تشكلت سلطة المعرفة في التاريخ الانساني عبر انتشارها بين الأفراد والشعوب وتداولها فيما بينهم، ولقد كان الكتاب هو الشكل الأمثل الذي احتضن ما أنتجه العلماء والمفكرون والباحثون والأدباء من أجل الاحتفاظ بثرواتهم الفكرية والابداعية، وعرف التاريخ القديم والحديث اهتماماً بالغاً من قبل الدول والحكام بإنشاء المكتبات العامة والتي كانت منارة لكل طالب معرفة، وكانت المكتبات في الوقت نفسه بوصفها إرثاً حضارياً إنسانياً محط سخط كثير من الغزاة فعمدوا الى تدميرها واحراقها كما حدث مع مكتبة بغداد حين أحرقها هولاكو.
وإذا كانت المكتبة العامة هي تعبير عن الشمولية والتنوع بما يتناسب مع احتياجات الشرائح كافة، فإنه المكتبة المنزلية وخاصة مكتبة
المثقف أو المبدع فهي تعبير عن الفرادة والخصوصية، حتى أننا نستطيع أن نعدل في قول أرسطو قل لي من صديقك أقل لك من أنت حتى يصبح: قل لي ماذا تحوي مكتبتك أقل لك من أنت فالمكتبة بالنسبة لمقتنيها هي صديقة درب ومؤشر على اهتمامات صاحبها الفكرية والثقافية والابداعية في كل مرحلة من المراحل وهي تلخيص وتكثيف لصيرورة حياة يندمج فيها الخاص بالعام، والفردي بالجماعي.
في هذا التحقيق يحاول الخليج الثقافي أن يسلط الضوء على علاقة بعض المبدعين بمكتباتهم المنزلية، وماهية العلاقة معها إبداعياً وإنسانياً كما يرصد أحد أشكال المكتبات المنتشرة في بلدان وطننا العربي وهي مكتبة الرصيف، ويتناول نموذجين لها من دمشق والقاهرة:
تستذكر القاصة نجيبة الرفاعي علاقتها بالمكتبة التي تعود إلى زمن الطفولة فتقول: علاقتي بالمكتبة انبثقت من علاقتي بالكتاب منذ الصغر، فقد كنت أعشق القراءة إلى حد النهم، وكانت الأمنية الوحيدة التي تراودني هي أن تكون لي مكتبة خاصة تحوي آلاف الكتب المتنوعة، وبدأت منذ المرحلة الإعدادية في تحقيق هذا الحلم، إذ أخذت أوفّر من مصروفي حتى أشتري الكتب من المعارض المدرسية والمعارض التي تقام في الشارقة ودبي وأبوظبي، وشيئاً فشيئاً تحققت أمنيتي وأصبحت لدي مكتبة تحوي المئات من الكتب المختلفة، وما زلت إلى الآن أداوم على شراء الإصدارات الجديدة، وإن كنت قد وصلت إلى مرحلة الانتقاء الدقيق للكتاب، فقد أقضي وقتاً وأنا أقلب صفحات الكتاب وأتأمل الفهرس حتى أقرر بعد ذلك شراءه أم لا. وتصف الرفاعي علاقتها مع المكتبة من حيث الرعاية والاهتمام بها فتقول: علاقتي بالمكتبة علاقة حميمة قديمة، أتعهد كتبها بالرعاية والنظافة، وأحرص على ترتيبها وفق تصنيف معين حتى يسهل علي بعد ذلك الوصول إلى الكتاب الذي أريده، وحقيقة يصعب علي كثيرا أن أعير أحدا كتابا إلا إذا كنت واثقة من أنه محب للقراءة، وسيعيده إلي بعد فترة، وأعترف بأنني قد ندمت كثيرا على إعارة كتبي لبعض الأشخاص الذين لم يعيدوها إلى الآن، إما تناسيا أو إهمالا، أو رغبة في الاحتفاظ بما أخذوه، والعديد من الأصدقاء والأهل يطلبون مني أن أنتقي لهم كتبا من مكتبتي لقراءتها، ويسعدني أن أجد من يهتم بالقراءة في هذا الوقت، فأقوم بإهدائهم بعض الكتب التي لا أحتاجها، أو التي توجد منها نسخ أخرى، ولكن الكتب القيمة والقديمة لا