أظهر بحث حديث أن رواية «الحرب والسلام»؛ رائعة الكاتب الروسي الكبير ليو تولستوي تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات قراء اللغة الروسية في عام 2016، كما أنها الأكثر بحثاً على محرك البحث غوغل باللغة الروسية كذلك. يتواكب هذا الكشف مع إقامة ماراثون طريف لقراءة الرواية؛ إذ يتسابق القراء في إنهاء هذه الرواية الضخمة، في أكثر من عاصمة أوروبية. من المعروف أن الرواية تقع في ألف وثلاثمئة صفحة، ومكونة من أربعة أجزاء.
تولستوي قد تفرغ لكتابتها على مدار خمس سنوات كاملة من 1863 إلى 1869، بمعاونة زوجته التي تحولت طوال هذه الفترة إلى سكرتيرة له، ولكنها تدخلت أكثر من مرة وألحت عليه كي يحذف بعض المقاطع؛ خوفاً من رقابة الكنيسة ورد فعل المُجتمع. تعتبر الرواية واحدة من أهم الأعمال في تاريخ الأدب العالمي، وتمت ترجمتها إلى كل لغات العالم الحية، وإلى جانب قيمتها الأدبية الكبيرة، اعتبرها كثيرون حول العالم دستوراً للسلام، واستشهدوا بمقاطع منها للتنديد بويلات الحرب، كما تأثر بكتاباته عدد كبير من السياسيين حول العالم؛ من بينهم غاندي ومارتن لوثر كنج.
ولد تولستوي عام 1828، لأسرة أرستقراطية عريقة، لكنه تمرد عليها بعد أن رأى مظاهر البؤس والحرمان التي يعيش فيها أغلب الشعب الروسي في ذلك الوقت. تعرض لأزمة نفسية وروحية كبيرة، وعاش حياة التمرد والصعلكة في شبابه، وكاد يموت من البرد ذات مرة حين تجرد من ملابسه ونام في العراء تعاطفاً مع الفقراء. يُعد تولستوي أحد أعمدة الأدب الروسي والعالمي، ومن أشهر رواياته الأخرى «موت إيفان إيليتش»، و«الحاج مراد»، بالإضافة إلى كتابه ذي الطابع الفلسفي «مملكة الرب بداخلك»، والذي يدعو فيه إلى السلام ونبذ العُنف.
تتناول الرواية وقائع حملة نابليون بونابرت على روسيا في مطلع القرن التاسع عشر، وهزيمته أمام جليد الشتاء الروسي. ويصف تولستوي بإسهاب ما تعرضت له موسكو من خراب ودمار سببته الحملة الفرنسية قد انسحابها، ولكن هذا الوصف الدقيق تحول إلى صورة مُرعبة لنتائج الحرب بصفة عامة، ومدى بشاعتها على العسكريين والمدنيين، وضآلة أي انتصار مهما كانت عظمته مُقارنة بانتهاك الروح الإنسانية.
لم يكن تولستوي يهدف في البداية إلى تناول حملة نابليون، بل بدأ كتابتها عن أحد النُبلاء الذين حاولوا الإطاحة بالقيصر عام 1825. أدرك تولستوي أن دوافع بطل روايته في الاشتراك بهذه المحاولة لن تتضح إلا في إطار فهم دوره في المعارك ضد نابليون. كما أدرك أنه قد يواجه مشاكل مع الرقابة وقتها إن تمحورت الرواية حول ذلك النبيل، لذلك قرر التركيز على وقائع الحرب، إلى جانب التوغل في تفاصيل حياة طبقة النبلاء الروس. لم يجد تولستوي صعوبة في التعبير عن حياة لأنه ينتمي إليها؛ فهو سليل عائلة نبيلة ويعرف حياة القصور وسمات النبلاء، كان تولستوي قد اعتمد على سمات شخصية والده في رسم ملامح شخصية نيكولاي رستوف، كما رسم شخصية ماريا بولكونسكايا اعتماداً على شخصية والدته ماريا نيكوﻻيفنا، التي كان اسمها قبل الزواج الأميرة فولكونسكايا، ويبدو بوضوح أن شخصية الأمير أندريه هي انعكاس لشخصية تولستوي نفسه. وظهرت اللغة الفرنسية بشكل ملحوظ في الرواية لتعكس تأثر الطبقة الأرستقراطية الروسية بالثقافة الفرنسية في القرن التاسع عشر.
تحتشد الرواية بالشخصيات إلا أنها تقتصر الرواية على تناول حياة خمس عائلات أرستقراطية فقط: آل بزوخوف، آل بولكونسكي، آل روستوف، آل كوراجين، وآل دروبيتسكوي، وترصد علاقة أفرادها بالتاريخ في حقبة زمنية عاصفة تُحدد مصائرهم وخياراتهم، وتُلقي بظلالها عليهم بقوة. تدور أحداث الرواية في الفترة التاريخية التي شهدت غزو نابليون لروسيا، وتمتد قبلها وبعدها، ومع ذلك لا يمكن اعتبارها رواية تاريخية بقدر ما هي رواية عن علاقة الإنسان بالتاريخ، وبقدرته - أو على الأقل سعيه - إلى صُنع تاريخه الخاص. لقد كتب تولستوي في مُذكراته أنه كان يخشى أن تجرفه الوثائق والحقائق التاريخية ولا يستطيع التعبير عن المناطق الخفية في حياة الإنسان، وربما كان هذا هو السر في تحول روايته إلى ملحمة عالمية خالدة.