بقلم: عبدالغفار حسين
اتصلت بي الباحثة الفاضلة الدكتورة مريم سلطان لوتاه، تسألني عن رأيي فيمن أعرف وعاصرتهم من المطاوعة والفقهاء (وشيوخ الدين) في الإمارات، ويبدو أنها تعد بحثاً يتعلق بهذا الموضوع، فإذا كان انطباعي مصيباً فإنها تفعل حسناً، وهي ممن يقدر على ذلك بجدارة..
وأثناء الحديث قلت للدكتورة مريم: إنني لست ملماً إلماماً يعوّل عليه بشخصيات من هؤلاء الفقهاء الذين عاشوا خارج إمارة دبي، وقد لا أكون دقيقاً لو تحدثت عن حياة أحدهم، لا سيما الذين لم أرَهم ولم أحتكّ بهم ولم تعمّ شهرتهم خارج الإمارة التي عاشوا فيها، باستثناء فقيهين جليلين اشتهرا بغزارة المعرفة الفقهية، في كل من الشارقة ورأس الخيمة، اللذين رأيتهما وسمعت عنهما أخباراً، وهما الشيخ سيف بن مجلاد المدفع من الشارقة، والشيخ محمد بن سعيد بن غباش من رأس الخيمة، والأخير هو أول فقيه إماراتي درس في الأزهر بمصر في الثلاثينات من القرن الماضي، وثاني اثنين من (شيوخ الدين) هو والشيخ عبدالرحمن بن حافظ، اللذين ألفا كتباً ودراسات فقهية وتاريخية في الإمارات..
والذي يميز الشيخين الفقيهين، الشيخ بن مجلاد والشيخ بن غباش أنهما تعمقا كثيراً في المسائل الخلافية بين المدارس الفقهية السنية، ومثل هذا التعمق أعطاهما براحاً من المرونة والتساهل في المواقف الخلافية والأحكام الفقهية، بخلاف أقرانهما ممن تأثروا بالسلفية والفكر التشددي في المنطقة، مما حال دون بروز علماء في الفقه كما كان عليه الحال في الأمصار الإسلامية الأخرى..
ومع تحفظي في التمسك برأي قاطع فإني لا أجد أحداً تاريخياً ضليعاً في الفقه في الإمارات الشرقية يضارع هذين اللذين ذكرتهما، الشيخين بن مجلاد وبن غباش، اللذين يقفان في صف فقهاء إمارة دبي إن لم يفوقا بعضهم..
وأعود إلى ذكرياتي عن دبي باعتباري أحد المتابعين لحوادث التاريخ فيها ورجالاتها من الشيوخ والوجهاء والأعيان من بينهم بعض الفقهاء الذين تعدوا مرحلة من كانوا يسمون بالمطاوعة إلى التضلع في الفقه والفتاوى والقضاء وعدد هؤلاء بالصفة التي أتينا على ذكرها قليل ومحدود.. وفيما يلي اسمان اشتهرا بالفهم والدراية وسعة الاطلاع في علوم الفقه، ومواضع الالتقاء والخلاف بين المدارس الفقهية، تولى واحد منهما القضاء والآخر المرجعية في الفتوى في دبي وفي ساحل عُمان الباطنة منطقة صحار وما بينهما..
الشيخ عبدالرحمن بن حافظ:
هو الشيخ عبدالرحمن بن الشيخ محمد حافظ، الفقيه والقاضي والمعلم والشاعر والأديب، وصاحب أوّل كتاب في الفقه السني يؤلف في الإمارات وفي عُمان، وطبع في مصر في الأربعينات من القرن الماضي، واسمه «خلاصة الفقه».. وفي هذا الكتاب أظهر الشيخ بن حافظ مقدرة فقهية عالية لا سيما في الفصول المتعلقة بالمعاملات، أي البيع والشراء والرهن والاقتراض إلخ.. كما أظهر شيخنا الجليل باعه الطويل في الفقه الشافعي الوسطي واستنباط الأحكام ومعرفة دقائق اللغة العربية ومفردات كبار الفقهاء، مما رفع بكتابه سمعة الإمارات الثقافية، ووضع اسمه بين كبار الفقهاء المسلمين..
وللحديث صلة
يوم غدٍ إن شاء الله