أفرط فيها، خاصة أنني لا أضمن وجودها مرة أخرى في المعارض. وتضيف واصفة كيف تماهت المكتبة وسيرة حياتها معا فتقول: حين أتأمل مكتبتي أتذكر مسيرة حياتي، حيث ارتبط انتقائي للكتب بالمراحل التي مررت بها، فقد بدأت في شراء الكتب الدينية في بداية المراهقة حيث الرغبة في معرفة الدين والتقرب إلى الله، ثم انتقلت إلى الكتب العلمية متخصصة في الدراسة الجامعية الأكاديمية، وبعد التحاقي بالعمل التربوي أخذت أقتني الكتب التربوية والنفسية، ثم بدأت بعد ذلك أنوّع بين الكتب السياسية والأدبية والعقلية، وإن كنت أميل أكثر إلى الكتب الأدبية بحكم أنني كاتبة للقصة القصيرة، فأسعى بالتالي إلى الاطلاع على التجارب الأدبية في الدول الأخرى، وعموما أنا أحرص على شراء أي كتاب أجد فيه الفكرة الجديدة والأسلوب الإبداعي في الطرح، وللأسف فإن الكثير من الكتب الموجودة في المعارض الآن متشابهة في مضمونها وإن اختلفت العناوين.
قديما قالوا إن الكتاب هو الصديق الذي لا يملّك، وهذه حقيقة قد اقتنعت بها كثيرا، فحين تضيق النفس، ويطغى الشعور بالوحدة، وحين أفقد الرغبة في العمل بسبب الضغوط، أتجه لا شعوريا إلى المكتبة، أقلب كتبها، ثم أختار واحدا منها، وأستغرق في قراءته بعيدا عن صخب الحياة، فأشعر بعد ذلك بالتجديد في الطاقة، وهذه نعمة قد لا يجدها من ليس بينه وبين الكتاب رابط، فالبعض قد يعتقد أننا نبالغ أو نعيش في الخيال، بينما في الحقيقة أن من يرتبط بالكتاب يشعر بأنه أمام أفضل معالج نفسي للهموم وللضغوط، وهذا طبعا بعد كتاب الله عز وجل .
أما الشاعر عبدالله السبب فيري أن علاقته بالكتاب والمكتبة هي علاقة تفاعلية وجدلية مبنية على حوار من طبيعة خاصة فيقول: ثمة علاقة وطيدة بين الكتاب والقراءة والكتابة
فبين كتاب وكتاب، ثمة ألف كتاب وكتاب، وبين قراءة وقراءة ثمة ألف قراءة وقراءة، وبين كتابة وكتابة، ثمة ألف كتابة وكتابة، وبين كل كتابين، تأتي قراءة وقراءة وبين قراءة وقراءة وقراءة تأتي الكتابة بقوة معلوماتية وذخيرة لغوية هائلة وغاية في الأهمية ذلك هو منطق الكتاب الورقي الذي لن تذبل أوراقه، ولن ينطفئ سراجه، ولن تستسلم عزيمته للكتاب الالكتروني أو للكتابات المتفرقة في الصحف والمجلات، لذلك، وعلى صعيدي الخاص، فإني لا أشعر بلذة وأنا أقرأ الكتاب أي كتاب من خلال جهاز الحاسب الآلي المتصل بالشبكة الالكترونية، وينسحب القول كذلك على الصحف والمجلات التي لا تحقق أي متعة حين تصافح صفحاتها الالكترونية لأن روح القراءة وروح الورق تتبخر بلمسة زر واحدة!! لذلك فإننى أحرص كل الحرص على اقتناء الكتب الورقية كلما سنحت الفرصة، أو كلما كان ذلك ضرورة حتمية للاقتناء فمنذ أواخر سبعينات القرن العشرين، وحتى هذه اللحظة.. ما كان مدعاة إلى تأسيس مكتبة تضم بين جنباتها مئات الكتب من مختلف العصور والحضارات والبلدان وفي مختلف الفنون والآداب والعلوم والمعارف واللغات.. لكن، وكعادتها، ولظروف خارجة عن الارادة.. دائماً ما تتعرض الكتب الى الكبت والى ضغوط الحياة التي أدت الى أسرها في صناديق مطوية بالغبار أو في دواليب مغلقة ويتعذر الوصول