لا يستطيع الإنسان العيش في المجتمع بكرامة واستقرار وطمأنينة وأمن وأمان إلا إذا تحققت حماية الضرورات الخمس التي أقرتها الشريعة الإسلامية السمحاء الغراء. وهي: الدين، النفس، العقل، النسل، والمال.
والدولة ملزمة بتوفير هذه الضرورات في المجتمع وحمايتها والمحافظة عليها ليتمكن الناس، من العيش بأمن وأمان وطمأنينة واستقرار، وإذا انتفت واحدة من هذه الضرورات فإن المجتمع يضطرب وتعمه الفوضى وعدم الاستقرار.
ويمكن القول بأن صحة الإنسان مرتبطة ارتباطاً مباشراً بثلاثٍ من هذه الضرورات، وهي: النفس، العقل، والنسل.
لأن انتفاء الرعاية الصحية سيؤثر سلباً في النفس والعقل والنسل، وما دامت الدولة ملزمة بتوفير هذه الضرورات فلا بد من أن تتبنى الدولة الرعاية الصحية.
وهناك العشرات من أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن أفعاله التي تحث على الاهتمام بالصحة ورعايتها، والتي تؤكد أن ولي الأمر ملزم بتوفير الرعاية الصحية للمواطنين .
أذكر بعضاً منها:
* حينما أهدى المقوقس ملك مصر طبيباً للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- فإنه -عليه الصلاة والسلام- أمر هذا الطبيب المصري بمعالجة الناس جميعهم دون استثناء وبالمجان، ولم يثبت أن أحداً دفع أجرة مقابل المعالجة الصحية أو قيمة الأدوية اللازمة.
* استقدم النبي (صلى الله عليه وسلم) الطبيب العربي الحارث بن كلدة لتطبيب الناس.
* مداواته (عليه الصلاة والسلام) لقوم العرنيين من القبائل العربية حينما قدموا إلى المدينة المنورة وهم مرضى، حتى شفوا.
* أقام (عليه الصلاة والسلام) خيمةً ثابتةً في فناء المسجد النبوي لمعالجة المرضى وإسعاف الجرحى، وكان عدد من الصحابيات يقمن بهذه المعالجات الصحية، ومن أشهرهن: رفيدة بنت سعد الأسلمية -رضي الله عنها-.
* كانت خيمة متنقلة ميدانية تنصب في كل غزوة من غزوات النبي (صلى الله عليه وسلم) وذلك لإسعاف الجرحى. وكانت الصحابيات يقمن بهذه المهمة الإنسانية الجليلة حسبة لله تعالى.
ومن أشهرهن: أم عمارة -رضي الله عنها-.
* إن عدم توفير الطب لمجموع الناس يؤدي إلى ضرر محقق، وان إزالة الضرر في المجتمع من واجبات الدولة لقوله (صلى الله عليه وسلم) «لا ضرر ولا ضرار» حديث حسن رواه ابن ماجه والدار قطني عن الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وأقر رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم) مبدأ الحجر الصحي وقاية من الأمراض المعدية، وظهر ذلك جلياً بشأن مرضى الطاعون والجذام.
- قال عليه الصلاة والسلام «الطاعون رجز أرسل على طائفة بني إسرائيل وعلى من كان قبلهم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه (أخرجه البخاري ومسلم عن الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما).
- واستناداً إلى الحديث النبوي الشريف فقد فرض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحجر الصحي على مناطق في بلاد الشام، وذلك حينما انتشر مرض الطاعون والذي عرف بطاعون عمواس نسبة إلى عمواس في فلسطين التي اكتشف مرض الطاعون لأول مرة فيها.
- قال عليه الصلاة والسلام عن مرض الجذام: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»
(رواه البخاري وأحمد عن الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه)، والمجذوم هو المصاب بمرض الجذام من الأمراض المعدية وهو عبارة عن تآكل في الأعضاء، واستناداً إلى هذا الحديث النبوي الشريف فقد مر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في طريقه إلى الشام على قوم مجذومين(أي مصابين بمرض الجذام) من نصارى نجران فأمر بمعالجتهم وفرض لهم شيئاً من المال، وهذا يؤكد اهتمام الإسلام بمعالجة المرضى من المسلمين وغيرهم على حد سواء، كما ورد أن الخليفة الراشدي الخامس عمر بن عبد العزيز الأموي قد عزل المجذومين، وأمر بمعالجتهم، ويقاس على الطاعون والجذام كل مرض معد.
وقد أنشأ الخلفاء والأمراء في العصور المتعاقبة المستشفيات لمعالجة المرضى وصرف العلاج اللازم لهم رجالاً ونساءً من غير أجرة «أي أن العلاج يكون مجاناً» مهما كان جنسهم أو دينهم أو مذهبهم: أغنياء أو فقراء. وكان كل مستشفى من هذه المستشفيات ينقسم إلى قسمين: قسم للرجال وقسم للنساء، وتؤثث هذه المستشفيات بأحسن الأثاث وتجهّز بأفضل الأدوات بالإضافة إلى الغطاء والكساء والطعام والخدمة، وكانت تضم أشهر الأطباء المسلمين الذين تفوقوا على أطباء العالم وقتئذ، وكان يتولى إدارتها في معظم الأحيان، أحد الأمراء أو الأشراف أو عظماء الدولة لبيان أهمية الخدمات الصحية، وللتأكد من أن الدولة ترعى الشؤون الصحية، وكان بعض الناس يتمارضون رغبة منهم في الدخول إلى المستشفى والتنعم بما فيها من رعاية ومأكولات نظيفة.
رئيس الهيئة الإسلامية العليا - القدس