فهل وضع الإسلام من خلال تشريعاته وأحكامه وأخلاقياته القيود والعراقيل في طريق المرأة لكي تظل بعيدة عن المناصب القيادية في المجتمع الذي تعيش فيه، كما يظن أو يتوهم بعض الجاهلين بشريعة الإسلام؟ وهل المرأة لا تصلح لهذه المناصب التي تحتاج جهداً بدنياً وقدرات إدارية على قيادة وزارات ومؤسسات يعمل فيها عشرات الآلاف من الرجال والنساء؟ وهل من حق المرأة شرعاً تولي منصب رئاسة الدولة الإسلامية؟
هذه التساؤلات وغيرها طرحناها على عدد من علماء الشريعة الإسلامية، ليوضحوا لنا المباح والمحظور فيها.. وفيما يلي خلاصة ما قالوه:
يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية، د. زكي زيدان، وكيل كلية الحقوق بجامعة طنطا- وسط دلتا مصر- أن المرأة في ظل شريعة الإسلام حصلت على حقوقها كاملة، حيث انتشلتها الشريعة الإسلامية من الأوضاع السيئة التي كانت تعيشها في الجاهلية، وهي القادرة - الآن - على انتشالها من حياة العبث والفوضى التي تعيشها، في ظل الحضارة الغربية التي أباحت للمرأة فعل كل شيء وأباحت للآخرين أن يستغلوها ويسيئوا التعامل معها.
ويضيف: لقد أرسى الإسلام مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، والرسول صلى الله عليه وسلم وصف العلاقة بين الرجل والمرأة بقوله: «النساء شقائق الرجال لهن مثل الذي عليهن بالمعروف» والوصف بكلمة «شقائق» يوضح لنا المساواة والندية، فالرجال والنساء أمام الله سواء لا فرق بينهما إلا في العمل الصالح الذي يقدمه كل منهما وواجبنا الآن أن نوظف هذه الروح التنافسية الشريفة بين الرجال والنساء في ظل ضوابط الإسلام وأخلاقياته لتحقيق صالح المجتمع الإسلامي.
قضية أخرى
ويشير أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة طنطا إلى أن الإسلام أقر كل حقوق المرأة، ووفر لها كياناً اجتماعياً لا تحظى به في ظل الأديان والفلسفات الأخرى التي ترفع شعارات حقوق المرأة وتتغنى بها، ويقول: إذا كانت المرأة المسلمة لا تحظى داخل مجتمعاتها العربية والإسلامية بالتقدير اللازم، وتحرم من معظم حقوقها التي كفلها لها الإسلام وتعاني ظلم الرجال، فهذه قضية أخرى، ويجب أن نفرق بين ما جاء به الإسلام من تشريعات عادلة تنظم علاقة المرأة بكل المحيطين بها، من أب وأم وإخوة وزوج وأولاد في محيط الأسرة، ومن علاقات منضبطة بضوابط الإسلام في حركتها وكل ما تمارسه من عمل خارج المنزل، وبين ما تعانيه المرأة الآن، بسبب جهل الرجال بحقوق نسائهم الشرعية أو بسبب العادات والتقاليد المتوارثة التي تحرم المرأة من معظم حقوقها الشرعية.
ويوضح د. زيدان أن الإسلام لم يحرم المرأة من المناصب القيادية، وهناك دول إسلامية عديدة تولت فيها المرأة رئاسة الدولة أو رئاسة الحكومة ولم يعترض علماء الإسلام، لأن الشريعة الإسلامية لا تحظر على المرأة تولي مناصب عليا في الدولة، وهي تبيح لها أن تشغل من المناصب ما يتلاءم مع طبيعتها ومع خبراتها وكفاءتها ومؤهلاتها، وعلماء المسلمين في مختلف العصور الإسلامية نظروا إلى المرأة نظرة تقدمية، فقال بعضهم مثل الإمام ابن حزم بجواز أن تتولى المرأة الحكم، وهذا هو أيضا رأي الإمام أبي حنيفة صاحب المذهب الفقهي المشهور، والإمام ابن جرير الطبري أجاز للمرأة أن تتولى القضاء في كل شيء يجوز للرجل أن يقضي فيه من دون استثناء، وقد روي أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ولى الشفاء بنت عبد الله المخزومية قضاء الحسبة على سوق المدينة، وهي وظيفة دينية مدنية تتطلب الخبرة والصرامة.
لا تفرقة ولا تمييز
وتلتقط الفقيهة الأزهرية، الدكتورة سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، خيط الحديث من د. زيدان لتؤكد أن الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة في تولي الوظائف العامة في المجتمع، فالفيصل في هذا الأمر هو الكفاءة والاستعداد البدني والذهني والعلمي والخبرات التي تؤهل أيا من الرجل أو المرأة لتولي أي منصب، فالشريعة الإسلامية لم تخصص مناصب أو مواقع وظيفية معينة ليحتكرها الرجال.