الى محتوياتها بتلك السهولة المفترضة، نظراً لتوزع تلك الدواليب والصناديق في غرف متفرقة من المنزل.. على العكس تماما مما هو مفترض في ظل العصر المكتبي المتطور من حيث الأرشفة الورقية أو الالكترونية أو من حيث المكتبات الجدارية الحديثة التي تذرع الجدران طولاً وعرضاً.. إلا أن ذلك الحلم ما زال معلقاً بين السماء والأرض، ويشرح السبب سر اهتمامه بإنشاء مكتبة خاصة بأبنائه قائلاً: لقد أخذت علاقتي مع المكتبة اتجاهاً آخر هذا الصيف، حيث كانت محاولة نجحت نوعاً ما في انتشال الكتب المعنية بالاطفال من بين الاختناقات التي قد تعرضت لها بسبب وقوعها في نفس الأسر الواقع على كتب الكبار.. فقد أنشأت مكتبة صغيرة ومتواضعة جداً للأطفال بالاضافة إلى بعض الكتب والقصص الجديدة التي تم شراؤها مؤخراً لتكون في متناول اطفالي في اجازة هذا الصيف كمنطلق لتأسيس مكتبة أكبر تتسع لأحلامهم ولاحتياجات التعليم من مراجع تتوافق والسياسة التعليمية الجديدة التي تعتمد اساساً على الابحاث وملفات الإنجاز لكل المراحل السنية التعليمية!!
ويروي السبب إحدى المفاجآت التي صادفته اثناء تأسيس مكتبة أطفاله فيقول: ولعل من المفارقات والمفاجآت الجميلة التي تم العثور عليها من بين كتب الطفولة، تلك الرواية التي كتبها الصديق والزميل والاديب علي محمد راشد (رحلة الى عالم مجهول!) وهي الرواية رقم (4) ضمن سلسلة الروايات التي تصدر عن مجلة ماجد، وهذه الرواية تتحدث عن عصر الغوص للبحث عن اللؤلؤ وحتى لحظة الاعلان عن قيام دولة الامارات.. ولعل هذه الرواية، ومن قبلها الرواية التي أهداني إياها المؤلف في العام 1987 أو 1988 لا أذكر تحديداً روايته الثالثة ساحل الأبطال، ستدخلان ضمن مشروع كتاب قراءات الذي أعكف على إنجازه خلال هذا العام!!
الكاتبة باسمة يونس ترى أن للمكتبة دوراً بالغ الأهمية في حياتها وهو دور المستشار فتقول: المكتبة المنزلية اضعها في محل الحكيم أو المستشار والخبير الذي يجب ان يكون في كل منزل لدعم ومساعدة كل فرد من افراده على تسيير حياته والاسترشاد بآرائه ومن دونه سوف يتحول المكان الى قاعة أو صالة مجردة في محل مفروشات من دون روح حتى أنه يمكنك أن ترى مثل هذه القاعة آلاف القاعات المتشابهة لكنك لن تعثر على مكتبة منزلية تشبه الأخرى أبداً. وجمالية وجود الكتاب في المكتبة المنزلية لا تعني ضرورة ان تكون الكتب مبعثرة أو غير مرتبة لمجرد أن الكتب بمضمونها الفكري لا تحتاج لأن تكون مرتبة، وهذا رأي خاطئ تماماً كالذي يحدث عند التقائك شخصاً غير مهندم أو انيق فقد تسيء الظن به وتهمله بينما هو مثقف واسع الفكر وجدير الاعتزاز برأيه. وحينما يهتم صاحب المنزل بأناقة مكتبته وترتيبها فهو أولاً سيضفي على وجودها في المكان ارتباطاً روحانياً وجمالياً يجعل كافة أفراد العائلة مرتبطين بها ولا يفكرون بالتخلص منها لأنها تشوه المكان، كما أن احترام الكتاب يعني ترتيبه وتنسيقه بالإضافة الى أن وجود مكتبة منزلية جميلة في المنزل يشجع الزائرين على امتلاك مكتبة وهو يعني ايصال رسالة مهمة للمجتمع وحثهم على تداول الكتب كثروة فكرية وجمالية.
