الرعاية الصحية في الإسلام

01:40 صباحا
قراءة 3 دقائق
د‮. ‬عكرمة صبري‮

‮ ‬لا‮ ‬يستطيع الإنسان العيش في‮ ‬المجتمع بكرامة واستقرار وطمأنينة وأمن وأمان إلا إذا تحققت حماية الضرورات الخمس التي‮ ‬أقرتها الشريعة الإسلامية السمحاء الغراء‮. وهي‮: ‬الدين،‮ ‬النفس،‮ ‬العقل،‮ ‬النسل،‮ ‬والمال‮. ‬

‮ والدولة ملزمة بتوفير هذه الضرورات في‮ ‬المجتمع وحمايتها والمحافظة عليها ليتمكن الناس،‮ ‬من العيش بأمن وأمان وطمأنينة واستقرار‮، وإذا انتفت واحدة من هذه الضرورات فإن المجتمع‮ ‬يضطرب وتعمه الفوضى وعدم الاستقرار.‮
ويمكن القول بأن صحة الإنسان مرتبطة ارتباطاً‮ ‬مباشراً ‬بثلاثٍ من هذه الضرورات،‮ ‬وهي‮: ‬النفس،‮ ‬العقل،‮ ‬والنسل‮.
‬لأن انتفاء الرعاية الصحية سيؤثر سلباً في النفس والعقل والنسل‮، ‬وما دامت الدولة ملزمة بتوفير هذه الضرورات فلا بد من أن تتبنى الدولة الرعاية الصحية‮.‬
‮ وهناك العشرات من أقوال الرسول‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) ‬ومن أفعاله التي‮ ‬تحث على الاهتمام بالصحة ورعايتها،‮ ‬والتي‮ ‬تؤكد أن ولي‮ ‬الأمر ملزم بتوفير الرعاية الصحية للمواطنين .

‬أذكر بعضاً منها‮: ‬

‮* ‬حينما أهدى المقوقس ملك مصر طبيباً للرسول محمد -‬صلى الله عليه وسلم- ‬فإنه‮ -‬عليه الصلاة والسلام‮- ‬أمر هذا الطبيب المصري‮ بمعالجة الناس جميعهم دون استثناء وبالمجان،‮ ‬ولم‮ ‬يثبت أن أحداً‮ ‬دفع أجرة مقابل المعالجة الصحية أو قيمة الأدوية اللازمة‮.‬
‮* ‬استقدم النبي‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) ‬الطبيب العربي‮ ‬الحارث بن كلدة لتطبيب الناس‮. ‬
‮* ‬مداواته‮ (‬عليه الصلاة والسلام‮) ‬لقوم العرنيين من القبائل العربية حينما قدموا إلى المدينة المنورة وهم مرضى،‮ ‬حتى شفوا‮. ‬
‮* ‬أقام‮ (‬عليه الصلاة والسلام‮) ‬خيمةً ثابتةً في‮ ‬فناء المسجد النبوي‮ ‬لمعالجة المرضى وإسعاف الجرحى،‮ ‬وكان عدد من الصحابيات‮ ‬يقمن بهذه المعالجات الصحية،‮ ‬ومن أشهرهن‮: ‬رفيدة بنت سعد الأسلمية -رضي‮ ‬الله عنها‮-. ‬

‮* ‬كانت خيمة متنقلة ميدانية تنصب في‮ ‬كل غزوة من‮ ‬غزوات النبي‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) ‬وذلك لإسعاف الجرحى‮. ‬ وكانت الصحابيات‮ ‬يقمن بهذه المهمة الإنسانية الجليلة حسبة لله تعالى‮.

