على بعد 55 كيلو متراً الى الشمال الغربي من مدينة الفجيرة، وعلى الطريق المار بمنطقة مسافي باتجاه منطقة الغيال شمالاً، تتربع قرية الحنية بين الجبال المتوسطة الارتفاع وسط كثبان رملية تشكل عقداً ذهبياً من الطبيعة . وفي القرية عدد من بقايا البيوت القديمة التي عاش فيها سكان الحنية قديماً وهم من قبائل الزحوم والدهامنة والهواشل والنوايع العربية الأصيلة .
تشتهر القرية بوجود مبنى قديم يطلق عليه دكان الحنية القديم، وهو مبنى من الحجارة والطين يعود لعام 1960 وهو أول دكان في الحنية وكان يسمى دكان الرملة وكان يحتوي على مواد بسيطة كالبهارات والخضراوات وبعض احتياجات الأهالي الأساسية . وتشتهر الحنية ايضاً ببئر قديمة تسمى بئر الحنية لاتزل غنية بالمياه العذبة . وتتميز قرية الحنية بمناطقها الساحرة الهادئة لوجودها بين الكثبان الرملية الذهبية والجبال وهذا ما ساعد سكانها على تربية الإبل بأنواعها .
واعتمد أهالي القرية في معيشتهم قديماً وبشكل أساسي على تربية الأغنام والإبل والابقار إضافة الى زراعة العديد من الخضراوات والفواكه .
بداية جولتنا في القرية التي رافقنا فيها الشابان سالم مصبح سعيد ومحمد مصبح سعيد كانت عند دكان الحنية القديم المبني من الحجارة والطين وخشب الأشجار .
وقال الشابان إنه أول دكان في المنطقة وكان يسمى دكان الرملة ويبيع الاحتياجات الأساسية للأهالي . وعند بئر الحنية قال الشابان إنها من أكبر آبار المياه العذبة في المنطقة ولاتزال تتدفق، مشيرين الى أن الأهالي اعتمدوا في الماضي عليها في العديد من الاستخدامات سواء في ري المزروعات أو لتربية الحيوانات وغيرها من الاحتياجات .
وبعد جولتنا في المنطقة توجهنا الى مجلس الحاج مصبح بن هاشل الدهماني الذي قال: تضم الحنية الآن حوالي 100 بيت يسكنها حوالي 90 عائلة جميعها من قبائل الدهامنة والنوايع والزحوم والهواشل التي تربطها صلات القرابة والنسب .
ويشير الدهماني الى أن المعيشة في الماضي كانت بسيطة وأن الأهالي اعتمدوا فيها على تربية الأغنام والأبقار والإبل، بالإضافة الى زراعة النخيل ومحاصيل الدخن والقمح والشعير والذرة في الوعوب الجبلية .
ويضيف: كان كل واحد من الأهالي يبدأ يومه بعد صلاة الفجر قبل أن يتجه الى عمله، وكانت النساء يتجهن لحلب الأغنام والأبقار أو لغسل الملابس في بئر الحنية . وكانت منازل الأهالي في تلك الفترة لا تتجاوز الثلاثين منزلاً مبنية من الطين والحجارة وسعف وجريد النخيل وكان عدد الأهالي لا يتجاوز 25 فرداً مترابطين في مختلف أوجه الحياة .
وعن سبب تسمية الحنية بهذا الاسم يقول سالم مصبح ضاوي (40 سنة): القرية تتخذ شكل منحنى على الطريق السريع بين صجب والسيجي، ولكن اسمها الحقيقي والأصلي المتعارف عليه منذ القدم بين الآباء والأجداد هو الرملة نسبة لوجود الرمال الذهبية فيها .
وأضاف ضاوي: القرية تضم العديد من القبائل العربية التي يعيش ابناؤها على الحب والتعاون وعشق الأرض التي لا تنبت إلا الطيب .
ويقول علي معضد المزروعي (45 عاماً) الحياة قديماً كانت بسيطة في كل الأمور حيث كانت تكلفة الزواج لا تتعدى العشرين ريالاً، واستمرت الظروف الصعبة حتى انتقلنا في 1976 الى حياة جديدة أكثر طمأنينة وسعادة مع السكن في بيوت شعبية جديدة والتمتع بكل الخدمات التي وفرتها الدولة .
ويؤكد ان التطور لم يمنع تمسك الأهالي بعاداتهم الأصيلة، إذ لا يزالون يحافظون على ما بينهم من صلات وتعاضدهم في كل الأوقات .