وتصف علاقتها بالمكتبة فتقول: مكتبتي حالياً عبارة عن اكداس من الكتب المتكومة على أرض المكتب بسبب انتقالي من منزل الى آخر. وعلى الرغم من كونها غير مرتبة أو منظمة حالياً لكن وجود الكتب في المنزل بالنسبة لي يعني وجود رفقة عمري. والحقيقة أنني صادقت الكتب منذ بدء وعيي بها ومعرفتي للقراءة ومنذ ذلك الحين لم يكن لي أي صديق آخر يحل محل الكتاب. ولربما انجدتني هذه العلاقة القوية من الكثير من المشكلات التي يمكن ان يسببها لي الفراغ. في حياتي كلها لم اجد نفسي في حالة فراغ على الاطلاق، وكان الكتاب ولا يزال هو أول ما يخطر في بالي إن احتجت الى مشورة أو صحبة أو حتى محب يمكن ان يبادلني مشاعري في أية لحظة.
أما عن أثر المكتبة في تكوين شخصيتها الإنسانية والابداعية فتقول: المكتبة لها تأثير كبير في حياتي، والكتب هي القضية التي انشغل بها منذ طفولتي، وكنت دائماً اشعر بأن كل كتاب اقرأه يعني كتاباً جديداً سوف اكتبه وحالياً اشجع ابنائي على قراءة الكتب واحاول أن اضعها بين ايديهم بأي شكل من الأشكال، ولا أتمنى لهم الاكتفاء بالأجهزة الالكترونية أو بالتلفاز لأن الكلمة المكتوبة لها وقعها واحساسها الذي لا تلغيه الحوارات المقتضبة في تلك الأدوات. وتأثير المكتبة في حياة العائلة تأثير أكبر مما يمكن ان يتوقعه انسان. فحينما توجد المكتبة في المنزل فهي تضفي على ساكنيها احساساً بأنهم مثقفون، وهو ما يدفعهم لاحقاً للقراءة ومحاولة التعرف بدافع الفضول الى استنباط ما يوجد في بطن هذه الكتب من ثروات. والمكتبة ايضاً تدعم مصداقية الرأي، فكم من نقاش أو حوار بين أفراد العائلة لا يمكن الرجوع فيه الى أي حاسم سوى بفتح صفحات الكتب واستخراج الرد الفاصل منها لانهاء أي نقاش أو جدل. وهي تؤنس العائلة بوجودها حينما يكونون على علم بأن كل كتاب في هذه المكتبة هو عبارة عن فكر انسان حي أو ميت، وهو ما يجعل المنزل مملوءاً دائماً بالأهل والأصدقاء فلا مجال للضجر ولا مجال للشعور بالغربة أو الوحدة. وترى يونس ضرورة توعية المجتمع بأهمية تأسيس الأسر للمكتبة المنزلية فتقول: نحن بحاجة الى حملة توعية تثقيفية تسهم في تعزيز فكرة انشاء المكتبات المنزلية، وتسهم في دعم هذه المكتبات من خلال التعاون مع الأسر بتقديم قوائم مجهزة بالكتب المثالية التي يجب ان تتوافر في كل منزل وان تضاف الى حياة كل عائلة. وحينما تجهز في كل منزل مكتبة فقد اسهم المجتمع بإضافة مثقفين جدد الى قاعدته وضمن مستقبلاً حضارياً فيه فكر منهجي وقدرات عقلية قادرة على مواجهة التحديات.
