جزاء الخائن

01:28 صباحا
قراءة 6 دقائق
جاءته الطعنة على غير انتظار من أعز أصدقائه بل الذي يعتبره صديقه الوحيد. منذ فترة وهو يشعر بأن صديقه هذا يصوب نظرات غير بريئة إلى زوجته وهي تقوم على خدمتهما أثناء سهرات تعاطي المخدرات في منزله، لكنه كان يكذب شعوره فما يجمع بينهما ليس مجرد علاقة عمل فقط وإنما رحلة عمر وعلاقة صداقة حميمة تضرب بها الأمثال، حتى حدثت الطامة الكبرى عندما أرسله «الصديق الحميم» في مهمة خاصة بالعمل واستغل سفره في الاعتداء على زوجته واستباحة حرمة منزله معتقداً أنها لن تخبره بما حدث، لكنها أخبرت زوجها بمجرد عودته، فقرر أن يثأر لشرفه وساعدته زوجته في استدراج خائن العيش والملح إلى المنزل، وبمجرد وصوله شعر بالكمين الذي وقع فيه فحاول الهرب لكن كان الأوان قد فات ولقي مصرعه في الحجرة نفسها التي خان فيها صديقه وأغرقت دماؤه الفراش.
البداية كانت في إحدى القرى الصغيرة فمنذ طفولته كان «شعبان» يحلم بالسفر إلى العاصمة حيث كان يعمل في الحقول ويعيش حياة بائسة يحيط بها الفقر من كل جانب ولا يوجد أي مجال للتسلية سوى الجلوس في المقهى الوحيد في القرية مع صديقه «منصور» الذي تشابهت ظروفه مع ظروف «شعبان» وتمرد الاثنان على الدراسة منذ الطفولة ورفضا الذهاب إلى المدرسة وفضلا العمل في الحقول رغم مشقته لأنه يحقق لهما بعض النقود، وخلال الأحاديث التي كانت تدور بينهما اتفقا على السفر إلى العاصمة فكل من سافر عاد بعد سنوات ومعه النقود الكثيرة وهما ليسا أقل كفاءة منهم بل هما يتمتعان بقوة بدنية ولياقة صحية وذكاء خارق يشهد به جميع أهالي القرية، ولم تمنعهما محاولات الأهل الوقوف في وجهيهما لأنهم سوف يحرمون من الجنيهات التي تفيض عليهم منهما، لكنهما وعدا الأهل خيراً وحصلا على الموافقة واستعدا للسفر بعد أن حصلا على عناوين بعض من سبقوهما.
أقام «شعبان» و«منصور» معاً في حجرة واحدة في إحدى المناطق العشوائية وعملا معاً في مجال المعمار وكل منهما متعلق بالآخر يأكلان سوياً ويتحركان معاً ولا يفترقان أبداً، كان «شعبان» رغم أنه أكبر من صديقه بحوالي سبع سنوات إلا أنه كان مقتنعاً بأنه أحسن منه كلاماً وله قدرة فائقة على إقناع غيره بما يريد فترك له تدبير حياته واعتبر نفسه الرجل الثاني وذراعه اليمنى في العمل وفي الوقت نفسه كان «منصور» يعتمد على «شعبان» ويعمل برأيه، وكثيراً ما كان يستشيره كما كان دائماً يحتاج إلى تشجيعه خاصة عندما يغامر ويدخل في أعمال أكبر من قدراته بكثير، وفي كل يوم كان يمضي عليهما كان يؤكد حاجة كل منهما إلى الآخر واشتهرا بين باقي العمال بأن أحدهما مفتاح الآخر.
اتسعت الأعمال وتعمقت الصداقة بينهما وتدريجياً أصبح «منصور» مقاولاً صغيراً وبدأت المقاولات تنهال عليه وتدفقت الأموال إلى جيبه، بينما اكتفى «شعبان» بدور المدير لأعماله الذي ينوب عنه في الاتفاق على الأعمال وتجميع العمال ومحاسبتهم مقابل راتب شهري كبير لم يكن يحلم به، ورضي «شعبان» بما كان يحصل عليه وراح يخلص لبلدياته وصديقه «منصور» وشعر بأن الدنيا ابتسمت له وبأن السعادة تحيط به من كل جانب ولا ينقصه سوى شريكة الحياة التي تكمل معه المشوار، خاصة بعدما تزوج صديقه الحميم «منصور» من إحدى الفتيات من القرية وانتقل إلى شقة جديدة وأصبح «شعبان» وحيداً.
