“والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون”

آيات بهرت العلماء
12:38 مساء
قراءة 7 دقائق

السماء من الدلالات الحسية على عظمة وضخامة الأبعاد والانتظام في الحركة والدقة ووحدة البناء، وكل ذلك يشهد للخالق المبدع بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه، فلا يمكن لمثل هذا الكون الشاسع الاتساع، الدقيق البناء، المحكم الحركة، المنضبط في كل جزئية من جزئياته أن يكون نتاج الصدفة أو العشوائية. ولا يمكن أن يكون قد أوجد ذاته بذاته، بل لابد له من موجد عليم حكيم قادر مقدر، له من صفات الكمال والجمال والجلال، ومن طاقة القدرة وإحكام الصنعة وإحاطة العلم ما مكنه من إبداع كل ما خلق من السماوات والأرض وما فيها من سنن كونية وظواهر أرضية وسماوية.

الكون يتمدد 105 كيلومترات في الثانية

تأتي الإشارة إلى عظمة الله في قوله تعالى: ومن آياته خلق السموات والأرض (الشورى: 29)، وفي هذا إثبات لقدرة الله تعالى وصفات الكمال للخالق بالآيات الدالة على عظمته وقدرته وسلطانه القاهر، والسماء كآية كونية معروضة على الأنظار، قائمة تشهد بذاتها على ما جاء الوحي ليشهد به، وهى آية لا تحتمل جدلا ولا ريبة، فهي قاطعة الدلالة، تخاطب الفطرة بلغتها.

ويبنه القرآن الكريم في مواضع عدة إلى بالغ قدرة الله الخالق في خلق السماوات ورفعها وإحكام بنائها وجعلها مكللة بالكواكب والنجوم وغيرها من الأجرام التي لا تحصى دون تفاوت أو خلل في البناء يقول تبارك وتعالى: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها (النازعات: 27 - 28).

اتزان الأجرام السماوية

ولفظ السماء في اللغة العربية يطلق بوجه عام على النظام الكوني الذي فوقنا أي فوق الأرض القريب منه والبعيد، والدعوة القرآنية إلى تأمل هذه السماوات فيها حث على إعمال العقل وتدبر آيات الكون ونواميسه للتعرف إليها عن طريق البحث العلمي السليم، ذلك أن سلامة هذا البناء الكوني شرط من شروط اتزانه واطراد سننه وقوانينه العاملة فيه وفق إرادة الله تعالى ومشيئته المطلقة، كما أن سلامة هذا البناء الكوني من دلائل القدرة الإلهية التي ترسخ الإيمان بالخالق الواحد سبحانه وتعالى، فالقرآن الكريم يكرر في خطابه للبشرية أن السماوات والأرض مخلوقة للإنسان وأن رفعها وإحكام بنائها مهيأ ومحفوظ ومحروس ومزين على نحو ينسجم مع تحقيق مصالحنا ومعاشنا ومنفعتنا.

وقد فطن العلماء إلى بعض أسرار الإعجاز العلمي في التعبير القرآني: بناء خاصة بعد أن تقدم العلم الحديث وحقق خطوات ناجحة على طريق الفهم الصحيح لحركة الأجرام السماوية واتزانها في أفلاك ومدارات خاصة لا تحيد عنها ولا تفلت من إسارها بحيث لا تتداخل مع بعضها بعضاً أو تسقط على أجرام أخرى.

وتعرف العلماء إلى نوعين من القوى الأساسية العاملة على حفظ هذا الاتزان، وهما قوة الجذب المركزية، والقوة الطاردة المركزية. وجميع الأجرام السماوية تتحرك بسرعات محددة لتسلك مساراتها المحددة التي قدرها الله سبحانه وتعالى لها في فضاء السماوات، فهو وحده القادر على إكسابها هذه السرعات بالقدر المطلوب الذي يجعل من السماوات بناء محكما.