ويصف الدكتور الباحث عبدالله الطابور أثر المكتبة في نشأته وعلاقته معها فيقول: منذ نشأت أحب اقتناء الكتب، والاطلاع على ما دونته الأقلام ورسمته الأفكار والآراء من ملاحم وصور، لذا فحبي للكتب نشأ معي في بداية حياتي، وكان تأثير القراءة والاطلاع في نفسي كبير لدرجة أني عندما كنت صغيراً كنت أعيد كتابة بعض الكتب في كراسات احتفظت ببعضها، ومنها مازالت بحوزتي مثل الإسراء والمعراج والقصص التاريخية وبعض المناهج العلمية.. وكنت اعتكف في غرفتي أنسخ ما قرأته من كتب وقد أثر ذلك في نفسي.. وهذه العادة طبعت لدي حب الكتابة والتأليف منذ مرحلة الإعدادية.. وقبل ذلك أكتب ما أقرأ بخطي مستخدماً عدة ألوان.. وأتفنن في رسم الأحداث أحياناً التي وردت في الكتب، وهذا جعلني أميل للقراءة والكتابة.. ولم أكتفِ بذلك بل أجمع الصبيان في الفريج وأقرأ عليهم ما كتبت.. ومع الأيام تجرأت على نقد بعض ما قرأت.. أو تفسير بعض ما ورد في أحد الكتب... وكان الصبيان الصغار ممن يأتون إلى منزلنا يشتاقون إلى ما ألقيه عليهم مما حفظته من معلومات، وهذا ساعدني في الجمع والدراسة والتأليف والكتابة بعد أن اجتزت تلك المرحلة، وخلال السنوات الأولى من حياتي كنت أشتري الكتب والمجلات.. وكانت صغيرة.. ثم ازدادت شيئاً فشيئاً ليصل ما تحويه مكتبتي الآن إلى عدد لا يقل عن خمسة عشر ألف كتاب.. معظمها في الفروع التالية حسب الأهمية الدينية والثقافية والأدبية واللغوية والتاريخية والتراثية والدواوين وأمهات الكتب التي ساهمت في بناء الفكر العربي منذ عصر التنوير.. ومن أكثر الكتب التي دائماً أرجع إليها معجم لسان العرب والمخصص وتاج العروس والمعاجم الحديثة.. إضافة إلى الكتب التاريخية مثل دليل الخليج والوثائق البريطانية إضافة ما صدر من كتب تاريخية عن العرب والخليج العربي والجزيرة العربية ودولة الإمارات إضافة للكتب التراثية خاصة أمهات الكتب التي أبدعها العرب والباحثون الكبار مثل محمد الجوهري وأحمد تيمور باشا وغيرهما.. وما قدمه مركز التراث الشعبي لدولة الخليج العربية الذي رفد الساحة الخليجية بأهم الكتب التراثية وأغناها وكانت مجلة المأثورات الشعبية بمثابة الرسالة التي نقلت إلى القارئ العربي تراث المنطقة وماضيها، لكن المركز اغلق فيما بعد وتوقف ينبوع الإبداع التراثي، وهذا ما يؤسف له.. وقد ساهمت مكتبتي الشخصية في تنويع معرفتي خاصة في مجال اهتمامي وحرضتني على الكتابة والتأليف.. وإيجاد طريقة معينة لأرشفة وجمع المعلومات في مجال التراث الشفاهي أو المروي.. وحفظ المدونات والمرويات والوثائق المحلية والصور الفوتوغرافية وغيرها ويعلن د. الطابور عن رغبته في وضع مكتبته بتصرف مشروع ثقافي يحلم به فيقول والآن أستثمر ما عكفت عليه خلال العشرين سنة الماضية في تحقيق هدفين هما تأسيس الصالون الثقافي الخاص الذي آمل أن يكون في رأس الخيمة لكي يستفيد منه أبناء المنطقة، وإذا تعذر ذلك سوف يظهر صالوني الثقافي في إحدى الإمارات.. وهذا ما سأعلنه في الوقت المناسب.. أما الهدف الثاني (المشروع الثقافي التراثي)، وهو أرشفة ما جمعته من معلومات ومصادر وروايات ووثائق ولقاءات وغيرها وقد بدأت فعلاً بهذا المشروع وأتوقع أن أنتهي منه خلال سنة أو أكثر، وقد يصاحب ذلك حفظ اللقاءات التي أجريت مع ما يزيد على 2600 راوٍ من المنطقة، وحفظها في (سي دي دسك) CD Disk لكي تظل في مكتبتي الصوتية إلى جانب الوثائق التي سوف تصنف إلى موضوعات وسوف أصدرها في كتب إن شاء الله، فهذه مكتبتي، وسوف أحول منزلي في الظيت الجنوبي إلى دار للثقافة.. وبدأت منذ سنوات تأسيس المرافق التي سوف تكون على شكل أروقة أو غرف لمكتبتي الخاصة.
