الهستيريا.. اضطرابات تحولية تتغير معها الشخصية

02:13 صباحا
قراءة 5 دقائق
تعد كلمة هستيريا مشتقةً من كلمة يونانية تعني الرحم؛ وذلك لاعتقاد اليونانيين القدماء بأن هذا النوع من الاضطرابات يقتصر على فئة الإناث فقط، غالباً ما تحدث الهستيريا بين سن 14-25، ورغم أن كلا الجنسين معرضان للإصابة بالمرض، إلا أنه يصيب الإناث بنسبة تفوق نسبة الذكور، ولكن وفي نفس الوقت، فإن من النادر الإصابة بالهستيريا بعد مرحلة منتصف العمر.
تم تغيير المصطلح المتعارف عليه للمرض في عام 1980 ليطلق عليه تسمية الاضطرابات التحولية، وأصبحت أعراضه تندرج تحت ما يشار إليه باضطراب الأعراض الجسدية والاضطرابات التحولية؛ وذلك حسب ما ورد عن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية في طبعته الخامسة. تعرف الاضطرابات التحولية بالاضطرابات التي تؤدي إلى ظهور مشاكل عضوية ذات منشأ نفسي؛ حيث إنه وعلى الرغم من وجود الدلائل وأعراض المرض، إلا أنه لا يظهر أي علامات أو خلل جسدي في المريض خلال الكشف الطبي. أما الهستيريا فيعرف بأنه اضطراب نفسي عصبي، تظهر فيه اضطرابات انفعالية مع خلل في أعصاب الحس والحركة، ويكون في الغالب نتيجة القلق الشديد ومحاولة كبت الصراعات التي قد تحدث.
يحتوي الاضطراب النفسي العصبي هذا على الانفعالات المزمنة التي تؤدي بدورها إلى ظهور أعراض جسمية ليس لها أي أساس عضوي؛ حيث يفقد المريض السيطرة على مشاعره وسلوكه، وعادة ما يصاحب ذلك نوبات مفاجئة من فقدان الوعي والإنفعال العاطفي؛ حيث تعد هذه السلوكيات في علم النفس الطريقة التي يتبعها الدماغ في التعامل مع الصدمات المفاجئة والشديدة، وغالباً ما يحدث هذا الاضطراب لهدف عند الفرد الهستيري، وقد يتمثل هدفه في الهروب من الصراع النفسي أو من القلق، أو من موقف مؤلم بدون أن يدرك الدافع لذلك، ويعد عدم إدراك الدافع لما يصدر عن المريض هو أبرز ما يميز مريض الهستيريا عن الشخص الذي يدعي المرض أو ما يعرف بالمتمارض، والذي يظهر المرض عليه لغرض محدد ومفيد
عادة ما تصاب مناطق الجسم التي يتحكم فيها الجهـاز العصبي المركــزي في هذا الاضطراب، كالحواس وجهاز الحركة، وهذا ما يميزه عن المرض النفسي الجسمي؛ حيث تصاب الأعضاء التي يتحكم فيها الجهاز العصبي الذاتي أو ما يعرف باللاإرادي بشكل مباشر. يطلق البعض على مرض الهستيريا اسم «الهستيريا التحويلية» أو «رد فعل التحويل»، أي التي تعني تحويلاً جسمياً لأمور نفسية، نظراً لأنها تعتمد على حيلة دفاعية نفسية أساسية هي التحويل، فيلجأ الشخص المصاب على أن يحول الانفعـالات والصراعـات إلى أعراض جسمية كحل رمزي لما يواجه من صراع.

أسباب مرض الهستيريا

هنالك عدة أسباب لهذا للاضطراب النفسي والعصبي هذا وفقاً للباحثين والمختصين، وقد تنطوي هذه الأسباب على الضغوطات التي يتعرض لها المريض ويعجز عن مواجهتها، فيحدث ما يعرف بالكبت وتنشأ الصراعات التي ينجم عنها القلق الشديد. تنحصر أبرز هذه الصراعات في الأسباب النفسية التي تشمل الصراع بين الغرائز والمعايير الاجتماعية، والصراع الشديد بين ألانا الأعلى واللهو، والتوفيق عن طريق العرض الهستيري، والإحباط وخيبة الأمل في تحقيق هدف أو مطلب، والفشل والإخفاق في الحب، والزواج غير المرغوب فيه والزواج غير السعيد، والذي يكون في الغالب بسبب عدم قناعة أو رضا أحد الطرفين، إضافة إلى الغيرة والحرمان ونقص العطف والانتباه وعدم الأمن، والأنانية والتمركز حول الذات بشكل طفولي.
ومن الأسباب الأخرى أيضاً عدم نضج الشخصية وعدم النضج الاجتماعي، وعدم القدرة على رسم خط الحياة، وأخطاء الرعاية الأبوية مثل التدليل المفرط والحماية الزائدة. وقد تنطوي الحالة على الاضطرابات النفسية والاكتئاب وتناول الأدوية، كما يمكن للاضطرابات العصبية والتهيج والارتباك والتقلبات المزاجية المفاجئة أن تؤدي بدورها إلى زيادة حدة المرض وأعراضه. وقد تلعب الوراثة دوراً ثانوياً للغاية في ظهور المرض، وبينما تلعب البيئة الدور الأبرز، يعزو بعض الباحثين سبب الهستيريا إلى ضعف قشرة المخ؛ بسبب الاستعداد الوراثي، وتجدر الإشارة إلى أنه عادة ما يكون المريض الهستيري صاحب تكوين جسمي نحيف واهن. وقد يرجع سبب المرض إلى كون أحد الوالدين «شخصية هراعية»، فيكتسب الطفل سمات هذه الشخصية. ومن الأسباب المعجلة أو المباشرة الفشل في الحب أو الصدمة العنيفة أو التعرض لحادث أو جرح أو حرق بليغ وما إلى ذلك.

