المتبرعون بالكلى سفراء الأمل

عطاء إنساني لا يقد ر بثمن
00:00 صباحا
قراءة 9 دقائق

يعيشون الآن حياتهم بشكل طبيعي ويمارسون أعمالهم وينعمون بصحة بعد أن عانوا من آلام المرض لأيام وأشهر، كل منهم ظل يتعاطى الأدوية ويتعرض لغسيل الكلى لينقذ نفسه من المرض ومضاعفاته، وكأن الحياة توقفت، وأن الألم رفيقهم ويجب أن يرضوا به ويتقبلوه على حاله دون أن يتحكموا به، هؤلاء هم الذين عانوا الفشل الكلوي واليوم ينعمون بكلى عادت لهم بالأمل بعد عمليات زرع الكلى التي أجريت لهم في مدينة الشيخ خليفة الطبية التي شهدت إلى الآن إجراء 15 عملية نقل وزراعة كلى .

تبرع بالكلى أقارب المرضى في عمل إنساني نابع من حب العطاء والتضحية، والتضحية هنا ليست بالمال إنما بجزء من الجسد في عمل لا يقوم به أي فرد إلا عن قناعة تامة بأن الأمر يستحق هذا الفعل النبيل .

في ملحمة وفاء حرصت مدينة خليفة الطبية على تكريم المتبرعين الستة عشر خلال المؤتمر السنوي الأول لزراعة الكلى والكبد الذي أقيم مؤخراً . وحسب الإحصائيات تراوحت أعمار المتبرعين بين 23 و49 عاماً، بينما تراوحت أعمار المستقبلين للكلى بين 17 و57 عاماً .

إنه العطاء بكل معناه، عطاء بلا حدود وبلا مقابل . فأي مقابل هذا الذي يعوض عن جزء من الجسد، إن المقابل لمن يتبرع بكليته لا يمكن أن يكون إلا الفرحة بشفاء وسعادة وراحة الآخرين، فهذا هو الهدف، وهذه المشاعر الوحيدة التي يمكن أن تشعر المتبرع بقيمة عمله .

في السطور التالية نستعرض قصصاً حقيقية لأفراد عانوا الفشل الكلوي، واليوم يعيشون حياة جديدة ويفتحون أذرعهم للحياة بكل تفاؤل وأمل، ويحدثنا عبد الرحمن الخطيب 54 عاماً عن حياته في تصنيف يمكن القول عنه بأنه مرحلتان (قبل زرع الكلى وبعده)، وعبد الرحمن أحد المرضى الذين تلقوا عملية زرع الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية، يقول لا يمكنني أن اصف حالي قبل اجرائي عملية زرع الكلى إلا بأنها كابوس، فالألم كان يحاصرني من كل ناحية، وبقيت أعاني الغسيل الكلوي لمدة 4 شهور، وهذه بحد ذاتها معاناة لأنه حل مؤقت، ونصحني الأطباء بأن اسارع بعملية زرع الكلية لأن الاستمرار على الغسيل الكلوي سيضرني خاصة وأن مضي الوقت ليس لصالحي أبداً، ومن هنا بدأت في التفكير بموضوع زرع الكلى وباشرت باتصالاتي بعدد من الدول كالفلبين والهند والأردن والسعودية لأجري عملية زرع الكلى، إلا أن الأمر سيكلفني جهداً ومبالغ كثيرة خاصة وأن الأمر يحتاج الى المتابعة الدورية، ما سيستدعي مني زيارة دورية للدولة التي سأجري بها العملية، فعاودت التفكير بطريقة مختلفة ومن هنا عرفت ان بإلإمكان اجراء عملية زرع الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية في الدولة إلا أن الأمر يستلزم وجود متبرع بالكلى من أقارب الدرجة الأولى ليتوفر عنصر المطابقة، فبدأت افكر بالأمر بشكل اكثر جدية من ذي قبل لأسباب عدة ومنها توفر طاقم كبير من الأطباء ذوي الخبرة في مدينة الشيخ خليفة الطبية، ومن هنا كانت مبادرة أولادي بالتبرع لي بالكلى، فكانت المبادرة من ولدي رواد ورائد التي اسعدتني كثيراً على المستوى المعنوي، ولعل الطريف في الأمر أنهما كانا يتنافسان في الأمر ومن منهما سيتبرع لي، وكانت لديهما فكرة بأن يتبرع كل منهما بكلية ليصبح لي كليتان سليمتان، إلا أن الأمر لم يكن هيناً بالنسبة لي لأن خوفي على حياتهما كان أكبر من خوفي على حياتي، فالعملية ليست سهلة، إلا أن ولدي رواد أصر على إجراء العملية وشجعني على الأمر ولم يكن لديه ادنى خوف أو تردد، وهذا ما جعلني أوافق وأحسست بفخر من ثمرة تربيتي لأولادي، بالإضافة إلى العناية الدقيقة والاهتمام اللامحدود الذي لمسناه من الكادر الطبي في مدينة الشيخ خليفة الطبية، وتمت العملية بنجاح والفضل لله وأنا اليوم وبعد أكثر من عام على اجراء العملية اعيش حياة طبيعية خالية من المشاكل الصحية حتى إنني أمارس الرياضة، وتخلصت من كابوس المرض .