‬ومن أشهرهن‮: ‬أم عمارة -رضي‮ ‬الله عنها‮-.‬

‮* ‬إن عدم‮ ‬توفير الطب لمجموع الناس‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى ضرر محقق،‮ ‬وان إزالة الضرر في‮ ‬المجتمع من واجبات الدولة لقوله‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) «‬لا ضرر ولا ضرار‮» ‬حديث حسن رواه ابن ماجه والدار قطني‮ ‬عن الصحابي‮ ‬الجليل أبي‮ ‬سعيد الخدري‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه‮. ‬
‮ ‬وأقر رسولنا الأكرم‮ (‬صلى الله عليه وسلم‮) ‬مبدأ الحجر الصحي‮ ‬وقاية من الأمراض المعدية،‮ ‬وظهر ذلك جلياً بشأن ‬مرضى الطاعون‮ والجذام‮. ‬
‮ - ‬قال عليه الصلاة والسلام‮ «‬الطاعون رجز أرسل على طائفة بني‮ ‬إسرائيل وعلى من كان قبلهم،‮ ‬فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه،‮ ‬وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً‮ ‬منه‮ (‬أخرجه البخاري‮ ‬ومسلم عن الصحابي‮ ‬الجليل أسامة بن زيد رضي‮ ‬الله عنهما‮). ‬
‮ - ‬واستناداً إلى الحديث النبوي‮ ‬الشريف فقد فرض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه الحجر الصحي‮ ‬على مناطق في‮ ‬بلاد الشام،‮ ‬وذلك حينما انتشر مرض الطاعون والذي‮ ‬عرف بطاعون عمواس نسبة إلى عمواس في‮ ‬فلسطين التي‮‮ ‬اكتشف مرض الطاعون لأول مرة فيها‮. ‬
‮ - ‬قال عليه الصلاة والسلام عن مرض الجذام‮: ‬«فرّ‮ ‬من المجذوم فرارك من الأسد‮» ‬

(رواه البخاري‮ ‬وأحمد عن الصحابي‮ ‬الجليل أبي‮ ‬هريرة رضي‮ ‬الله عنه‮)‬، والمجذوم هو المصاب بمرض الجذام من الأمراض المعدية وهو عبارة عن تآكل في‮ ‬الأعضاء،‮ ‬واستناداً‮ ‬إلى هذا الحديث النبوي‮ ‬الشريف فقد مر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه وهو في‮ ‬طريقه إلى الشام على قوم مجذومين‮(‬أي‮ ‬مصابين بمرض الجذام‮) من نصارى نجران فأمر بمعالجتهم وفرض لهم شيئاً من المال‮،‮ ‬وهذا‮ ‬يؤكد اهتمام الإسلام بمعالجة المرضى من المسلمين وغيرهم على حد سواء،‮ ‬كما ورد أن الخليفة الراشدي‮ ‬الخامس عمر بن عبد العزيز الأموي‮ ‬قد عزل المجذومين،‮ ‬وأمر بمعالجتهم،‮ ‬ويقاس على الطاعون والجذام كل مرض معد‮.

‮ ‬وقد أنشأ الخلفاء والأمراء في‮ ‬العصور المتعاقبة المستشفيات لمعالجة المرضى وصرف العلاج اللازم لهم رجالاً ونساءً‮ ‬من‮ ‬غير أجرة‮ «‬أي‮ ‬أن العلاج‮ ‬يكون مجاناً‮» ‬مهما كان جنسهم أو دينهم أو مذهبهم‮: ‬أغنياء أو فقراء‮. ‬وكان كل مستشفى من هذه المستشفيات‮ ‬ينقسم إلى قسمين‮: ‬قسم للرجال‮ ‬وقسم للنساء،‮ ‬وتؤثث هذه المستشفيات بأحسن الأثاث وتجهّز بأفضل الأدوات بالإضافة إلى الغطاء والكساء والطعام والخدمة،‮ ‬وكانت تضم أشهر الأطباء المسلمين الذين تفوقوا على أطباء العالم وقتئذ،‮ ‬وكان‮ ‬يتولى إدارتها في‮ ‬معظم الأحيان،‮ ‬أحد الأمراء أو الأشراف أو عظماء الدولة لبيان أهمية الخدمات الصحية،‮ ‬وللتأكد من أن الدولة ترعى الشؤون الصحية‮، و‬كان بعض الناس‮ ‬يتمارضون رغبة منهم في‮ ‬الدخول إلى المستشفى والتنعم بما فيها من رعاية ومأكولات نظيفة.

رئيس الهيئة الإسلامية العليا - القدس

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"