وحول الحديث النبوي «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، واستناد البعض إليه في تحريم تولي المرأة مسؤوليات كبرى في المجتمع.. تقول د. سعاد: هذا الحديث النبوي الصحيح له مناسبة خاصة، ولا يمكن أن نستنبط منه قاعدة عامة، فعندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى قال هذا الحديث، وقد استنتج منه الفقهاء أن المرأة لا تلي على الرجال ولاية عامة، بمعنى رئاسة الدولة أو الخلافة، ولكن لا يجوز أن يغيب عن ذهننا أن القرآن قد أثنى على ملكة سبأ في سورة النمل، وامتدح حكمتها في معالجة الأمور، وهذا أمر له دلالة مهمة تعبر عن مدى تقدير القرآن الكريم للمرأة وكفاءتها وحسن تصرفها وهي في أعلى منصب في الدولة.
وترى د. سعاد أن حق المرأة في تولي كل الوظائف المؤهلة لها تأهيلاً جيداً مثلها مثل الرجل، ينطلق من مبدأ مهم أقرته شريعة الإسلام في التعامل بين الرجال والنساء، وهو «المساواة» بين الرجل والمرأة في أمور كثيرة، تبدأ بتقرير إنسانيتها واعتبارها إنساناً كريماً لها كل ما للرجل من حقوق إنسانية، فهما متساويان في أصل النشأة، متساويان في الخصائص الإنسانية العامة، متساويان في التكليف والمسؤولية، متساويان في الجزاء والمصير، يقول الحق سبحانه كاشفاً عن جوانب هذه المساواة بين الرجال والنساء: «إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً».
«بعضكم من بعض»
وإلى جانب المساواة التي قررتها شريعة الإسلام بين الرجل والمرأة في الجزاء والتكاليف الدينية والاجتماعية الأساسية، أكدت الشريعة بصريح القرآن أن الأعمال لا تضيع عند الله، سواء كان العامل ذكراً أم أنثى، فالجميع بعضهم من بعض، من طينة واحدة، وطبيعة واحدة، الرجل من المرأة، والمرأة من الرجل، هو يكملها، وهي تكمله، لا يستغنى عنها ولا تستغني عنه، وهذا هو معنى قوله سبحانه «بعضكم من بعض».
وفي مجال الحقوق المالية للمرأة، أبطل الإسلام ما كان عليه كثير من الأمم من حرمان النساء من التملك والميراث والتضييق عليهن في التصرف فيما يملكن، واستبداد الأزواج بأموال المتزوجات منهن، فأثبت لهن حق الملك بأنواعه وفروعه، وحق التصرف بأنواعه المشروعة فشرع الوصية والإرث لهن كالرجال، وأعطاهن الإسلام حق البيع والشراء والإجارة، والهبة والإعارة والوقف والصدقة والكفالة والحوالة والرهن، وغير ذلك من العقود والأعمال.
كما كفلت شريعة الإسلام للمرأة حق طلب العلم كالرجل، بل جعل الإسلام تحصيل كل العلوم الدينية والدنيوية فريضة على النساء، كما هي فريضة على الرجال.
المرأة والعمل العام
وتقديرا من الإسلام للمرأة واعترافاً بقدراتها ورسالتها في الحياة وترسيخاً لمبادئ المساواة بينها وبين الرجل في معظم مجالات العمل والتكاليف الدينية والاجتماعية، أعطت شريعة الإسلام للمرأة حق المشاركة، في العمل العام في ظل ضوابط وشروط وقواعد توفر لها الحماية، وتضمن لمشاركتها تحقيق النتائج المرجوة.
تقول د. سعاد صالح: الشريعة الإسلامية التي جاءت لإقرار الحق والعدل وتحقيق المساواة بين الناس جميعا، أعطت المرأة حق المشاركة في كل مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فمن حق المرأة أن تمارس كل الأعمال المؤهلة لها والمناسبة لقدراتها ومواهبها ومن حقها تقلد كل المناصب القيادية في الدولة، ما عدا منصب قيادة الجيش، ومن حقها المشاركة في النشاط السياسي الذي هو في حقيقته أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
فالإسلام لم يحرم المرأة من هذه الحقوق، ولم يحرم المجتمع من جهود المرأة في أي مجال تستطيع أن تخدم فيه وطنها وتؤدي رسالتها.