رواد عبدالرحمن الخطيب الذي تبرع لوالده بالكلى شاب في الثلاثين، يعيش اليوم حياته بسعادة بالغة، يعبر عن سعادته بتبرعه لوالده بكليته قائلاً لا اعتقد انني قمت بشيء كبير تجاه والدي، فهذا الأمر واجب علي وتعبير بسيط عن الانتماء والحب والوفاء له، والحمد لله لم افكر في الخوف ولم أشعر به لا قبل ولا بعد العملية، لأنني تعاملت مع الأمر كواجب يجب أن أؤديه تجاه والدي، والطريف في الأمر أن والدي كان خوفه علي أكثر من خوفي على نفسي، وأنا والحمد لله أعيش اليوم بكلية واحدة بشكل طبيعي جداً ولا أشعر بنقص وأمارس عملي ورياضاتي كما كنت قبل العملية، إلا أن ما تغير في حياتي عما قبل هو شعوري ببالغ السعادة التي ألمسها اليوم في ذاتي لأنني استطعت أن اقدم شيئاً لوالدي الذي كنت اتألم لألمه في كل لحظة وأنا الآن سعيد بما قدمته وأتمنى لو باستطاعتي أن أقدم أكثر من ذلك، وما يهمني هو أن يعيش حياته بشكل طبيعي .

هذه قصة أب وابنه عاشا الألم والسعادة سوياً، لم يبخل أي منهما على الآخر بالحب والعطاء، فارتسمت السعادة على وجهيهما لتكمل ابتسامة كل منهما الآخر وليعيشا حياة خالية من الألم .

حالة أخرى لكنها هذه المرة ليست بين أب وابنه، انما بين رجل وشقيق زوجته أو عبدالصمد الملا ومحمد عبيد، في حالة قد يراها البعض غريبة للتباعد في صلة القرابة، لكنها ليست غريبة من الناحية الإنسانية، لأن العطاء أمر لا يتحدد بأشخاص إنما تعبير عن حالة من التضحية التي من الممكن أن يقدم عليها أي شخص قادر على العطاء .

يحدثنا عبد الصمد عن تجربته قائلاً: عشت 6 أشهر على الغسيل بعد إصابتي بفشل كلوي وكنت أتعرض لغسيل الكلية ثلاثة أيام بالأسبوع لمدة اربع ساعات في كل جلسة غسيل، والغسيل الكلوي عملية صعبة تسبب التعب والإرهاق لصاحبها، لذا بدأت في التفكير بأمر زرع الكلى وقمت بمحاولات في دول الخارج لأقوم بالعملية إلا أنني علمت بأن مستشفى مدينة الشيخ خليفة الطبية تتوفر لديه الإمكانات الكافية لإجراء عمليات زرع الكلية، إلا أن الأمر كان يستوجب أن يتبرع لي أحد الأقارب من الدرجة الأولى بكليته كي تتم عملية التطابق وتجرى العملية، فبادرت زوجتي إلى التبرع بكليتها لي إلا أن عدم التطابق الذي ظهر بعد إجراء الفحوص في المستشفى تسبب في عدم إتمام التبرع إلى أن فوجئت بمبادرة أخيها محمد عبيد واستعداده للتبرع لي بكليته وفعلا اظهرت الفحوص التي أجراها تطابقاً شديداً في الأنسجة بيني وبينه، لكنني كنت قلقاً جدا من تبرعه وحاولت اقناعه بأن الأمر ليس بالسهل لأنني كنت اخشى على حياته ونصحته بأن يفكر ملياً قبل أن يتخذ قرار التبرع إلا أنه أصر على قراره، وكان موقفه أكبر عطاء إنساني أشهده في حياتي، فقد أزاح عني ألماً كبيراً لا استطيع وصفه، وأعاد لي الأمل من جديد من خلال إنسانيته، لذا يكفيني شكره مدى حياتي ولا تكفيني كل كلمات العرفان التي يمكن أن اقدمها له للتعبير عن شعوري تجاه عمله النبيل، خاصة وانه الشخص الوحيد بعد زوجتي الذي بادر بأن يقتطع جزءاً من جسده ليقدمه لي بكل رحابة ومودة، ولا اتخيل نفسي اليوم أن اقصر معه بأي أمر يطلبه مني وعلاقتي بمحمد اليوم أجمل وأقوى من ذي قبل، وأعيش اليوم حياة طبيعية بفضل الله سبحانه وتعالى بعد مرور مايقارب 8 أشهر على اجرائي العملية، ولم ينس عبد الصمد توجيه الشكر إلى مدينة الشيخ خليفة الطبية التي كانت ولازالت تتواصل مع المرضى وتقدم لهم كل الاستشارات والنصائح الطبية اللازمة بعد اجرائها العملية

