تطلبت العقيدة الإسلامية منذ قيامها إنشاء المساجد، وليس من دليل على ذلك أكثر من اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم، ببناء أول مسجد في الإسلام، وحين انتشر الدين الإسلامي كثرت المساجد في كل أنحاء البلدان الإسلامية، وأصبحت بيوتاً لله، وقد حث القرآن الكريم على تعميرها . ولم يكن من الصعب بعد ذلك أن تحدد عمارة المسجد أو طرازه المعماري وفقاً لروح العقيدة الإسلامية . ومنذ أن ظهر المسجد أخذ الفن المعماري الإسلامي وفن الزخرفة الإسلامية طريقهما إلى النمو والازدهار، وأصبحت العمارة الإسلامية ملتقى للعديد من الفنون .
ظل الفن الإسلامي في طور الطفولة والتكوين والتبلور حتى نهاية الدولة الأموية، والثابت أن الإضافات التي يعدها المؤرخون والنقاد وعلماء الجمال معالم كبرى في تاريخ الفنون الجميلة والفنون التطبيقية والحرف واليدوية، إنما أنجزت بعد أن تسلم العباسيون الخلافة فبدأوا بتخطيط مدينة بغداد عام 762م، كما شيدوا العاصمة الثانية سامراء في عام 836م .
ولكي يصل الفنان المسلم إلى التعبير عن المضمون الروحي للعقيدة في شكل قيم بصرية، كان عليه أن يتمكن من الرياضيات أسلوباً لتحقيق الهدف من الفن، فلم يكن فنه معالجات تشكيلية إبداعية زخرفية بقدر ما هي مستهدفة المضمون والفكرة .
الفن الإسلامي يضرب بجذور متشعبة في فنون العالم القديم وتقاليدها في مختلف البلدان، وربما كان العنصر العربي الوحيد والمستمر في هذا الكيان، هو الرسالة الروحية للإسلام ولغة القرآن الكريم، مما أدى إلى تنويعات لانهائية من الزخارف ونظام متكامل من التجريد الخطي، ولقد أشار أرنست غروب في كتابه عالم الإسلام إلى المعارف الرياضية والفلكية التي ورثها العرب عن الرومان، وكيف استخدموا المبادئ الهندسية في فنونهم مع حاستهم الفطرية نحو الإيقاع الذي ميّز أشعارهم وموسيقاهم، وتختلف فنون العصر الإسلامي عما عداها من فنون أخرى بالتكامل بين القيم الروحية والمادية، فلم يكن هناك فن للدين وآخر للدنيا، بل فن واحد للحياة بشقيها .
ويخطئ بعض الباحثين الأوروبيين ومن يفكرون بعقليتهم حين يقوّمون الفنون الإسلامية بمعايير نظيرتها الغربية، فكل ثقافة، كما يقول زكي نجيب محمود ينبغي أن تقاس بمعاييرها وليس بمعايير ثقافة غيرها .
في منظومة المبادئ والمعايير الإسلامية لا يتخذ فن التصوير الأهمية الأولى كما هو الحال عند الغرب، نظراً إلى شبهة تجسيد المرئي من الشخوص، والانشغال بالكون بشكل عام، هكذا تباعد الفنانون عن تصوير الأشخاص واتجهت أنظارهم إلى الزخرفة الخطية والهندسية والتوريقية وهي المجالات التي ازدهر فيها الفن الإسلامي .
إن أول ما نلاحظه في فن الترقين الزخرفي، هو أنه وليد فكرة محددة عن العالم والحياة، عن الإنسان والله . وتستند هذه الفكرة إلى أن الله هو كنه هذا الوجود منه بدأ وإليه ينتهي، هو الأول والآخر والظاهر والباطن . ومن هذه النظرة اختلفت فنون الإسلام اختلافاً بيّنا عن فنون الغرب: فبينما يرفع الفنانون الإغريق والرومان الإنسان إلى منزلة يمجّدون فيها عريه في تماثيلهم، نجد الفنان المسلم ينظر إلى أعماق الآدمي أكثر مما ينظر إلى مظهره الخارجي، رغم إيمانه بأن الله سوّاه فأحسن صورته، وأن المسلم ليستهين بالعالم المادي ويراه عرضاً زائلاً، ومتعة فانية إن لامسها في رفق مؤمناً دائماً بأن الخلود الحقيقي إنما هو للروح .
