جنازة الإسمنت

05:00 صباحا
قراءة 4 دقائق

يرمز الجدار أي جدار في دلالته وإحالته الثقافية والفكرية إلى الحجز والخنق واختزال الحياة والجغرافية والوجود بأكمله إلى حيّز مكاني ضيّق هو شكل من أشكال العقاب، كما هو الحال في وضعية السجن والسجين، حيث يضيق العالم ويصبح في حجم زنزانة على رغم كل اتساعه وتراميه في الجهات الأربع.

ويرمز الجدار إلى الحدود، وقد لا تكون الحدود هنا جغرافية أرضية، بل قد تكون تلك الحدود النفسية بين كائن وكائن وبين شخص وشخص، ففي مثل هذه الحالة لا يكون الجدار اسمنتياً، وإنما هو جدار نفسي عازل بين سيكولوجيا وأخرى، كما هو جدار سيكولوجي عازل بين مزاج وبين مزاج آخر مختلف عنه كلياً في الطبيعة وفي الروح، ويتمثل مثل هذا الجدار النفسي في بعض السلوكيات البشرية الحياتية اليومية، حيث يتنافر اثنان لا لأسباب موضوعية محددة، وإنما لأن هناك جداراً ما يتكوّن عبر تموّجات مغناطيسية بين روح وروح أخرى، وبين طبيعة بشرية وأخرى، ومثلما تظهر مثل هذه التنافرات في الحياة وفي السلوك اليومي بين البشر تظهر هذه التنافرات كثيراً في فن الرواية على وجه الخصوص، فهناك عشرات بل مئات الأمثلة التي يمكن استنباطها من السرد الروائي وحقلها القرائي الميداني هو النص الروائي نفسه، حيث ثمة جدار دائماً في شخوص رواية بل ثمة جدران نفسية صلبة وقاسية - مثلاً - بين رجل وامرأة، بين سيد وعبد، بين قبيح وجميل... وهكذا.

يرمز الجدار أيضاً إلى الفصل والعزل كما هو الحال في الجدار العنصري الصهيوني الذي زرعته إسرائيل في الأرض الفلسطينية، وهو بهذه الوضعية لا يقطع فلسطين المحتلة إلى مكانين متباعدين ولو كان بينهما أمتار معدودة هي عرض الجدار، بل أيضاً يعمل هذا الجدار الكريه على الفصل بين شجرة وشقيقتها الشجرة الأخرى.. يفصل بين الحجارة على الأرض ويفصل بين الوادي والوادي وبين الجبل والجبل وبين المنحدر والمنحدر.. أي أن الطبيعة نفسها تتأذى من فعل عدواني بامتياز كهذا.

لذلك وبعيداً عن الدلالات أو الوظائف السياسية لجدار الفصل الإسرائيلي في إسرائيل يمكن تناول أبعاد هذا الجدار من الناحية الثقافية الصرفة عندما يتوسع مفهوم الجدار ومفهوم العزل من مفهوم سياسي إلى مفهوم ثقافي.

في هذه الحالة الثقافية نعاين - على سبيل المثال - تلك الكتابات التي وضعها أطفال وفنانون وسيّاح وسياسيون وشعراء ومثقفون عرب وغير عرب على وجه الاسمنت الإسرائيلي لتكون هذه الكتابات الجدارية هي في الأصل ضد الجدار وضد فكرته من الأساس، بحيث تبدو هذه الجداريات العفوية التلقائية عاملة على تشييع جثمان هذا الاسمنت إلى مثواه الأخير في يوم من الأيام.. أي أن الجدار آيل إلى الزوال والهدم كما انهدم جدار برلين ذات يوم تحت صيحات النصر.

نطالع على الجدار الإسرائيلي صوراً لأيقونة ناجي العلي الدائمة وهي حنظلة.

يبدو حنظلة بسرواله المثير للضحك ملتصقاً بالجدار مثل الحلزون.. أما مَنْ رسمه هكذا على وجه الاسمنت، فقد يكون فناناً تشكيلياً وقد يكون فتى في الثانوية العامة، لكن في النهاية إن ما لم يره الإسرائيلي أن ناجي العلي لم يمت في هذه الحال، وما زال يسخر من أدوات الفصل التي يمارسها الإسرائيلي بلا هوادة وهو يدير ظهره الثقيل إلى العالم.

منتجة فيلم هوية الروح مارتينا رود زارت فلسطين في اثناء تصويرها للفيلم وذهبت إلى الجدار، وهناك كتبت عليه السلام والحب وهي جملة من كلمتين تعني في كتابتها على الجدار أن الإسرائيلي في أعماقه لا يمكن أن يكون لا مع السلام ولا مع الحب.

الباحثة الدكتورة آمال بشارة ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما خصصت وقتاً واسعاً من اهتماماتها البحثية للكتابات التي وسم بها الجدار وهي ترصد عبارات بعينها مكتوبة على الجدار بكل محمولاتها السياسية المناهضة لسياسة الجدار.. عبارات من مثل: أطفال ضد الجدار.. نحن في القدس إلى الأبد.. الحرية لأسرى الحرية.. وغيرها من عبارات وجمل موجزة وسريعة أسرع من الرصاص المطاطي الذي يستخدمه الإسرائيلي في اقتلاع أعين أطفال المدارس في فلسطين.

لكن الطريف في حكاية الجدار الإسرائيلي ان الذي أمر ببنائه أو أن الجدار هو فكرته هو رئيس الوزراء السابق آرييل شارون الذي يعيش في غيبوبة الموت حتى الآن، وبعد ذلك بقليل من السنوات كان الرد الفلسطيني على الجدار الاسمنتي رداً شعرياً جمالياً بقلم محمود درويش الذي كتب أجمل ما كتب من شعر في الجدارية التي يحاكم فيها الموت، ويقول للموت بلغة غنائية حرة:

هزمتك ياموتُ الفنونُ جميعُها...

ومع ذلك لم يكتف شارون بأن أمر ببناء الجدار وصمت، بل راح ليوسّع من تناقض العقلية الإسرائيلية وارتباكها بأن أخذ يكيل المديح لشعر درويش وأعلن انه يغبط الشعب الفلسطيني على صموده وأن لديه شاعراً في قامة درويش. وعليه أخذت أصوات في إسرائيل تدعو إلى ترجمة شعر درويش إلى العبرية وإدخاله في المناهج الإسرائيلية الأمر الذي يؤشر بالفعل على ركاكة الفكر الإسرائيلي والثقافة الإسرائيلية برمتها.. فهم يبنون جداراً لتفتيت الارض الفلسطينية بهذه الكراهية.. كراهية طولها 720 كيلوتراً من الاسمنت، وفي الوقت نفسه يحبون شعرنا الفلسطيني. يكذب الإسرائيلي على نفسه وعلى العالم، وهو طالما أنه يشيّد كل هذه الكيلومترات من العزل والتفتيت، فهو في الوقت نفسه يهيئ إلى جنازة كبيرة من الاسمنت.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"