المطر.. بكاء الطبيعة

03:09 صباحا
قراءة 6 دقائق

يوسف أبولوز

ما هو المدخل الأنسب للكتابة عن المطر؟.. هل يمكن اعتبار الصوت مدخلاً إلى مثل هذه الكتابة؟.. صوت المطر، وإيقاعه، وإحالاته.. هل يمكن اعتبار الشعور بالبرد أو الصقيع ونقيضه الدفء مدخلاً آخر للتجوال الحرّ تحت «بكاء السماء»؟.. ثم هل المطر هو بكاء السماء؟ أم هو بكاء الغيوم؟، أم هو هجرة الماء من السماء إلى الأرض؟ أم أن حقيقة هذه الهجرة المائية كانت قد بدأت من الأرض إلى السماء.. من أسفل إلى أعلى عندما تبخّر الماء بفعل حرارة الشمس وصعد إلى أعلى، وتكثّف، وتكوّن غيماً مزروعاً بالرعود والبروق ليعود من جديد إلى التراب.

(1)
هل تبدو حركة المطر حركة دائرية. والدائرة تحمل أكثر من دلالة: نفسية، روحية، صوفية:.. الوحدة، الاكتمال، الرحم أو الرحمية، ومركز الرحم بوصفه دائرة هو الجنين، والدائرة تحيل إلى التكوير، والتكوير يحيل إلى الأرض، والأرض ترمز إلى الخصب، المكان، الإقامة، الإعمار، والحياة.
كلّها مداخل مناسبة للكتابة عن المطر الذي خصّته الأساطير والميثولوجيات القديمة بأكثر من إله.. عند الفينيقيين «بعل» هو إله المطر، وفي روما القديمة «جوبيتر» إلّه المطر، وعند الإغريق هو «أبولّلو»، وهو «تفنوت» عند الفراعنة، وفي القرآن الكريم ترد كلمة «مطر» مرّات عدة، ويقترن المطر في القرآن أحياناً بمعنى العذاب، وليس بمعنى الماء أو الغيث.. وعلى سبيل المثال جاء في سورة الأعراف (آية 84).. «وأمطرنا عليهم مَطَراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين..»، وسوف تأخذنا هذه المعاني، بالطبع إلى قصة الطوفان التي وردت في ملحمة جلجامش، وكذلك طوفان نوح، والطوفان بوصفه حدثاً على الأرض جرّاء مطر غزير وماء عميم يأخذ أكثر من شكل أسطوري: سومري، وبابلي، ثم الطوفان بحسب الرواية التوراتية، وغير ذلك من إشارات مائية ميثولوجية أو واقعية.
إذاً، نحن نتعايش مع المطر، أو مع الدائرة المائية منذ فجر الأسطورة إلى آخر الكوارث التي تنجم عن المطر الداهم الغزير بحيث تهدر السيول، وتجرف المياه حقول المحاصيل الزراعية التي يعيش عليها فلّاحون فقراء في العادة، أما السيول والأودية المنحدرة بماء المطر العارم المفاجئ، فقد يغيب في سديمها الجارف هذا أطفال أو بيوت بأكملها، وهكذا، يحيل المطر في مثل هذه الحالات ليس إلى العذاب فقط من ناحية دينية أو أسطورية، بل، ويحيل أيضاً إلى معنى الدمار والخراب، بحيث تتوحش الطبيعة كما لو أنها تنتقم من البشر، ويتمثل هذا التوحش في الفيضانات.
(2)
المطر ليس دائماً رديف الكارثة والدمار وغضب الطبيعة، فمن ناحية علمية يتحكم في غزارة الماء، واندفاعه، وارتفاعه إلى مستوى الفيضان أو الإعصار تلك التفاصيل المتعلقة بالمناخ، ومن هذه التفاصيل علاقة القمر بالمدّ والجزر، وحركة الرياح، ودرجات الحرارة، وتكوّن الصقيع وغير ذلك من تفاصيل، واللافت هنا، أن الأسطورة استفادت من تفاصيل المناخ أو الطقس، ولنا هنا أن نقارب بين مفردتين، ولو بشكل مبسط أو أبجدي صرف.. إذْ تلتقي مفردة «طقس» بمعناها المناخي، مع مفردة «طقس» بمعناها الشعائري الأسطوري أو العقائدي.