قصة أسامة حسين أحمد (سوداني) حالة خاصة من الألم والأمل، تترجم فيها كل معاني الأخوة والإنسانية في قالب واحد، لتقدم لنا قمة العطاء والتآزر الأخوي عند المحن، ويتحدث أسامة عن تجربته قائلاً أنا الولد الوحيد بين أخواتي البنات المقيمات في السودان، كانت لدي بعض المشاكل في الإدرار البولي الذي نتج عنه إصابتي بالفشل الكلوي بعد تشخيص الأطباء لحالتي، فلم يكن لديّ خيار إلا أن أواصل مراجعتي للأطباء لأرى امكانية إيجاد حل لمشكلتي، فما كان الحل إلا أن أداوم على الغسيل أو الزرع، ففضلت زرع كلية لعلمي بالالتهابات والمخاطر والألم والتعب الناتج عن الغسيل الكلوي الدائم، فقمت بإجراء الفحوصات اللازمة لزراعة الكلية وأرسلت الفحوصات لأخواتي في السودان، فكانت المبادرة منهن في التبرع بالكلية وكانت فحوصات أختي الصغرى الملائمة لي، فجاءت إلى الدولة باستدعاء لتقدم لي كليتها، ولا اخفي مدى خوفي على حياتها في هذه الفترة إلا أنها أصرت على التبرع لي لتنقذني من الألم الذي كنت اعيشه، خاصة وان علاقتنا المتينة ببعضنا وتآزرنا هو ما يجعلنا لحمة واحدة في المحن، وتمت عملية زرع الكلى بنجاح والحمد لله وتم توافق الجسم مع الكلية بشكل طبيعي وسريع بعد ان بقيت في غرفة العمليات لمدة 8 ساعات واعيش الآن بشكل طبيعي، واليوم اختي تعيش حياتها بشكل طبيعي كذلك بعد ان قدمت لي جزءاً من جسدها، ولا اعرف كيف يمكنني أن أشكرها إلا أنني أقول إن الله سيجازيها كل الخير .