الكتاب في الصين
في هذا البلد برزت في وقت مبكر مشكلة كيفية نسخ الكتب بسرعة، وخاصة الكتب الدينية، وكان الصينيون قد توصلوا منذ عهود قديمة إلى وسيلة لنسخ الكتب بشكل ميكانيكي بواسطة النقوش الحجرية واستعملوا أيضاً اختاماً مصنوعة من الحجر أو العظم أو المعدن لينسخوا الكثير من اللوحات المختلفة والنصوص الدينية القصيرة، وقد بقي الصينيون يستعملون هاتين الطريقتين خلال العصر الوسيط، ففي عهد أسرة تانغ (618-906م) تذكر المصادر بشكل متميز عمال النسخ الذين كانوا مخولين بنسخ الكتب من نقوش حجرية. وفي اليابان أيضاً كانت الكتب تنسخ بهذه الطريقة حتى القرن الرابع عشر.
تيارات فكرية متناقضة تتجاور
في مكتبات الرصيف في دمشق
تشكل مكتبات الرصيف في دمشق جزءاً من المشهد الثقافي العام، وتلعب دوراً مهماً في تزويد المثقفين والطلبة والجامعيين والباحثين بمجموعة هائلة من عناوين الكتب التي لا تضمها عادة المكتبات النظامية، ولذلك أسبابه التاريخية والاجتماعية، فكثير من المثقفين الذين كانوا مهتمين بتيارات فكرية وفلسفية وإبداعية، واشتروا عشرات ومئات الكتب حول تلك التيارات ثم خبت أضواء تلك التيارات نتيجة للتحولات التي حدثت في العالم والوطن العربي ثم قاموا فيما بعد ببيعها الى مكاتب الرصيف، لتأتي أجيال أخرى لا تعرف من تلك التيارات إلا اسمها، لكنها وبدافع الفضول المعرفي تبحث عن مؤلفات لأسماء وكتاب خرج الكثير منهم من قيد التداول الثقافي الرسمي، إلا أن تلك الاسماء ظلت كالجمر تحت الرماد الذي يجد دائماً من يحركه، فإن مجرد إلقاء نظرة على مكتبات الرصيف المنتشرة في منطقة الحلبوني وسط العاصمة دمشق أو تحت جسر الرئيس الذي يعتبر محطة رئيسية للتنقل، سيجد المرء تنوعاً هائلاً في العناوين بل وفي بعض الأحيان تناقضاً، فكتب دار التقدم والتي كانت تصدر الكتب الماركسية وروايات الواقعية الاشتراكية موجودة جنباً إلى جنب مع كتب كولن ولسون الانسان وقواه الخفية واللامنتمي وكتب فلاسفة الوجودية وعلى الأخص جان بول سارتر وسيمون دي بفوار، أما في مجالات النقد الأدبي فإن مكاتب الرصيف تضم مفاجآت مذهلة، اذ تغفو كتب رولان بارت الى جانب كتب كلود ليفي شتراوس، وعلى الرغم من أن هذه الكتب النقدية موجودة في المكتبات المرموقة كمكتبة النوري وغيرها إلا أن التفاوت في الأسعار يجعل كفة مكتبات الرصيف راجحة، خاصة أن ثمة مغريات كثيرة اخرى في اقتناء الكتاب منها، ففي أحيان كثيرة توجد شروحات على هامش الصفحات مكتوبة بقلم الرصاص لكتاب أو شعراء كانوا يعلقون على ما يقرأوه من كتب نقدية، ويضعون على الهوامش آراءهم الشخصية.