لكن الداعية الأزهرية الشهيرة ترفض إقحام النساء في مجالات عمل لم يؤهلن لها وترفض الإلقاء بالمرأة في مكان لا تجيد العطاء فيه، فالمجتمعات الإسلامية ليست في حاجة إلى شعارات فارغة أو خادعة تنتهي بالمرأة إلى مظاهر شكلية من دون تحقيق تقدم أو نهضة نسائية على أرض الواقع.
على كرسي الرئيس
الفقيه الأزهري، د. علي جمعة، مفتي مصر السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يؤكد أن الشريعة الإسلامية لم تحظر على المرأة تولي أي منصب في الدولة ما دامت مؤهلة له وقادرة على أعبائه والوفاء بالتزاماته، ويقول: قرر الإسلام للمرأة حقوقاً مثالية لم تحظ بها النساء في مواثيق الأمم المتحدة وفي الدول التي تدعي الحضارة والتقدم، لكن معظم هذه الحقوق ضائعة بسبب العادات والتقاليد المتوارثة في عالمنا العربي والإسلامي وبسبب المفاهيم الخاطئة التي تسيطر على عقول الرجال والثقافة الذكورية السائدة في عالمنا العربي والتي تستند إلى فهم عقيم لبعض التشريعات الإسلامية المتعلقة بالمرأة.
ويضيف: لقد أصدرت فتوى خلال تشرفي بتولي أمر دار الإفتاء المصرية أبحت فيها تولي المرأة رئاسة الدولة وفق ضوابط وشروط معينة فقامت الدنيا ولم تقعد وثار جدل واسع بين علماء الفقه والشريعة وعارض الفتوى بعض العلماء استناداً إلى أن طبيعة المرأة لا تتناسب مع هذه المهمة الشاقة التي تتطلب مواصفات خاصة مع أنني قدمت الأسانيد الشرعية لصلاحية كل امرأة مؤهلة للمنصب.
ويرى د. جمعة أن ادعاء البعض بأن الإسلام يقف ضد رئاسة المرأة للدولة فيه تحقير للأنثى ويمنح المتربصين بالإسلام الفرصة، كي يبرهنوا للعالم بأن ديننا الحنيف ينظر للمرأة باعتبارها كائناً ناقص العقل، ويقول: إن ولاية المرأة بلا حدود في النظام المؤسسي، حيث تتقاسم المؤسسات السلطة مع رئيس الدولة، وقياس الدولة على الخلافة حتى يقال إنه لا يجوز أن تتولى المرأة رئاسة الدولة استناداً إلى الحديث الشريف: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» استناد واحتجاج غير صحيح، فالفرق شاسع بين دولة الخلافة و الدولة في مفهومها المعاصر، فالمفهوم مختلف باختلاف الوقت والظروف، ولا يجوز النظر للقضايا الشرعية من زاوية واحدة، لأن ذلك خطأ كبير والدليل على ذلك أن الفقه الإسلامي القديم رفض تولي المرأة القضاء وثار حولها خلاف واسع، ولكن بحكم الظروف الاجتماعية، وجدنا هناك من يقول بجواز تولي المرأة القضاء، كما أن رئاسة الدولة ليست كخلافة المسلمين ولكل منهما ظروفه ومن ثم ينبغي أن تلائم الفتوى الظرف والمكان.
ومما يؤكد عدم اعتراض الإسلام على تولى المرأة منصب الولاية العامة (رئاسة الدولة) ما ورد في القرآن الكريم عن ملكة سبأ، حيث عرضها في صورة منصفة للغاية وعرض حكمها ومنهجها في إدارة المواقف الصعبة عرضاً يبرز محاسن توليها ملكة على هذا العرش الذي وصفه القرآن بأنه «عرش عظيم» فالقرآن الكريم لم يعب على ملكة سبأ عيباً واحداً في توليها الملك لقومها، بل يعيب على قومها أنهم كانوا كافرين يسجدون للشمس من دون الله وأنهم كانوا السبب في انصرافها وعدم معرفتها من قبل بالإسلام فلما عرفت بعقلها وحكمتها اختارت الاختيار الصحيح الذي قادت قومها إليه، ولو وجد القرآن الكريم عيباً واحداً في حكم هذه المرأة وتوليها هذه الولاية العظمى لما فوت القرآن بيانه لأنه كتاب هداية في أمور الحياة كلها ولأن الإمامة أو الولاية العظمى من أهم الأمور التي تتوقف عليها الحياة.
وينتهي مفتي مصر السابق إلى أن قضية تولى المرأة منصب الولاية العامة وهي الآن رئاسة الدولة قضية اجتهادية ويجب احترام رأي الفقهاء المعاصرين الذين أعطوها هذا الحق، حيث لا يوجد ما يمنع شرعاً تولي المرأة المسلمة هذه المهمة الكبرى، إذا كانت مؤهلة لذلك ولا يوجد من الرجال من هو أكثر قدرة وكفاءة منها.