ولدت من جديد وأشعر بحياة ثانية ولن انسى فضل أخي . . هذه هي الكلمات التي عبر بها محمود علي محمد (صومالي) عن حياته الجديدة بعد زراعة الكلى في مدينة خليفة الطبية، حيث يقدم محمود الشكر للدولة والشعب ولمدينة خليفة الطبية وكل كادرها الذي ساهم في إعادته للحياة بشكل جديد، فمحمود المتزوج والأب ل6 أطفال عانى من المرض لمدة خمس سنوات، قضى ثلاثاً منها في الغسيل الكلوي مع تناول الأدوية الكثيرة، وكان لمحمود مشكلة في بطاقته الصحية التي انتهت ولم يستطع تجديدها إلا بدفع مبلغ مالي كبير ولم تكن امكانياته المادية تسمح بذلك، حيث كانت تكاليف الأدوية بوجود بطاقة الضمان أقل تكلفة، فبدأ يعاني مشكلة جديدة بسبب عدم قدرته على الإيفاء بتكاليف الأدوية بعدم وجود بطاقة الضمان بعد انتهائها، ويقول عانيت كثيراً في فترة غسيل الكلى، فكان الألم والتعب جزءاً من حياتي لمدة 3 سنوات، بالإضافة إلى الضغوطات المادية التي كانت تترتب علي فلم أكن قادراً على الإيفاء بها، فتعقدت الأمور كثيراً لأن الغسيل الكلوي ليس حلاً إنما انقاذ مؤقت للحالة، وبدأت البحث عن حل زرع الكلى، إلا أن الأمر كان يحتاج آلاف الدولارات في دول الخارج ولم يكن باستطاعتي توفير هذا المبلغ، ولم يكن أمر زرع الكلى كذلك متوفراً في الدولة، وبعد معاناتي في تجديد بطاقة الضمان بستة أشهر سمعت أن هناك عمليات زرع للكلى في مدينة الشيخ خليفة على أن يكون المتبرع بالكلى قريباً من الدرجة الأولى، فأحسست أن هناك بارقة أمل في حياتي، فبدأت من حينها بإجراء الفحوصات اللازمة الخاصة بعملية زرع الكلى وأبلغت أهلي في الصومال بوضعي الصحي وبإمكانية زرع الكلى من أقارب الدرجة الأولى هنا في الدولة، وفوجئت بمبادرات الأسرة ككل حتى والدتي وعمرها 60 عاماً كان لديها الاستعداد بأن تمنحني جزءاً من جسدها، وإخوتي كبيرهم وصغيرهم كان لديهم الاستعداد والرغبة ذاتها، والفضل لله أن كل أفراد أسرتي كانت فحوصاتهم ملائمة للتبرع، فكانت المبادرة من أخي الشاب عبد الرزاق (أعزب) لأنه الأكثر عافية بينهم، فتمت العملية وعادت لي الحياة من جديد، لن أنسى فضل الله ثم أخي بعد أن عانيت 5 سنوات، وكان تشجيعه لي وعدم رهبته من الموضوع حافزاً آخر على إجراء العملية، ولا اعرف كيف يمكنني أن اجازي شخصاً أنقذ حياتي، فالأمر ليس بالهين لا بالنسبة لي ولا له، إلا أن الرعاية الطبية التي لاقيناها من مدينة الشيخ خليفة الطبية، كانت لها الدور الكبير في زرع الأمان والاطمئنان في نفوسنا، وأخي اليوم يعيش بصحة جيدة وأنا لازلت اخضع لمتابعة المستشفى الذي قدم لي الكثير على جميع المستويات المعنوية والنفسية والطبية، واتعاطى بعض الأدوية منذ إجرائي العملية في فبراير الماضي .

بالحب والخير نتغلب على الألم

حالات تبعث على الأمل بأن الخير لايزال موجوداً، وأن الحياة لا بد لها أن تفرز بعضاً من الألم الذي من الممكن بالحب والخير ان نتغلب عليه، فما اجمل العمل الإنساني الذي لا ينتظر مقابلاً له بل هو نابع من رغبة الإنسان في الخير والعطاء .

الدكتور علي عبد الكريم العبيدلي استشاري أمراض وزراعة الكلى في مدينة الشيخ خليفة الطبية يقول إنه لا قلق من التبرع بالكلى من الراغب لأحد الأقارب أو الأشخاص المقربين، المتبرع يخضع لفحوصات دقيقة ومكثفة للتأكد من خلوه من أي أمراض في الكلى أو الأمراض المسببة لفشل الكلى التي تؤثر في عملية نقل الكلى كالسكري واختلال ضغط الدم والسمنة الزائدة .

ويضيف ليس هناك اي خطورة في عملية التبرع بالكلى طالما أن الفحوصات اثبتت قدرة الشخص صحياً على التبرع، خاصة وأن المتبرع بالكلى يخضع لفريق طبي مختص مستقل عن الفريق الطبي الذي يخضع له المريض بالفشل الكلوي، ولعل من تستأصل كليته عن طريق المنظار كتقنية حديثة يتم شفاؤه بشكل أكبر وملحوظ، والمتبرع بإمكانه مغادرة المستشفى في الحالات الطبيعية خلال يومين إلى ثلاثة أيام ولايوجد مخاطر عليه طالما التزم بالتعليمات الطبية والمتابعة الدورية، فالمتبرع يخضع لبرنامج مكثف للمحافظة على سلامته من أي مضاعفات، ولن تكون هناك أي مخاطر صحية على حياته طالما التزم بالابتعاد عن مسببات الأمراض التي من الممكن أن تضره كمخاطر الإصابة بالسكري واختلال ضغط الدم والسمنة، ويعيش المتبرع حياته بشكل طبيعي بعد تبرعه بالكلى خاصة وان تشخيص حالته ومطابقتها للخضوع للعملية يخضع لطاقم ولجنة كبيرة من الأطباء الذين يقرون بأهليته للقيام بالتبرع، ولا خشية على من يعيش بكلية واحدة طالما هناك أشخاص يولدون بكلية واحدة كخلق طبيعي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"