أخلاق المحنة

01:45 صباحا
قراءة 3 دقائق
الحياة مليئة بالمصاعب والمتاعب كما هي حافلة أيضا بالمسرات والمباهج، فالدنيا بحلوها ومرها يعيشها الإنسان وتمتد رحلة حياته ما بين شقاء وراحة وعناء وسرور حتى آخر العمر، وفي كل ما يلم بأي منا من أفراح واتراح، نجد أن هناك محطات فاصلة نتوق فيها إلى كل كلمة مؤازرة أو وقفة مساندة تشد من أزرنا وتدعم دواخلنا في مواجهة ما يعتمل في صدورنا من انفعالات وما نواجهه من مواقف.المشاركة مسألة ايجابية إذا أقدم عليها أي منا، والتخلي عنها ما هو الا تعبير عن حب للذات وأنانية لا تتفق مع قيمنا الدينية السامية، وإذا كنا في الأفراح نحتاج إلى من يشاركنا مشاعرنا ويتقاسم معنا البهجة حتى نعيش لحظات السعادة، فإننا من باب ادعى نحتاج للدعم المعنوي في لحظات الحزن أو في المحن أكثر من أي وقت آخر.لقد دعت شريعتنا الغراء إلى أن يكون المسلمون جميعا مثل البنيان المتماسك دائما وهو ما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه) وعلى الرغم من ذلك نجد أن هناك تجاهلا واضحا من البعض لهذه التعليمات بل الالتفاف على الدور الواجب على كل مسلم تجاه أخيه باعتبار أن المرء يكفيه ما يحيط به من هموم وأعباء وان الأمر لا يحتمل أعباء إضافية هو في غنى عنها، وهو بالطبع قول مغلوط لسببين أولهما أن مساندة الآخرين في المحنة هو أمر وجهنا إليه سبحانه وتعالى ورسوله الكريم، وبالتالي فإن تجاهل هذا التوجيه لا ينم عن خلق اسلامي حقيقي، وثانيهما أن دائرة الأيام تدور على الناس فلا احد ينعم بهنائه طيلة العمر، ولا آخر يستمر شقاؤه لأبعد مدى، ومن ثم فان ما تقدمه أيدينا اليوم لن يذهب سدى ولكنه سيعود إلينا في مواقف أخرى قد نتعرض لها ووقتها ندرك معنى المساندة، ناهيك عن أن الله عز وجل يحب دائما المسلم القدوة الذي يقدم دون انتظار لمقابل إلا الثواب والأجر من عنده، وهو سبحانه يجزيه في الدنيا ويرد عنه المخاطر ويجنبه من الشرور الكثير، ويدخر له ثوابا عظيما في الآخرة.وقد يتصور البعض في لحظة من لحظات الغرور انه بمأمن من كل ما يمكن أن يضر به وبالتالي يستمر في نهجه المتغطرس دون أن يمد يد المساعدة لأحد وحتى ان طلبت منه المساندة لا يلقي بالاً ولا يعطي اهتماما ويتجاهل الأمر برمته، وقد يكون البعض منهم ممن يدعون أنهم رحماء ولكنهم في الحقيقة يختفون وراء قناع تحركه مصالحهم فقط، فهم لا يتواصلون إلا مع من يحقق لهم المنافع لأن الحياة من وجهة نظرهم ليست إلا عطاء ولكن بمقابل.في الضائقة المادية أو المعنوية عادة ما يكون المصاب في احتياج شديد لمساندة الآخرين له حتى يتجاوز محنته، ولعل روح التكافل التي يتحلى بها الكثير من الناس هي وحدها الكفيلة بتدارك الأزمة، فالفقير العاجز عن العمل أو القادر الذي لم تساعده ظروفه في الحصول على عمل يؤمن له معاشه أو الميسور الذي تهاجمه ظروف الحياة القاسية، كل هؤلاء يحتاجون وقفة من المحيطين تنهض بهم وبظروفهم.. يقول تعالى في سورة البقرة: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.المرض أيضا ضائقة يمكن أن تجعل صاحبها في احتياج معنوي بل ومادي أيضا، وهو تجربة يكون الإنسان فيها في حالة شديدة من الضعف المعنوي وبالطبع الصحي، الأمر الذي يستدعي مزيدا من الرعاية والدعم النفسي للمريض وخاصة إذا كان مرضه خطيرا أو مزمنا، لأنه في هذه الحالة يكون في أمس الحاجة لمن يوليه الرعاية والاهتمام ولمن يشعره بأنه ليس عبئا ثقيلا على الآخرين، وكم من مرضى تحلوا بالصبر في مواجهة مرضهم لكن جروحاً غائرة بقيت في نفوسهم من تجاهل الآخرين لهم، ومن هنا فان زيارة المريض والسؤال عنه ومساعدته ماديا إذا استدعى الأمر هي من أبجديات السلوك الاسلامي، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض، واتباع الجنائز وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس).

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"