحة وبيان فضل الأنثى، فهي مفتاح الجنة إن أحسن إعدادها .
وتتنوع مظاهر هذه الحفاوة لتشمل استحباب التأذين له وليكن أول ما يسمعه الوليد اسم الحق والشهادتين؛ لتثبيت الحقيقة الإيمانية بعد إيقاظ الفطرة، ولإعلامه بسر الوجود، فتظل الكلمة تسري بأصدائها في قلبه وروحه، فالحياة عبودية لله حي على الصلاة وعمل لإعلاء منهج الله حي على الفلاح وهو سنة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم .
ومن مظاهر حسن استقبال المولود إزالة الأذى عنه، فيحلق شعره، وينظف جسده مما علق به، وأن يطيب بالزعفران، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى . وأيضاً أن يتصدق بوزن شعر المولود فضة بعد أن يحلقه في اليوم السابع من مولده وذلك اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فعله هو وأولاده .
ومن حق الطفل العقيقة، وهي الذبيحة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع من ولادته شكراً لله تعالى، بإطعام الفقراء والأهل والأحباب وإعلاناً لفضل الله تعالى، لأن إطعام الطعام من أفضل خصال الإسلام . ومن إحسان التعامل مع المولود اختتانه، حرصاً على نظافته وحماية لصحته وحالته النفسية . . وقد سن الإسلام الختان في وقت لم يكتشف العلم فيه السر بعد، فقد توصل العلم الحديث إلى أن الزوائد التي تزال بالختان تقي شراً كثيراً من الأمراض وأكدت ذلك الدراسات التي أجريت في كثير من الدول .
الاسم الحسن
ومن أبرز الحقوق التي كفلها الإسلام للطفل حقه في اختيار اسم حسن، فهو في طفولته لا يملك من أمر نفسه أو اسمه شيئاً، فلا يختار اسم نفسه وليس أهلاً لهذا الاختيار، وإنما يختار الأبوان له اسمه، ولذا كان حقاً له أن يختار أبواه له اسماً حسناً لا اسماً سيئاً أو مكروهاً، يتحرج منه بعد ذلك عندما يكبر . . فمما لا شك فيه أن لاختيار الاسم أثراً نفسياً يعود على الطفل بعد ذلك، ومن أجل هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد أحداً يحمل اسماً كريهاً أو قبيحاً غيره في الحال، فقد نقلت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح .
جاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم تدعون يوم القيام بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسنوا أسماءكم وجاء في حديث آخر من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه، وجاء في توجيه نبوي ثالث قوله عليه الصلاة والسلام: من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ فيزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثماً فإثمه على أبيه .
وهناك آثار كثيرة وشواهد متعددة ورد الحديث عنها في كتب السنة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب الاسم الحسن، فكان يأمر إذا بعثوا إليه رسولاً أن يكون حسن الاسم، حسن الوجه، وحدث أنه غير عدة أسماء، ونهى عن بعض أسماء لمعان وأسباب متعددة .
ويستهدف الإسلام من وراء اختيار الاسم الحسن للابن ما يرقى بسلوكه في المستقبل ويحسن صورته، ويجعله مقبولاً مرغوباً كريماً عزيزاً بين الناس، فقد أكد خبراء التربية وعلماء السلوك أن الشخص يتأثر باسمه في سلوكه الشخصي والاجتماعي، وأن اسمه سلاح ذو حدين، يمكن أن يوجه إلى الخير أو الشر، كما يلاحظ أن الاسم الحسن يعطي صاحبه شعوراً بالارتياح النفسي عندما يسمع اسمه ينادى به كنغم حلو ينساب إلى نفسه، فتهدأ أعصابه، ويمتلئ قلبه نشوة، ويكون لذلك أثره البالغ على أجهزته المختلفة، ومن ثم يكون له أثره على الصحة العامة وعلى سلوكه أيضاً .
والاسم القبيح كما يؤكد علماء النفس له أثره السيئ في نفسية الطفل وعلى علاقته بالناس عندما يندمج في المجتمع ويحس بوجوده ويحدد ملامح شخصيته، فهو يتألم إذا سمع الناس ينادونه به، حتى لو كان النداء بريئاً لا يصحبه ما يجرح الشعور، ولا يقصد به إحراج أو تنقيص .
