كل فعل يفعله إنسان يكون فيه حق، وتكون في اتجاهه مسؤولية، وحق الفعل هو صدق النية والإرادة، ثم الإتقان والأمانة في أدائه.
أما المسؤولية تجاه الفعل، فهي مسؤولية متابعة الفعل وآثاره وجرائره، فلا ينبغي للعاقل أن يترك فعله كالسائمة الهائمة، بل عليه واجبات وفي عنقه تساؤلات، هل كان هذا الفعل امتدادا لنية صالحة؟ ثم وهل كان متناغما مع تلك النية؟ وما هي نتائجه التي تمثلت في عالم الشهود والواقع؟
هذا الفحص الدقيق لأفعالنا أفرادا كنا أو جماعات - يحتاج إلى وعي، وما يتبعه من موضوعية وإحاطة، ومع هذا الوعي فإنه يحتاج إلى شجاعة، كلمةٌ ما أيسر النطق بها، لكن ما أصعب العمل بمضمونها.
إن شجاعة المراجعة هي المحك الحقيقي لمدى التماسك الأخلاقي عندنا، وتلك الشجاعة تتمثل في أشياء:
التحرر من وهْم كمال وقداسة الذات: نحن أسرى نظرية تزكية الذات والفعل الصادر عنها، فنحن كاملون مستكملون، وهذه أوهام متوارثة، في حاجة إلى شجاعة لنقضها والتحرر من أسرها.
التحرر من الكذب على الذات، وذلك بصدق الرؤيا حتى نرى العيوب على حقيقتها، رؤية كاملة - تضمن نزاهة النظرة - وشاملة مستوعبة، تنتفي معها الجهالة.
ومع صدق الرؤية يأتي صدق المواجهة، مواجهة الذات في مراجعة أفعالها والاعتراف بأخطائها، وطلب تعديل الأفعال.
هذه الشجاعة في مواجهة عواقب أفعالنا وتصرفاتنا، هي الترجمة الحية لصحة أخلاقنا، بل آية أخلاقنا، فإن لم توجد تلك الشجاعة كمكوّن أخلاقي في ذواتنا، فقد فقدنا قدرة المراجعة، بل قدرة التعقل والتمييز، وسارت بنا نفوسنا الكاذبة نحو دروب الهوى والهلاك.
إن الاعتراف بالخطأ دليل على نُبلٍ في النفس، ونُضج في العقل، وسماحة في الخُلق، بَيد أنّ خليقة الشر قد تتبدّى مُجسمة في بعض الناس، خليقة تبدأ بالعصيان، وتمشي مع الاستكبار والاستغلاق عن الفهم، حتى تنتهي بصاحبها إلى ذلك الفريق الذي تأخذه العزة بالإثم، فلا يفكر في اعتراف ولا اعتذار ولا متاب.
وتفسير ذلك من وجهة نظر الصحة النفسية، أن الفرد يحب احترام ذاته، وحين يخطئ يظن خطأ أن اعترافه بالذنب إهانة للذات، فيجادل بالباطل لإبعاد النقص عن نفسه! وتسمى هذه العمليات بحيل الدفاع النفسي.
نعم إن العمل السيئ يذهب بمكانة الرجل ومحامده، لكن الاعتراف بالخطأ والخجل منه، يزيد في مكانة الرجل ومكارمه.
والحيل النفسية ليست شرا محضا، بل هناك حيل إيجابية وأخرى سلبية، ولعل أكثر الحيل السلبية شيوعا هي التبرير، والتبرير حيلة لاأخلاقية، تعني أن الفرد يحاول إثبات أن لسلوكه ما يبرره، مثل الطالب الذي يبرر رسوبه بعدم نزاهة التصحيح وليس نتيجة تقاعسه عن المذاكرة، والقائد الذي يبرر فشله بعدم فهم الناس له، وربما نظر - مع تضخم ذاته - إلى الناصحين له نظرةَ الفيلسوف إلى صبيان يعبثون في الطريق ويرمونه بالأحجار!
يخطئ أحدهم، فيخلط عمله مرة بالحيف، ومرة بالتزوير وبهتان الناس، وأخرى بالتسرع وقلة الإحاطة، ثم يطلب لنفسه علو الشأن عند العامة، أما الخواص فيطلب منهم التسليم بتلك الأشياء الملفّقة!
أفيظن أن الناس يستهينون بعقولهم التي بها يفكّرون؟ أم يظن أن تلك الخطايا لا تمثل شيئا عند الناس؟
ما أحوج كل امرئ منا إلى عِظة المعرّي إذ يقول:
وكيف يؤمّل الإنسانُ رُشدا
وما ينفكّ متبعا هواهُ
يظن بنفسه شرفا وقدْرا
كأن الله لم يخلق سواهُ !
وهنا يأتي مرض آخر، إنه مرض البارانويا، الذي يعني تضخم الذات وإضفاء هالة التقديس عليها، ومن ثم يعني جنون العظمة، فهو جبل شامخ والناس في سَفحِه رمال، نَعم مجرد رمال!
أعود فأقول: إن الفحص الدقيق لأفعالنا أفرادا كنا أو جماعات- يحتاج إلى وعي، وما يتبعه من موضوعية وإحاطة، ومع هذا الوعي فإنه يحتاج إلى شجاعة، شجاعة مواجهة الفعل وتحمّل عواقبه، فالإنسان الذي لا يحاسب نفسه، ولا يعتذر عن خطئه، يمثل خطرا فادحا، وبلاء مستطيرا، خاصة إذا فشا هذا الصنف، وانتشرت عاداته في شُعب الحياة.