وقد برع المسلمون أكثر ما برعوا في أربعة أشكال من الفنون أولها التوريق المتشابك، وثانيها التحوير وثالثها التلوين ورابعها الكتابة الخطية . التوريق المتشابك أو الرقش هو الفن الذي تجتمع فيه الزخرفة العربية، وقد سماه الغربيون أرابيسك يعدونه بذلك فن العرب الأصيل المذهل . وهذا التوريق هو الإجادة في استخدام الخطوط متلاقية متعانقة، ثم متجافية متلامسة متهامسة .
ومن الطبيعة يستمد الراقش العناصر الأولى لفنه، من ساق نبات أو ورقته، ثم ينضم الخيال إلى الإحساس بالتناسب الهندسي ليتكون بعد هذا الشكل الزخرفي الهندسي الذي يرمز إلى نفس المسلم في تطلعها إلى الله .
وخطوط الرقش ألوان لا تتناهى، وكأنها تفضي إلى نهاية غير معلومة، وقد يأتي من هذه الألوان ما لا يخضع إلى تناسق فيكون أقرب إلى الفن التجريدي الذي ظل مجهولاً عند الأوروبيين إلى عهد قريب .
والتحوير الذي يمتلئ به هذا الفن هو وليد التوريق المتشابك، إذ أساسه تشكيل الفنان لما جمع من عناصر فنية بذوقه الفني، تشكيلا يتكيف مع روحه .
ومن هنا يدرك تلك المباعدة في الزخرفة الإسلامية بين روح المصور والأشكال الأصلية للكائنات الحية .
وللون أثره المهم في إضفاء إشراقة جمالية على أشكال الرقش الإسلامي، كما يكشف عن إحساس مرهف يقترب حيناً ويفترق حيناً آخر عن ألوان الطبيعة، غير أنه متأثر لا شك بالومضات واللمحات المنبعثة في خواطر المسلم دالة على صدق الوجدان .
وكذا كان للخط فيضه بالنبض على يد الفنان المسلم، إذ كان يحمل أشرف رسالة عن الله تعالى إلى نبيه الكريم يستجليها الناس مرسومة مقروءة .
إن هذه النبضات الوجدانية التي ألقى بها الإسلام في روح الفنان والتي تكمن وراء كل عمل فني إسلامي، هي التي جعلت الفن الزخرفي العربي يتألق في البلاد العربية والمستعربة، ويجتذب إليه الفنانين المسيحيين في مصر وسوريا وبيزنطة وصقلية وإسبانيا .
القيمة الجوهرية الكامنة في الفن الإسلامي هي إيقاعه وتجريده وما يصاحب ذلك من إحساس موسيقي لا يجاريه فيه أي فن آخر، ولا شك أن هذا الاتجاه مرده إلى تصور المسلمين للعالم، فالإنسان في نظر المسلم ضعيف يحتاج إلى النجاة وأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ المصور ليس كمثله شيء، وأن الإيمان المطلق بعظمة الله وجّه الفنان لكي ينظر إلى المطلق وإلى المجرّد ولم يهتم إطلاقاً بمحاكاة الأشياء .
ومن أجل ذلك لم تكن وظيفة الفن الإسلامي نقل المرئي، بل إظهار ما هو غير مرئي ومحاولة الإحساس بقوانين الرياضيات التي تحكم هذا الوجود وتأكيداً لهذه القيم اتجه الفن الإسلامي إلى الهندسة والتجريد في الأرابيسك، معتمداً على التماثل والتناظر والتبادل وتعدد المساحات في توزيعها والإيقاع الخطي المتراقص الذي يوحي بالفرج والشعور بالمتعة البصرية موضوعياً أو بموجز العبارة يسر العين .
اتكأ التجريد في الفن الإسلامي على قوانين الإيقاع الرياضية، تلك القوانين التي تعد الجوهر الأساسي للإيقاعات الموسيقية والتي تعد انعكاساً بسيطاً للإيقاعات الفلكية الكونية، ومن هنا يكتسب التجريد الإسلامي سحره .
التجريد والرمز هما الدعامتان الأساسيتان اللتان يعتمد عليهما مفهوم الفن الإسلامي في مسيرته الإبداعية، هذا المفهوم الذي تحيطه وتكشفه خصائص جمالية أخرى خفية وظاهرة .
#183; من أوراق ندوة العمارة الإسلامية التي أقيمت مؤخراً على هامش
#183; مهرجان الفنون الإسلامية في دورته الثالثة عشرة نقش ورقش.