“رزنامة حلب” كتاب الأيام

شقيقان يرصدان التراث الشفهي
14:17 مساء
قراءة 4 دقائق

دأب الكاتب السوري سمير طحان على إصدار كتب يسلط الضوء فيها على التراث الشعبي في حلب بمختلف ألوانه، وفي هذا السياق يأتي كتابه الجديد رزنامة حلب - ذاكرة شعبية الذي وضعه بالاشتراك مع شقيقه مروان طحان وفيه يرصدان كل ما يتعلق بالتراث الشفوي الحلبي من ممارسات يومية ومرويات وقصص ومعتقدات ونكات ومواقف ومفارقات مما يدخل في التاريخ العضوي وفي نسيج الحياة اليومية لمدينة حلب.

يتألف الكتاب الصادر عن دار كنعان في دمشق من مقدمة حول رزنامة حلب واثني عشر فصلاً تتوزع على فصول السنة. وفي مقدمة الكتاب يوضح الكاتبان مفهوم الرزمانة التي هي عبارة عن ذاكرة شعبية تحفظ وقائع السنة يوماً بيوم كما يقولان وبالتالي فالرزنامة تراث شفهي يصلح لأن يخدم على مدى مرور الأيام والشهور والأعوام، وفي اللغات الأجنبية تسمى الرزنامة almanach وهي كلمة سريانية قديمة كانت تعني القمر، ثم صارت تعني الشهر أيضاً، ثم تحولت إلى اللائحة أو الكراسة التي تحتوي على جداول الأيام والأشهر مع بيان طلوع الشمس والقمر وغروبهما وأوقات الأعياد، وسماها مولدو العرب تارة التقويم وتارة المطبوخ، ودخلت كلمة الرزمانة السريانية إلى العربية بمعنى حالة المكان من حيث اعتدال هوائه وعدم اعتداله وموافقته للصحة وعدمها ويسميها الشوام عامة وأهل حلب خاصة الرزمانة، والرزمانة وهي لفظة فارسية مركبة تعني كتاب الأيام.

مطبوخ الأرمن

اعتمد المؤلفان في تأليف هذه الموسوعة، كما يقولان، على مصدرين أساسيين أحدهما جامد ويعنيان به كل رزنامات الطوائف المسيحية في حلب وبالذات رزنامة الروم الكاثوليك، التي تفرد لكل يوم ورقة تذكر في وجهها الأول عيد قديس اليوم أو التغيرات المناخية الثابتة مثل الربعانية أو السعود.. الخ وتذكر في وجهها الثاني نكتة أو مجموعة أمثال شعبية، وثاني مصادرهما الجامدة مطبوخ الأرمن وهي نشرة أرمنية سنوية تصدرها رهبنة الآباء المختارين في إيطاليا تتناول حالة الطقس في حوض البحر الأبيض المتوسط، ويؤمن بها المزارعون على اختلاف أديانهم، لأنهم في ضوء معلوماتها ينجزون زراعتهم، وثالث مصادر المؤلفين الجامدة مجموعة مخطوطات سمح أصحابها بالاطلاع عليها شريطة عدم ذكر أسمائهم أو عناوين مخطوطاتهم، وهناك مجموعة من رزنامات almanach التي اطلع مؤلفا الموسوعة عليها باللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، ويشير المؤلفان في مقدمتهما للكتاب إلى تجنبهما تكرار ما أورده الأستاذان خيرالدين الأسدي ويوسف القوشقجي إلا في ما اضطرا إليه لأنه من صلب البناء الهيكلي للرزنامة، وأما مصادرهما الحية فهي الناس الذين كانوا وما يزالون وسيظلون مصادر أغلب كتب التراث الشفهي. ويورد المؤلفان في ختام كل عبارة أو طرفة اسم الراوي وعمره وتاريخ الرواية، ويختم المؤلفان مقدمة كتابهما بالقول إن للأدب الشفهي ثلاث خواص، أولاها الحرية في التعبير، وثانيتها الحرية في التفسير، وثالثتها الحرية في التطوير، وهذه الحريات الثلاث تُكسب الأدب الشفهي قوة التأثير وطاقة الاستمرار وقدرة الإفادة.

وعلى طريقة الرزنامة التي تحتوي على مقتطفات من حكم وأمثال شعبية وطرائف يبدأ المؤلفان كل فصل من فصول الكتاب بإيراد أمثال وكنايات شعبية ومنثورات كلامية وقصص من التراث الشعبي تخص كل شهر من شهور السنة وشخصيات شعبية طريفة. ولا يخفى على القارئ الجهد الكبير الذي بذله المؤلفان في إعداد هذا العمل الموسوعي الضخم الذي استقيا مادته الأساسية من أفواه الناس منذ أكثر من أربعين عاماً وإلى الآن.

يقول الكاتب سمير الطحان حول كتابه رزنامة حلب - ذاكرة شعبية، إجابة عن السؤال: من أين استوحيت فكرة الرزنامة؟

- في طفولتي كانت في كل عائلة امرأة يسمونها رزنامة العيلة لأنها تحفظ تواريخ المواسم والأعياد والمونة والأحوال الجوية والمناسبات علاوة على تواريخ المواليد والخطب والزيجات والهجرات والوفيات والأحداث الهامة الخاصة والعامة، وكانت رزنامة العيلة هذه مرجعاً للقريب والغريب وشيئاً فشيئاً بدأنا نلاحظ أن هذه الظاهرة أخذت تنحسر حتى لتكاد تندثر فعمدنا إلى إعداد رزنامة تكون مرجعاً دائماً للناس.

كم استغرق إنجاز هذه الرزنامة؟

- وأنا في العاشرة أهداني خالي جورج مفكرة الشرق بمناسبة العام الجديد ومنذئذ بدأت أدوّن ما أسمعه يوماً بيوم ورافقتني هذه المفكرة حتى ليلة إصابتي، ولكنها لم تكن موجودة أغراضي التي سلموني إياها بعد حادث إصابتي بكف البصر وبتر اليدين، وفي عام 1986 بدأت مع أخي مروان بإعادة التدوين وما نزال ندون حتى ساعتنا هذه.

رزنامتك شمسية ميلادية فهل في نيتك إنجاز رزنامة قمرية هجرية؟

- أهالي بلاد الشام بمختلف أديانهم يتبعون الرزنامة الشمسية لتحديد المواسم الزراعية لأن مواعيدها ثابتة، وقد عمّدت الكنيسة الرزنامة الوثنية فجعلتها مسيحية صالحة للمواسم الزراعية والمناسبات الدينية معاً، مما أدى إلى استخدامها من قبل المسيحيين وغيرهم، ويتبع المسلمون الرزنامة القمرية الهجرية في تحديد أعيادهم الدينية، وقد وعدني الدكتور محمود عكام مفتي حلب أن يزودني برزنامة تضم وقائع السنة القمرية الهجرية يوماً بيوم، وسأعكف على تدوين المعلومات التي جمعتها حسب تواريخها حالما تصل إلي ثم سأصدرها في أقرب فرصة ممكنة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"