الشخصية الهستيرية

تسمى شخصية مريض الهستيريا قبل المرض باسم «الشخصية الهستيرية»، وهي شخصية تشبه إلى حد كبير شخصية الأطفـال. وقد أطلقت عليها هذه التسمية نظراً لتشابه سلوك الشخص الهستيري بسلوك الأطفال، فتصدر عنه سلوكيات كما لو كان طفلاً كبيراً. تتميز سمات الشخصية الهستيرية باتصافها بالعاطفة الزائدة والقابلية الشديدة للإيحاء والمسايرة وحب المجاملة والمواساة والانفعال، وكذلك وجود تقلبات حادة في المزاج وعدم النضج وعدم التحكم في الانفعالات، إضافة إلى بعض الحالات التي يمكن فيها وصف المريض بالسذاجة وسطحية المشاعر وعدم النضج النفسي الجنسي.
من السمات الأخرى الشخصية الهيستيرية التمركز حول الذات والأنانية والمحاولة الدائمة للفت الأنظار واستدرار العطف، والاعتزاز بالنفس وحب الظهور والاستعراض، وفي بعض الأحيان تميل الشخصية الهيستيرية لأن تكون اجتماعية وتحبذ الاختلاط، وقد تعاني عدم الاستقرار في بعض الأحيان، فتعتمد على الآخرين وتميل للانقياد والشعور بالنقص. كما أنها قد تميل إلى المبالغة والتهويل والاستغراق في الخيال، ويكون سلوكها أقرب إلى التمثيل والاستعراض والتكلف والاندفـاع وعدم النضج.
تندرج الشخصية الهستيرية تحت مظلة الاضطرابات الشخصية؛ حيث تميل هذه الفئة من الناس لأن تكون انفعالية ودرامية، وتكون لديهم مشكلة في تصورهم لذاتهم؛ حيث يعتمدون على تقبل الآخرين لهم؛ ولذلك تكون لديهم حاجة ملحة لأن يكونوا محل الاهتمام. ووفقاً للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، فإن مرضى الهستيريا يتصفون بعدم الشعور بالراحة في المواقف التي يشعرون فيها بعدم الاهتمام، فيلجأون للتعبير المبالغ والدرامي لمشاعرهم، وقد يتصفون بالسطحية في تعاملهم؛ حيث إن الشخصية الهستيرية تعد نوعاً من أنواع اضطرابات الشخصية، أي أنها اضطراب جسدي بمنشأ نفسي.

أعراض الهستيريا

تنقسم أعراض الهستيريا إلى ثلاثة أقسام، يعرف القسم الأول بالأعراض الحسية؛ حيث تنطوي على العمى الهستيري والصمم الهستيري وفقدان حاسة الشم وحاسـة التذوق. أما القسم الثاني فيعرف بقسم الأعراض العقلية، والتي تنطوي على اضطراب الوعي والسلوك الذي يحاكي سلوك الأطفال. ويعرف القسم الأخير من الأعراض بالأعراض العامة، ويتمثل في الاهتمام الشديد بالذات والحب النرجسي للنفس وحب الظهور وكثرة التفاخر والمباهاة والاستقرار النفسي عند أكثر الأوقات حرجاً، فضلاً عن ظهور بعض الأعراض العضوية مثل احمرار العينين وسيلان اللعاب وتشنجات الجسم والضغط على الأسنان والمحاولة الدائمة لجذب انتباه الأشخاص، وعدم تحمل المسؤولية ورمي عبء المسؤوليات على الآخرين والاتكال على الآخرين، إضافة إلى الكذب باستمرار والميل إلى المبالغة والميل للسطحية والانفعالات الساذجة كما يتصف الشخص المريض بالميل إلى التمثيل والاستعراض والتأثر والإيحاء بالتأثر والتفاعل.

التشخيص

تتمثل أولى خطوات التشخيص في القدرة على التفريق بين الهستيريا والمرض العضوي، فيعمد الطبيب المعالج إلى التأكد من خلو المريض من الأسباب العضوية للأعراض، واستبعاد وجود مرض عضوي، وقد يكون العرض الهستيري مختلفاً عن العرض العضوي في كونه غير دقيق من الناحية التشريحية، أو قد يكون مجرد امتداد تاريخي لمرض عضوي سابق، فعلى سبيل المثال، يمكن التفريق بين مريض الصرع الهستيري ومريض الصرع العضوي؛ حيث إنه في حالة الصرع الهستيري، يتعمد المريض ادعاء الإصابة بالنوبة وسط الناس، فيحرص على السقوط في مكان آمن مع غياب مؤشرات الأعراض الفعلية للصرع كالتبول اللاإرادي وعض اللسان، بينما تتواجد هذه المؤشرات في مريض الصرع العضوي؛ حيث قد يسقط في أي مكان، ودائماً ما ينتج عنها إصابات وكسور وجروح وقد يعض لسانه، وغالباً ما ترافق هذه الدلائل اضطرابات في موجات المخ الكهربائية يوضحها الرسم الكهربائي للمخ. لذا، فإنه من الممكن الاستدلال على أعراض الهستيريا من خلال عدة مؤشرات، يتمثل أبرزها في حدوث المرض فجأة أو في صورة درامية، وعدم قلق المريض بخصوص مرضه وعدم مبالاته واستقراره النفسي أثناء حديثه عن أعراض مرضه، إضافة إلى الضغط الانفعالي قبل المرض، انتهاء بتغير حدة الإعراض خلال فترة وجيزة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"