وقد جاء في تفسير قول الله تعالى: والسماء وما بناها (الشمس: 5)، أن الله سبحانه وتعالى جعل كل كوكب من الكواكب في الكون بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة أو جدران تحيط بنا، وشد هذه الكواكب برباط الجاذبية العامة، مثلما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينها من الأسمنت الذي تتماسك به.

توسع الكون

وأوضح ما يميز بناء السماء من البنيان الأرضي هو تماسك أجزائها على البعد بالجاذبية من غير تماس، وهذا أمر عجيب يدركه العلماء المحدثون ولا يعرفون سره، لأنه نوع من القوى المجالية التي لا ترى. لكن الواقع يجعلنا نسلم بحقيقة وجودها رغم طبيعتها غير المرئية التي يخصها الله تعالى بها.

والتشبيه بالمباني إحدى الصور البيانية الرائعة التي استخدمت كثيرا في القرآن الكريم والسنة المطهرة مثال ذلك قوله تعالى: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (التوبة: 109).

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأجمله وأحسنه إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين.

ويأتي قول الله تعالى: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (الذاريات: 47) ليؤكد مدى قدرة وقوة الخالق سبحانه وتعالى. وأدرك علماء التفسير والعقيدة إمكانية توسع الكون بشكل دائم، وفي عام 1929 أكد العالمان الفلكيان همسن وهابل نظرية توسع الكون بالمشاهدة، وأن جميع المجرات آخذة في التباعد عن بعضها بسرعة تصل إلى 105 كيلو مترات في الثانية، وهكذا تبدو معاني الآية الكريمة قريبة إلى الأذهان بعد توصل العلم إلى حقيقة أن الكون له بداية يتسع منها ويتمدد، وإنا لموسعون قول لا يحتمل التأويل، وهذا ما يحدث للكون الآن ومنذ ملايين السنين من اتساع وتمدد مستمر، فالسماوات تتسع والكون يتمدد، وهذه الحقيقة ليست قائمة على نظرية أو افتراض أو أنموذج، وإنما على مشاهدات العلماء والحقائق العلمية.

السماء ذات الحبك

ويقول الله تعالى في القرآن الكريم: والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف (الذاريات: 7 8) وجاء في التفسير أن الحبك جمع حبيكة أي: مسير النجم، والحبك الجمالي والبهاء والحسن والاستواء، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة، شديدة قوية البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، فتبارك الله العلي القدير الذي أوجد هذا الكون بإرادته المطلقة وجعل بناءه آية في الروعة والكمال، ليس فيه اختلاف ولا تناحر، ولا نقص ولا عيب ولا خلل ولا شقوق ولا خروق ولا صدوع، يقول سبحانه: الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (الملك: 3 4). وقد أكد القرآن الكريم هذه المعاني في مواضع مختلفة ونبه العباد إلى الحكمة السامية وراء التناسق والإبداع في خلق هذا الكون.

ويلقي العلم الحديث الضوء على أسرار القسم الإلهي في الآية الكريمة: والسماء ذات الرجع (الطارق: 11) ويظهر جوانب الإعجاز القرآني، إذ إن للقرآن الكريم أسلوبه الحكيم في الدلالات على آيات الله في الكون، فالسماء في العلم سماء الغلاف الجوي وأيضا تطلق على السحاب، وعلى ما ينزل من السحاب من أمطار، وهي تعني في العلم أيضا سماء الشمس والقمر والشهب والكواكب والنجوم والسدم والمجرات، فالناظر في موضوع السماء في القرآن الكريم وفي العلم عليه أن يميز في الآيات القرآنية بين ما هو خاص بسماء جو الأرض من سحاب وما إليه من زرقة الطبقات العليا من هوائه التي هي عادة أول ما يفهم الناس من لفظ السماء ومن وصفها، ويفرق بين هذا وبين السماء، بمعنى أعم ليشمل الكون بما فيه من نجوم وكواكب ومجرات، فالسماء في قوله تعالى: ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (القمر: 11) ليست هي سماء الكواكب والنجوم، ولكن هي سماء السحاب الذي ينزل الله منه الماء.