عن التجارة قديماً بمنطقة الحنية يقول الحاج راشد سالم صياح (50 عاماً): لم يكن في الماضي أمام الأهالي من أجل تأمين لقمة العيش واحتياجات الأسر الأساسية سوى التجارة، وذلك من خلال بيع الأغنام والابقار والإبل ومنتجاتها من سمن وحليب وصوف وشعر، بالإضافة الى بيع التمر وحبوب الذرة والقمح والغليون في اسواق الساحل الشرقي ودبي والشارقة . وكان بيع هذه المنتجات بأموال أو بمقايضتها باحتياجات الأسر الأساسية .
ويتحدث محمد جمعة الدهماني عن أوضاع الزراعة في منطقة الحنية فيقول: انصب اهتمام الأهالي منذ القدم على زراعة النخيل والعديد من أصناف الفواكه والخضراوات والحبوب في الوعوب الجبلية التي استطاعوا اقامتها والاستفادة من مياه الأمطار وبئر الحنية في زراعتها .
ويشير الدهماني الى أنه برغم انتقال أهالي الحنية من موضعهم القديم الى آخر جديد إلا أنهم مازالوا محتفظين بأراضيهم ومزارعهم .
جاسم محمد سالم الدهماني (28 سنة) يشير الى تميز القرية بطبيعة ساحرة لوجودها بين الكثبان الرملية الذهبية والجبال المتوسطة الارتفاع، كما تتميز بوجود العديد من الأودية الشهيرة منها وادي مبدق ووادي لامال ووادي مداغ ووادي منصه وكلها أودية تحيط بالقرية من مختلف الجوانب وتكون غنية بالمياه في موسم هطول الأمطار .
أعشاب طبية
الحاج راشد بن عبدالله الزحمي يشير الى أن أهالي الحنية في الماضي كانوا يأتون بالأعشاب والنباتات الطبية من الجبال، حيث كانت تكثر في موسم هطول الأمطار والربيع، ويستخدمونها في علاج الكثير من الأمراض وخاصة أمراض المعدة والمغص والتهاب اللوز وارتفاع درجة الحرارة . ويقول: من تلك الأعشاب الحرمل والكرمل والجعدة ونباتات الصبر واللبان والخيل والمر والخطف، وكانت نباتات الخيل تفرك بأجساد الأطفال منذ ولادتهم أما الجبيرة فتصنع من نبات العنزروت عن طريق طحنه مع بيضة ووضعه على الكسر ثم ربط مكانه بقطعة قماش . والى جانب العلاج بالاعشاب الطبية، كان هناك العلاج بالوسم، وهي استخدام الكي في مداواة الصداع وآلام الظهر ولاتزال نساء يعالجن اشخاصاً بهذا الأسلوب .
النساء شريكات في كل شيء
الحاجة لطيفة بنت راشد الزحمي تؤكد أن المرأة في الماضي كانت تقوم بالعديد من الأعمال منها جلب الماء ورعي المواشي وخياطة الثياب . وتقول: كنا ايضاً نذهب لأسواق رأس الخيمة ونشتري بعض احتياجات الأسر من القهوة والعيش والسح بالإضافة الى شراء القماش لنخيط ملابسنا بأيدينا وكانت النساء في القرية يتجمعن ويتعاون في أداء العديد من الأعمال، كما كانت المرأة تقوم بجميع أعمال البيت وتعليم الأبناء الاخلاق والعادات العربية .
وتضيف: لاتزل المرأة بجانب أدوارها الأساسية تصنع العديد من المشغولات اليدوية مثل المهفة والحصير والخصف والمغطى مستخدمة سعف النخيل كما كانت المرأة تذهب لجمع الحطب من الوادي واحضار الرطب من المزرعة بالإضافة الى احضار طعام البهائم من الحشائش .
الحاجة خصيبة علي سلطان تقول: الحياة اختلفت عن الماضي إذ كنا نعيش من دون كهرباء أو مكيفات كما هو الحال اليوم، وكان الناس لا يتعطلون عن أعمالهم لأي سبب وكنا نسكن في نوعين من البيوت منها العريش وهو مصنوع من سعف النخيل بحيث يحتضن العريش جميع أفراد العائلة صيفاً، والنوع الآخر هو بيوت الطين والحجارة وجريد النخيل، وهي البيوت الشتوية .
وتضيف أن النساء في الأعياد والأعراس كن يحتفلن مثل الرجال ويتبادلن التهاني، وكانت هناك امرأة متخصصة بتزيين العروس .