أما على المستوى الفردي المحض فإن الكثير من المثقفين الذين رحلوا عن هذه الدنيا لا تعرف عائلاتهم القيمة الحقيقية للكتب التي كانت في مكتباتهم، ومن ثم فهي أصبحت مجرد عبء يجب التخلص منه، وهذا ما يؤكده أحد الباعة وهو أكرم كلثوم الذي قال: نشتري أحياناً مكتبات كاملة وقيّمة، وفيها كتب فريدة لم يعد موجوداً منها نسخ قيد التداول وبأسعار زهيدة من عائلات تريد التخلص منها بعد أن توفي اصحابها، وهي تشكل بالنسبة لنا كباعة مصدراً جديداً نغذي به مكتبتنا، خاصة وأننا نعرف الكثير من الزبائن الذين يريدون اقتناء كتاب بعينه وهو غير موجود لعدم طباعته مرة اخرى، وأحياناً نعثر على بعض الكتب القديمة وأنا شخصياً لدي كتاب يعود تاريخه الى عام 1896 تمت طباعته في مطبعة حلب.
وتطرح مكتبات الرصيف بعض الاشكاليات كمسألة حقوق الملكية الفكرية حيث تضم تلك المكتبات الكثير من الأعمال المقرصنة من دون اذن بالطباعة وهي تباع بسعر يصل الى نصف قيمة الكتاب نفسه الذي طبعته دار النشر مما يشكل خسائر مادية لها، الا انه يوفر كتاباً رخيصاً للقراء الذين يعاني الكثير منهم من أوضاع اقتصادية لا تسمح لهم بشراء الكتب بأسعار مرتفعة.
جدل بدايات الطباعة
هناك عدة آراء حول ما إذا كان غوتنبرغ يعرف شيئاً عن الطباعة في الشرق الأقصى، ويرى البعض أن هذا غير مستبعد لأن الصلات التجارية بين الغرب والشرق الأقصى كانت متوفرة منذ العهد الروماني ثم تطورت خلال الحروب الصليبية، وفي الواقع كان طريق الحرير القديم لا يستعمل لنقل الحرير والسلع إلى القسطنطينية ومنها إلى الغرب وحسب بل كان ينقل أيضاً المعارف العلمية والتقنية من الشرق الأقصى الذي كان متطوراً آنذاك، ومن الشرق الأقصى كان قد وصل عن طريق العرب إنتاج الورق، لذلك لا يستبعد الافتراض القائل بأن فكرة طبع الكتب بواسطة الحروف المتحركة جاءت من الشرق الأقصى.نشأة المكتبات الحديثة
إن الفترة التي شهدت ولادة أوروبا الحديثة هي ذاتها الفترة التي شهدت تأسيس المكتبات العلمية الكبيرة، وليس من المصادفة أن تشهد نفس الحقبة تأسيس أكبر عدد من المكتبات الوطنية والجامعية، وخلال هذه السنوات صدرت المؤلفات الأولى حول تنظيم المكتبات، حيث نجد فيها مفاهيم واضحة حول دور الكتاب والمكتبات في المجتمع بشكل عام، وفي الواقع لقد كانت هناك صلة متبادلة بين التقدم العلمي ووجود المكتبات المنظمة، لقد أفضت عدة مظاهر إلى نشأة المكتبة الحديثة منها العدد الكبير من الكتب التي تطبع في كافة أرجاء أوروبا والنشاط المتزايد في كتابة المؤلفات المرجعية أو الشبكة الجيدة من المواصلات ونشأة هواية جمع الكتب لدى شرائح اجتماعية عدة.