وإذا تجاوزنا السماء الزرقاء بتجاوز الغلاف الجوي للأرض فإن السماء عندئذ تبدو كما بدت لملاحي الفضاء: سوداء حالكة تلمع فيها الشمس والنجوم والأجسام مضيئة من غير أن يكون لأضوائها أثر في تخفيف ذلك الظلام، ولولا ما يحمله الهواء من جسيمات ضئيلة لبدت السماء للناس حالكة السواد حين تكون الشمس ساطعة، فما أعظم أن يدل القرآن الكريم على كل هذه الحقائق ويسبق بها العلم الحديث عن حقيقة السماء، بأسلوب دقيق معجز.

دورة المياه

وذكر المفسرون أن الرجع هو المطر أو الماء أو السحاب وكلمة الرجع تأتي أيضا في الرجوع أو العودة إلى ما كان منه البدء أو تقدير البدء، فتشير الآية الكريمة إلى الدورة المستمرة المسخرة بين المحيطات والأنهار من جهة وبين سحب الغلاف الجوي من سمائنا من جهة أخرى، فإذا تبخر جزء من مياه الأرض بحرارة الشمس فإنه يعود إليها على هيئة أمطار، وبهذا تستقر كمية الماء على الأرض ولا تزيد ولا تنقص بسبب استمرار هذه الدورة، ويقول تعالى: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (المؤمنون: 18). والتعبير القرآني بقدر إشارة صريحة إلى توازن توزيع الماء، فالأنهار مثلا تنساب بصفة دائمة طوال السنة رغم أن الأمطار موسمية ولبضعة شهور فقط، ولولا الثلج المتراكم على قمم الجبال العالية لجفت الأنهار، وانقطع انسيابها المتواصل واختل التوازن.

وتغذية الأنهار وغيرها من مصادر المياه تتم بقدر وبكميات محددة بقدرة الله تعالى، والتوازن واضح في تصريف المياه وعودتها إلى البحار أو الهواء بشتى الطرق، واستمرار هذه الدورة في توازن مستمر تؤدي فيه السماء دورا أساسيا بإعادة الأمطار من السحاب إلى الأرض.

والسماء أشبه بمرآة عاكسة للأشعة والموجات الكهرومغناطيسية، فهي تعكس أو ترجع ما يبث إليها من الأمواج التلفزيونية واللاسلكية وتعكس السماء الأشعة الحرارية تحت الحمراء فترجعها إلى الأرض فتدفئها، كما تحمي الأرض من قذائف الأشعة الكونية المميتة، ومن الأشعة فوق البنفسجية القاتلة، أي أن الرجع مثلما يكون من السماء إلى الأرض يكون أيضا من السماء إلى الفضاء الخارجي في الكون.

ويتفق علماء الفلك والفيزياء والرياضيات على أن الكون بدأ منذ حوالي خمسة عشر مليار سنة تقريبا بكتلة هائلة الوزن، انفجرت وتشتتت في أرجاء الكون ونشأت عنها السدم والنجوم والكواكب والمجرات. ويسمي بعض العلماء هذه النظرية بالانفجار العظيم، وورد هذا المعنى في قول الله تعالى: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما (الأنبياء: 30) وهذا يعني أن السماوات والأرض، بما تحويه من مجرات وكواكب ونجوم، كانت في الأصل عبارة عن كتلة ملتصقة، والرتق هو الالتصاق، والفتق هو الانفصال.. ويأتي الإعجاز في الآية بتقرير أن نشأة الكون بدأت إثر الانفجار العظيم بعد أن كان كتلة واحدة متصلة وهذا ما أكدته وأوضحته دراسات الفلكيين والأقمار الاصطناعية الحديثة. فتبارك الله أحسن الخالقين القوي العليم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"