دق قلب «شعبان» لفتاة من الجيران اسمها «هناء» لم تتجاوز العشرين من عمرها وتقدم لوالدها يطلب يدها وتزوجها وعاشا معاً في سعادة ورفرف الحب بجناحيه على عشهما السعيد وتفانى «شعبان» في العمل بعد الزواج فقد أصبح مسؤولاً عن بيت له متطلباته وعزز ذلك الصداقة مع «منصور» وإذا كان العمل يفرقهما أحياناً في النهار فقد كان الليل يجمع بينهما إما على المقهى لكي يتفقا على أعمال الغد ويحاسبا العمال، وإما في منزل أحدهما لكي يسهرا معاً ويرفها عن نفسيهما بتعاطي المخدرات، وبعد أن كانت السهرات في منزل «منصور» فقط أصبحت متبادلة هنا وهناك، لكن «شعبان» شعر بأن صديقه يعطي نفسه سلطة واسعة في اقتحام المنزل سواء إذا كان موجوداً أم غير موجود، وأنه يتعامل مع عروسه من دون أية كلفة أمامه أو في غيابه، كما ضبطه أكثر من مرة وهو يتعمد إلقاء النظرات الساخنة إلى زوجته وهي تقوم على خدمتهما رغم تحفظ زوجته الشديد في تعاملها معه وملابسها المحتشمة. كذب «شعبان» عينيه وأرجع شعوره إلى جمال زوجته فهي بالقطع أجمل من زوجة صديقه، وأكد لنفسه أن العيب في طريقة تفكيره وليس في صديقه ولا في زوجته، فهو يعرف صديقه جيداً كما أنه على يقين من نقاء زوجته وطهارتها بحكم تربيتها ونشأتها، ورفض أن ينساق وراء شعوره أو تتغير معاملته له أو يرفض استقباله في بيته أوحتى يتهمه في سريرته بالطمع في زوجته، ودرب نفسه على خنق مشاعره.
حصل «منصور» على مقاولة في إحدى المحافظات وطلب من صديقه «شعبان» أن يذهب مع العمال ويشرف عليهم حتى تتم العملية، وبالطبع لم يتردد «شعبان» فقد تعود على مثل هذه الأعمال وجمع العمال وسافر معهم. عشرة أيام أمضاها «شعبان» بعيداً عن منزله حتى انتهى العمل، وفي اليوم الأخير حضر «منصور» وحاسب العمال وعادا سوياً وافترقا وذهب كل منهما إلى منزله.
كان «شعبان» يسرع الخطى إلى منزله تسبقه أشواقه وطرق الباب والسعادة تملأ قلبه ففتحت له زوجته «هناء» وفوجئ بها تبكي بحرقة وظن أنها دموع الفرحة بعودته لكنها انهارت بين يديه وأخذت تنتحب ومن بين دموعها أخبرته أن «منصور» طرق عليها الباب ففتحت له وفوجئت به يغلق الباب خلفه وأخرج مطواة ووضعها على رقبتها وكممها بيده وأقسم إن فتحت فمها سوف يغرس المطواة في عنقها وأنها توسلت إليه وذكرته بالعيش والملح لكن يبدو أنه كان تحت تأثير المخدرات فلم يرق قلبه وبعد أن اعتدى عليها خرج وكأنه لم يفعل شيئاً وحذرها من إخبار زوجها فهو لن يصدقها وأنها كانت تنتظر عودته بفارغ الصبر حتى تخبره بما حدث. استمرت «هناء» في البكاء وهي يرتعش وأخذت تتوسل إلى زوجها أن يثأر لشرفه وكرامته وأن يأخذ لها بثأرها من الخائن الذي لم يراع حق العيش والملح وحرمة الصداقة. غلت الدماء في عروق «شعبان» وجلس على أقرب مقعد والدموع تملأ عينيه وبعد أن أفاق من أثر الصدمة قرر الانتقام وأن يثأر لشرفه فطلب من زوجته أن تتظاهر أمام صديقه بأنها لم تخبره بما حدث وتستدرجه ليأتي إليها في المساء وتوهمه بأن زوجها سيذهب لزيارة أحد أقاربه وأن صدها له في البداية يرجع إلى المفاجأة التي شعرت بها، وبالفعل ذهبت «هناء» إلى «منصور» واتفقت معه.
بلع «منصور» الطعم بسهولة وفي الموعد المحدد ذهب إلى منزل صديقه مزهواً بنفسه، وكان «شعبان» قد اتفق مع زوجته على أن تترك له باب حجرة النوم موارباً حتى يدخل من دون أن يشعر به «منصور» واستقبلته «هناء» ببشاشة حتى لا يلحظ شيئاً ودخل على الفور إلى حجرة النوم لكنه فيما يبدو شعر بالكمين الذي وقع فيه وبأن حياته في خطر فاندفع إلى باب الشقة يحاول الخروج إلا أن «شعبان»اعترض طريقه ومنعه فاتجه إلى النافذة القريبة لإطلاق صيحات الاستغاثة فجذبه «شعبان» بعيداً عنها ثم طعنه بالسكين في بطنه فانكفأ على السرير فسدد إليه طعنات أخرى في الصدر والبطن ولما وجده ما زال يئن ويتوجع غرز السكين في جانبه الأيسر ليكتم آهاته، وزيادة في التأكد خنقه بحجاب حتى اطمأن إلى أنه قد فارق الحياة وأغرقت دماؤه الفراش الذي دنسه من قبل.
ترك «شعبان» الجثة واصطحب زوجته وتوجها إلى قسم الشرطة وروى بكل هدوء تفاصيل الحادث، مؤكداً أن صديقه لو عاد إلى الحياة لقتله مرة أخرى.
انتقل رجال المباحث إلى مسرح الجريمة وتم العثور على جثة القتيل وأعاد المتهم وزوجته تمثيل الجريمة وأمرت النيابة بحبسهما على ذمة التحقيق بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار وأحالتهما إلى محكمة الجنايات التي عاقبت «شعبان» بالسجن المؤبد وعاقبت الزوجة بالسجن 10 سنوات.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"