إن الكثير من «الطقوس» الأسطورية ثم الشعبية تجري أو تُقام خلال نزول المطر، وتحديداً عند أوّل مطر، أو عند أوّل زخّة مطر، وعلى سبيل المثال ما إن تسقط أوّل قطرات المطر تخرج النسوة في جماعات وهن يغنّين غناء جماعياً.. غناءً ابتهالياً طقوسياً استقبالاً للمطر الذي يعني الخير، والمطر بالنسبة إلى الفلّاح ابن الريف والقرية هو أمله، وهو تفاؤله، والمطر بالنسبة للمزارع هو ما يمكن تسميته الجدوى الاقتصادية، والمؤونة، والموسم وفي ضوئه تجري حسابات الحقل والبيدر، ولن تكون هذه الحسابات بالنسبة للفلّاح صحيحة أو متوقعة إلاّ في ضوء كميات المطر أو «مساحة المطر» التي تنبئ عنها «المطرة» الأولى، لذلك، فالفلّاح مرتبط بالسماء، ومن هنا أيضاً يمكن أن نفهم طبيعة التدين العامّة التي يكتسبها الفلّاحون بالفطرة.. هذه الفطرة المطبوعة على الماء وأمل الماء.
(3)
ما أن يهطل المطر حتى تنبعث من تراب الأرض رائحة نقية، يانعة، هي خليط الماء البكر مع التراب البكر، وفي الموسوعة الحرّة، يُطلق على هذه الرائحة اسم «تريكور».. «.. كلمة إغريقية تعني السائل الذي يتدفّق في عروق الآلهة في الأساطير اليونانية..».
إن أسطرة المطر إلى هذا المستوى يعود إلى صلة الماء الحيوية اليومية بالإنسان، فمن دون الماء لا توجد حياة.. وفي القرآن الكريم.. «.. وجعلنا من الماء كلَّ شيء حيّ..»، والماء كما يقال «أقدم مرهم عرفه الإنسان»، وما إن تحلّ ضيفاً عند عائلة يونانية ذات ثقافة تقليدية، فإن أول تحية لك هي «كأس ماء»، والماء المقدّس في المسيحية هو ماء التعميد، فقد قام يوحنا المعمدان بتعميد المسيح في نهر الأردن، وآخر ما يلمس جسد الميت هو الماء، حيث يُغسل الميّت، ثم يكفّن، ويجري بعد ذلك تشييعه إلى مثواه الأخير، وبعد الدفن يُرش الماء على تراب القبر.
من المطر، أيضاً، يولد النّدى، ومن النّدى يولد اللؤلؤ.. إن الرحم الأمومي المائي الهائل للؤلؤ هو البحر، ويرى الفيلسوف الفرنسي «غاستون باشلار» أن النّدى ابن المطر هو عرق السماء ولعاب الكواكب، يقول في كتابه المذهل حقاً «الأرض وأحلام يقظة الإرادة»: «.. أن ينزل النّدى حقاً من السماء، أو بصورة أدق من السماوات العليّة، فذلك ما لا يشكّ فيه طبيب خيميائي مثل «دو روشاس»، فالمطر، كما يقول، يأتي من تراكم الأبخرة لكن المياه السماوية حقاً تأتي على شكل ندى يسميه الفلاسفة الحقيقيّون عرق السماء ولعاب الكواكب: الشمس أبوه والقمر أُمّه..».
إن منخلاً هائلاً من المطر الذي يهمي بغزارة عند التدقيق فيه، والمشي تحته يبدو كأنه شبكة فضية من قطرات متجاورة، متسابقة نحو الأرض، وقد أفلتت من السماء أو من الحماية الغيمية العالية، فقد كانت هذه القطرات نائمة بوداعة وهدوء في رحم أمها الغيمة إلى أن جاء الرعد والبرق، وأطلق سراحها نحو الأرض، وعلينا هنا أن نلاحظ التأثير النفسي أو التغيّر في مزاج الناس عند هطول المطر.. إنها بهجة اجتماعية عامّة، واحتفالية جماعية مضمرة، تنعكس على سلوك الناس الذين يغتسل بعضهم بالمطر، ويعتبر ذلك فألاً حسناً، فضلاً عن التغير الذي يطرأ على جسد الإنسان تحت ليونة الماء ومرونة الغيم، وتشبّعه بخيوط البرق اللولبية.
قيل إن الشتاء فصل الأناقة: طقم صوفي رمادي أو أسود أو مزيج من هذين اللونين، ثم معطف طويل، ووشاح صوفي طويل. قبّعة، مظلّة، حذاء طويل، وجوارب ثقيلة.. هذه «إملاءات» المطر، ومتطلباته التي تعمل في الوقت نفسه على إشاعة جوّ نفسي مَرِن ومتجانس مع مرونة الماء الذي يغسل البشر، كما ويغسل الشجر والحجر، فيطهّر الكائنات والأشياء، يغسلها، وينظفها، ويعطيها نوعاً من الحيوية والتجدد، والانبهار الكلي بتراجع سلطة الشمس القوية الحرّاقة وراء مجرد طبقات من الغيوم الشفافة الخفيفة.
 