الرضاعة . . حق للطفل
ثم يأتي بعد ذلك حق الطفل في الإطعام الصحي عن طريق الرضاعة، فقد أجرى الله سبحانه وتعالى اللبن في صدر الأم جامعاً لكل أنواع الغذاء المناسبة لتكوين الطفل، وألهم الله الأطفال وهداهم إلى الإقبال على امتصاص لبن الأم من ثديها بقدرته وحكمته، كما خلقه سبحانه وتعالى وحوله من دم إلى لبن صاف فيه عناصر الغذاء والتكوين وبناء جسم الطفل، ونظم سبحانه وتعالى مدة الرضاعة لمن أراد إتمامها في قوله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة .
لذلك كان لزاماً على الأم كما تقول الدكتورة آمنة نصير الأستاذة في جامعة الأزهر أن تؤدي واجب الرضاعة ما دامت قادرة، فهو حق للطفل أجراه الله تعالى في صدرها، وحدد القرآن الكريم مدة الرضاعة بحولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ولا يمنع الإسلام الفطام قبل الحولين بشرط أن يكون عن تراض وتشاور بين الأب والأم وبحيث لا يلحق الطفل أي أضرار نتيجة فطامه .
ولبن الأم هو الغذاء الإلهي الذي أعده الله تعالى وجعله حقاً للطفل، وهو أنسب غذاء له، كما قرر أطباء التغذية والمعنيون بصحة الأطفال في كل بلاد الدنيا، وقد أعد الله تعالى في الأيام الثلاثة الأولى في لبن الأم سائلاً خاصاً يسد حاجة الطفل إلى الغذاء في أول حياته، ولهذا السائل الخاص أثره في إصلاح الجهاز الهضمي لدى الطفل، والأم المرضعة وهي تقوم بواجبها تستشعر أنها تؤدي واجبها تجاه طفلها وتستشعر طعم الأمومة الذي تجيش به عواطفها، فتقوى وجدانياً ومعنوياً، ولأهمية حق الرضاعة أكد الإسلام المطالبة به والحفاظ عليه رعاية للطفولة وحماية للأبناء .
وحرصاً على حق الطفل في الرضاع فقد أوجب الإسلام على الأم أن ترضع وليدها ما دامت سليمة ولا يوجد بها عذر مرضي يمنعها من ذلك، فالإرضاع ليس تكرماً من الأم على وليدها، بل هو واجب تفرضه الغريزة البشرية ويفرضه الدين الذي يحمي حقوق الصغار قبل الكبار، ويفرضه الخلق والطبع السليم، ولذلك تأثم الأم إن أهملت أو قصرت في إرضاع وليدها، وقد نظم الحق سبحانه وتعالى أمر الرضاع من خلال منظومة حقوقية أخلاقية تحملها الآيات الكريمة: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف .
فالآية أوجبت على الأم إرضاع ولدها، وعلى الزوج أن يرعاها رعاية كاملة لتستطيع إرضاع الولد إرضاعاً يفيده ويحفظ عليه صحته .
النفقة
ومن أبرز الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية للطفل حقه في النفقة وتوفير مقومات الحياة الكريمة من طعام وشراب وملبس ومسكن مناسب، فضلاً عن كل ما يحفظ أمره جسماً وعقلاً وخلقاً، والأمر في ميزان الإسلام لا يقتصر على الالتزام الذي قد يفعله البعض مكرهاً، بل أمر النفقة على الأبناء في شريعتنا الإسلامية من الأمور المرغوبة والمحببة إلى نفس الإنسان، لما ورد من الحث عليها من نصوص كثيرة، فهي إلى جانب وجوبها لها فضلها، ولذلك يقدمها الإنسان عن رغبة ورضا، ففي الحديث الشريف: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، ويعتبر الإسلام السعي على توفير مقومات الحياة الكريمة للأبناء مثل الجهاد في سبيل الله في الأجر والثواب والفضل، فيقول الرسول عليه الصلاة والسلام في شأن الرجل الذي خرج يسعى لكسب العيش: إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله .