عندما كنا أطفالاً، كنا دوماً نتجول أنا وأصدقائي على شاطئ البحر، وكانت هناك سفن خشبية وحديدية ملقاة على الشاطئ للإصلاح أو للدهان . وكان يلفت نظري الصبغ الأحمر الذي كانت تصبغ به السفن الحديدية، وتساءلت: لماذا تصبغ كل السفن بهذا اللون في البداية، ثم تصبغ بلون آخر؟ وطرحت هذا السؤال على أصدقائي، فأجاب أحدهم بأن السفينة تصبغ بلونين حتى تصبح قوية في مواجهة الأمواج، وأجاب آخر بأن اللون الأحمر يخيف الأسماك، وفي ما بعد عرفنا أن هذا اللون يمنع تآكل الحديد من الصدأ الذي يأكل هيكل السفينة بسبب مياه البحر المالحة . والمعلومة الأهم من ذلك أن هذه الصبغة الحمراء تستخرج من مادة الأوكسيد الأحمر أو ما يسمى بالمحلي المغر، وكانت هذه المادة متوافرة بكثرة ولاتزال في جزيرة أبو موسى التابعة لإمارة الشارقة، وفي فترة من الفترات، كانت هذه المادة مصدراً من مصادر الدخل لإمارة الشارقة، وحتى نطلع على المزيد من تفاصيل هذا الموضوع، تعالوا بنا نتجول في جزيرة أبوموسى ونرى تاريخ استغلال هذه المادة .
عام 2002 التقيت الصحفي سليم زبّال، الذي قام بعشرات الرحلات إلى ربوع الوطن العربي خلال الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وكتب أجمل التحقيقات الصحفية لمجلة العربي الكويتية الشهيرة، ومن يقرأ الأعداد القديمة للمجلة، يرى اسم سليم زبّال متصدراً تحقيقاتها التي جابت الوطن العربي من أقصى مشرقه إلى أقصى مغربه، وفي نهاية لقائنا، أهداني كتابه الذي جاء بعنوان كنت شاهداً الإمارات عام 1960 إلى 1974، والصادر عن المجمع الثقافي بأبوظبي، والكتاب يجمع بين دفتيه جميع التحقيقات الصحفية التي قام بها زبّال في الإمارات خلال الفترة المذكورة، ومن ضمن تلك التحقيقات واحد أجراه خلال زيارته لجزيرة أبوموسى عام ،1968 ويقول زبّال في التحقيق تشتهر جزيرة أبوموسى بوجود مناجم الأوكسيد الأحمر الثمين في ربوعها، وأردنا الاطلاع على أماكن استخراجه، اتجهنا صوب شرق الجزيرة في سيارة حمراء، فوق طريق أحمر، في اتجاه جبل أحمر، كل شيء كان مصبوغاً بلون الأوكسيد الأحمر . فوق هذه الجزيرة المعزولة الهادئة، حتى مياه الآبار العذبة كانت تميل إلى الاحمرار، ونظرنا إلى أقدام الرجال، فوجدناها مصبوغة باللون الأحمر، فأطلقنا عليهم تسمية أصحاب الأرجل الحمراء أسوة بإخوانهم في المغرب العربي أصحاب الوجوه الزرقاء، وجلسنا نستمع إلى المسؤول عن منجم الأوكسيد الذي قال: ما من شك في أن أوكسيد الحديد الأحمر في جزيرة أبوموسى هو من النوعية الممتازة النقية التي لا تحتاج إلى تصفية كبيرة، ويستعمل هذا الأوكسيد في صناعة الطلاء الأحمر المانع للصدأ، وأحياناً في صناعة أحمر الشفاه للسيدات، وفي الجزيرة ثلاثة مناجم، بدأ استغلالها للمرة الأولى عام 1934 شركة بريطانية حصلت على امتياز لمدة 23 سنة، ولكنها توقفت خلال الحرب العالمية الثانية خلال السنوات من 1940 إلى ،1947 ثم جدّد الاتفاق مقابل دفع 50 ألف روبية سنوياً لحاكم الشارقة وقتها، وكان الأوكسيد يستخرج من مناجم يصل عمقها إلى نحو 50 قدماً، فبعد إزالة الطبقة الأرضية العليا بوساطة الديناميت، يبدأ الحفل بالجرافات اليدوية لاستخراج خام الأوكسيد الذي ينقل بالشاحنات إلى الساحل، ليشحن بالسفن، وكانت الكمية التي رأيناها نحو 30 ألف كيس، وزنها نحو 2000 طن ستصدر إلى بريستول في بريطانيا، وكان الشحن يتم مرة واحدة في شهر يونيو/حزيران من كل عام، وعندما كنا في الجزيرة عام ،1968 كانت الشركة المستغلة للامتياز في طريقها لتصفية أعمالها .(1)
البداية
واقع الأمر، أن استغلال الأوكسيد الأحمر في جزيرة أبوموسى بدأ قبل سنوات طويلة، مما ذكره تحقيق مجلة العربي الذي أشار إلى أن بدايته كانت عام ،1934 وتشير الوثائق البريطانية إلى أن أول استغلال للأوكسيد كان من قبل الحاج علي دوباش، وهو من سكان مدينة بوشهر الإيرانية، إذ منحه عمّ حاكم الشارقة ترخيصاً للتنقيب عن الأوكسيد عام 1898 . واستطاع دوباش تطوير هذا العمل، وتمكن من تصدير أكثر من 400 طن من هذه المادة، لكنه لم يستمر في استثماره، وتوقف عن العمل في ما بعد .(2) وفي بداية القرن العشرين ظهر اهتمام الألمان بالخليج، وكانت ألمانيا ترغب في وضع قدم لها في المنطقة كمنافس للدول الغربية الأخرى التي بدأت تتنافس في ما بينها لتحقيق مصالحها، وظهرت المصالح الألمانية من خلال ثلاثة مشروعات هي: سكك حديد بغداد بعدما منحت الدولة العثمانية الألمان امتياز هذا المشروع عام ،1898 هامبورغ - أمريكا للملاحة، وشركة فنكهوس . وكان نشاط شركة روبرت فنكهوس في الخليج أحد أسباب قلق البريطانيين من توسع الألمان وطموحهم في منطقة الخليج، ونشأت شركة فنكهوس في شرق إفريقيا ثم أقامت لها فرعين في لنجة عام 1897 لتجار محار اللؤلؤ . وازدهر عمل هذه الشركة بسرعة بسبب حسن إدارة ونشاط صاحبها فنكهوس، وأصبح لها وكلاء في الموانئ المهمة في الخليج، وجد الإنجليز أنفسهم أمام خطة محكمة من ألمانيا لاختراق السيطرة البريطانية، واصطدمت المصالح البريطانية والألمانية حينما اختارت شركة السكة الحديدية، الكويت نهاية للخط الحديدي، ورداً على المخطط الألماني، عقدت الحكومة البريطانية معاهدة الحماية مع الكويت عام 1899 .(3) أما في ما يخص شركة فنكهوس، فقد تدخلت بقوة لمنع تنفيذ اتفاق استغلال مناجم الأوكسيد الأحمر في جزيرة أبوموسى، حتى لا يصبح الوجود الألماني في المنطقة رسمياً، فكيف حدث ذلك؟
اتفاقية
محور اتفاقية شركة فنكهوس لاستغلال أوكسيد جزيرة أبوموسى يدور حول شخص اسمه حسن سميح، وليس واضحاً من هو، وما جنسيته، ولكن على الأغلب، يبدو أنه أحد سكان المناطق الجنوبية مع إيران، وقام بالاشتراك مع شخصين، أحدهما عيسى بن عبداللطيف السركال ابن الوكيل المحلي للسلطة البريطانية، بعقد اتفاق مع شركة فنكهوس الألمانية عام 1904 للتنقيب عن هذه المادة في الجزيرة، ويبدو أن سميح حصل على موافقة مبدئية من حاكم الشارقة، ولكنها لم تكن رسمية، على اعتبار أنها عملية استثمار تجاري لإحدى الشركات الألمانية، ولكن الإنجليز نظروا للموضوع نظرة مختلفة، فغض النظر عن هذا الاتفاق يعني السماح بدخول الألمان للمنطقة، وطلبت حكومة الهند البريطانية من حاكم الشارقة إجراء تحقيق حول هذا الموضوع، وثبت للحاكم أن شركاء حسن سميح ليس لهم علم ببنود العقد المبرم بينه وبين الشركة، وهنا ألغى حاكم الشارقة الامتياز الممنوح لسميح .(4) وكان من ضمن بنود الاتفاق بين الطرفين حق الشركة في احتكار إنتاج الأوكسيد لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد .(5) ما يهمنا في موضوع شركة فنكهوس هو موقف الحكومة البريطانية التي لم تقم باستثمار هذه الموارد الطبيعية، ولم توص أياً من الشركات البريطانية بالاستثمار في هذا المجال حتى يستفيد الكل، فأبناء الجزيرة سيجدون مجالاً جديداً للعمل في ظل ظروف الفقر المدقع وقلة فرص العمل، ففي تلك الفترة لم يكن يوجد سوى الغوص على اللؤلؤ وصيد الأسماك، فماذا لو فتحت مجالات عمل جديدة، وفرص جديدة، وفي الوقت نفسه أقفلت السلطة البريطانية الأبواب أمام كل من يرغب في الاستثمار من الجنسيات الأخرى تحت ذرائع كثيرة؟ فشركة فنكهوس خاصة يملكها شخص، فهل من المعقول أن يصبح هناك وجود لدولة كاملة كألمانيا في منطقة معينة من خلال شركة خاصة؟ هذا التصرف يعطي صورة أيضاً عن المدى الذي وصلت إليه إجراءات الانغلاق البريطاني لمنطقة الخليج، بحيث إن كل تصرف من الغير يعدّ تعدياً على الحقوق البريطانية التي منحتها بريطانيا لنفسها، فأبسط الأمور كانت واضحة للعيان من خلال تحول هذه الشركة من شركة ألمانية صرفة إلى شركة مشتركة مع جنسيات أخرى بوجود شركاء آخرين، وكان من السهل السيطرة عليها من خلال وجود ابن الوكيل المحلي للسلطة البريطانية كأحد الشركاء، وبدلاً من السماح لها بالعمل بشروط، استنفرت السلطة البريطانية كل قواها وأرسلت لحاكم الشارقة وللوكيل المحلي وللشركة ذاتها، لإنهاء استمراريتها بالعمل والتوقف فوراً،وسمح للشركة بتصدير ما تم استخراجه فعلاً، وقامت فنكهوس في أواخر إبريل/نيسان 1908 بتصدير 1810 أطنان من الأوكسيد، وكانت هناك 400 طن أخرى على الساحل مع كميات كبيرة من الأوكسيد الخام .(6) وكانت الشركة استمرت بالعمل لفترة من الوقت بسبب الاجراءات القانونية التي قامت بها هي وحسن سميح، وسمحت الحكومة البريطانية للشركة بتصدير كميات الأوكسيد على أن تنهي أعمالها في ديسمبر/كانون الأول 1912 .(7) وتوقف العمل في استخراج الأوكسيد من الجزيرة 11 عاماً، كان من الممكن أن يستفاد منها، ولم يوافق الإنجليز على امتياز جديد، إلا عندما تقدمت شركة إنجليزية لاستغلال استخراج الأوكسيد عام 1923 هي شركة Stricks التي كان لها وكيل مقيم في بندر عباس .(8) وطوال الفترة من 1923 إلى 1935 لم يكن واضحاً إن كانت الشركة استمرت في الاستثمار أم توقفت، وتتضح الصورة بشكل أكبر لمسألة استغلال هذه المناجم ابتداء من منتصف الثلاثينات من القرن العشرين .
جزر أخرى
أعد مكتب الهند في حكومة الهند البريطانية مذكرة تحت عنوان الأوكسيد الأحمر في أبوموسى من 1898 1934، واشتمل التقرير على امتيازين من حاكم الشارقة قبل عام ،1934 وهما الامتيازان اللذان سبق ذكرهما لشركة فنكهوس الألمانية وستريكس البريطانية، ويشير التقرير إلى أن عائد الاستثمار من قبل الشركتين كان ضئيلاً .(9)، وإذا كانت الشركة الألمانية منعت من الاستمرار في عملها، ليس واضحاً ماذا جرى بالنسبة إلى الشركة البريطانية التي على ما يبدو، واجهت صعوبات ما في الاستثمار أو النقل خلال فترة العشرينات، ويبدو أن الاستثمار الحقيقي لمناجم الأوكسيد الأحمر في أبوموسى وبقية جزرٍ الإمارات بدأ منذ عام 1935 عندما منح حاكم الشارقة امتيازاً لشركة كومندر بايلدن للتنقيب في جزيرتي أبوموسى وصير بونعير نظير مبلغ مقدم قدره 6 آلاف روبية، وروبيتان عن كل طن مستخرج، وعلى أن تستمر الاتفاقية لمدة 12 عاماً تدفع الشركة خلالها ضريبة قدرها 2000 روبية في العام . ووفق هذا الامتياز، بدأت شركة في استغلال تلك المناجم، وهي شركة جولدن فالي التي استمرت بالعمل حتى عام ،1953 مع توقف لعدة سنوات أثناء الحرب العالمية الثانية، وخلال تلك الفترة، تم تصدير كميات كبيرة من الأوكسيد الأحمر، ورغم أن العائد الذي قدمته الشركة البريطانية كان ضئيلاً للغاية في مقابل الفوائد التي جنتها من الاستثمار في هذا المعدن، إلا أن هذا العائد الضئيل أفضل من لاشيء، خاصة أن الحكومة البريطانية منعت، كما ذكرنا سابقاً، شركات الدول الأخرى في الاستثمار في هذا المجال، ما أتاح الفرصة كاملة للشركات البريطانية لفرض السعر الذي يناسبها، كما هو واضح من عقد الاستثمار مع شركة جولدن فالي (10) .
وطوال فترة الأربعينات، كانت الشركة تقوم بعمليات التنقيب واستخراج الأوكسيد من مناجم جزيرة أبوموسى، وفي 1948 ركزت الشركة عملها في جزيرة صير بونعير، وتم تصدير 2200 طن من جزيرة ابوموسى، و2000 طن من صير بونعير إلى إنجلترا، وقام السيد إنس، مدير شركة جولدن فالي بزيارة أبوظبي حيث حصل على تصريح بالتنقيب من الشيخ شخبوط بن سلطان في جزيرتي بني ياس ودلما، وبعد عودته من إنجلترا، طلب من خان صاحب حسين عماد تعيين عمال والبدء فوراً في التنقيب في جزيرتي أبوموسى وصير بونعير(11) وفي 1952 حصلت الشركة على امتياز التعدين في جزيرتي طنب الكبرى والصغرى من حاكم رأس الخيمة نظير دفع مبلغ مقدم قدره 9 آلاف روبية، وضريبة قدرها 4 روبيات عن كل طن، على ألا يقل مبلغ الضريبة عن 2000 روبية في العام، ولكن ألغي هذا الامتياز في السنة التالية لأن احتياطي خام الأوكسيد الأحمر في الجزيرتين كان ضئيلاً، وقامت الشركة بهذا الإجراء من دون إخطار الحاكم، وفي ،1953 وبعد حصول الشركة على امتياز التعدين في بعض الجزر التابعة لأبوظبي، أوقفت عملياتها في الجزر التابعة للشارقة، ما أثار قلق حاكمها، فالشركة لم تخطره بإنهائها للامتياز الممنوح لها، ما جعله يتقدم بعدة شكاوى واحتجاجات ضدها في ما يتصل بالمسائل المتعلقة بالامتياز، وأيضاً بنقل الحجارة من جزيرة أبوموسى، فوفق امتياز آخر منح للشركة في وقت سابق، وخلال العام نفسه، حصلت الشركة من الشيخ شخبوط على امتياز يشمل كل الأراضي التابعة لأبوظبي، ولكنه حدد 8 جزر فقط يمكن للشركة أن تمارس عملها فيها، ونص الامتياز على أن تدفع الشركة إيجاراً قدره 25 ألف روبية في العام، وضريبة قدرها 10 روبيات عن كل طن بحيث لا يقل المبلغ عن 40 ألف روبية في العام، شريطة أن يكون عدد العمال كافياً لاحتياجات الشركة . وسمح للشركة بإلغاء الامتياز إذا ثبت قلة احتياطي خام الأوكسيد بحيث لا يكفي لإنتاج 4 آلاف طن في العام .(12)
واستمر استغلال الأوكسيد الأحمر من قبل شركة جولدن فالي طوال فترة الستينات، وكان يستخرج 16 ألف طن من الأوكسيد الخام من جميع الجزر التي استغلالها، وكان هذا الأوكسيد المعروف بجودته يعرف عالمياً باسم جولف ريد .(13)
هوامش
1- سليم زبّال، كنت شاهداً - الإمارات من 1960 إلى ،1974 المجمع الثقافي بأبوظبي، ،2001 ص 34 - 35
2- M .J . Meade Bushire, 3 July 1899, The Persian Gulf Administartion Reports, Vol . 4 . P .9
3- د . محمد مرسي عبدالله، دولة الإمارات العربية المتحدة وجيرانها، ص 38-39
4- Cox, lst March 1908, IOR .L .P S 10/127
5- COX, The Persian Gulf Administration Reports/Vol . 71/PP 13- 14 .
6- COX, Report For The Year 1908 The Persian Gulf Administration Reports/Vol . 71/ P .B
7- COX, Report For The Year 1911 The Persian Gulf Administration Reports .Vol . 71/P .93
8- Trevor, Report For The Year 1923 The Persian Gulf Administration Reports, Vol . VIII, P . 66
9- Records of The Emirates, VOI . 9/P .45 10- Ibid
11- Report for the Year 1948, the Persian Gulf Administration Reports/VOl . X1/ P .28
12- Records Of The Emirates VOl . 9/ 1bid
13- Donald Hawley, The Trucial States P . 203