تربية الحزن
في قصيدة «أنشودة المطر» للشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب.. ثمة ما يشبه «تربية» الحزن، على رغم أن القصيدة تبدأ ب: عينين، ونخيل وسحر، «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر.. أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر».. والقصيدة لا تتخذ من المطر موضوعاً لها أو محوراً يدور حوله النصّ الذي يبدو بالفعل دائرياً، وجودياً أيضاً، يتخلله المطر، وقد عمد الشاعر إلى كتابة مطر ثلاث مرّات على هذا النحو:
مطر..
مطر..
مطر..
.. وفي هذا التشكيل أو هذا الرسم التشكيلي العمودي لكلمة «مطر» ما يشبه قطرة وراء قطرة وراء قطرة،.. هذه القطرات التي تشبه أيضاً سقوط الدموع..، دموع السماء، ودموع الإنسان.. يقول السيّاب.. «تثاءب المساءُ، والغيوم ما تزالْ.. تسحُّ ما تسحُّ من دموعها الثقالْ».
ولم يكن السيّاب وحده شاعر المطر، أو شاعر الماء، فالمطر يكثر عند شعراء البلدان المطيرة الشتائية، وأشير هنا، أنني وعند التحضير لكتابة هذه المادة، خطر لأمرٍ ما قد يكون نفسياً أو حنينياً أن أتقصّى صورة المطر عند شعراء الجاهلية وما قبلها في شبه الجزيرة العربية، ولن أعثر، بالطبع على المطر الذي ابتغيه، بينما تتكرر كلمة رياح أو ريح في الكثير من قصائد شعراء الرمل أولئك، في حين أقرأ نصّاً للشاعر الإسباني «ميجول دي أونامونو 1864-1936»، أتبلل بالماء.. يقول فيه:
«لماء الله الذي تخفيه الرمال/ لماء الله الذي يهجع في الصحراء/ للماء يجري منعشاً وصافياً/ تحت تلك التربة/ للماء الخفيّ الذي يحفظه الرمل الملتهب/ في حب داخل حجر عقيم/ للماء الذي يحيا بعيداً عن النور/ ولكنه مشبّع بالسماء/.. وعندما يحيي الشرابُ، وهو نبع الحياة/ قلبي وحسّي من جديد/ أرفع جبهتي لله ومن عينيّ/تسقط في بطء/ دمعتان على الرمال..».
المطر أيضاً عنصر فلسفي، وجودي، روحي في شعر الهايكو الذي يعتمد على كلمات قليلة في كل قصيدة، ولكن تحت هذه القلّة.. ثمة أكثرية.. سماوية وأرضية معاً، حيث دورة المطر من الأرض إلى السماء، ثم، من السماء إلى الأرض:
لشاعر الهايكو الياباني بوسون هذا النصّ:
شهر مطير، لا تكفّ الأمطار/ عن السقوط والانهمار/ بينما أرقد في الفراش/ آه، عجوز هرم يجتر الذكريات.
 
ويقول باشو وهو شاعر هايكو آخر:
أمطار باردة تنهمر عند بداية الشتاء/ أيّها القرد المسكين/يمكنك أنت أيضاً أن تستخدم غطاء رأس صغير.
غضب
 
شهدت مدينة «هوانغ هي» في الصين في عام 1887 فيضان النهر الأصغر وبلغ عدد ضحاياه من البشر من مليونين ونصف المليون إلى ثلاثة ملايين و700 ألف إنسان.
ومن الملاحظ أن الصين شهدت أكثر من خمسة فيضانات كارثية في الأعوام 1911، 1931، 1935، 1938، والضحايا بالملايين ومئات الآلاف.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"