شاكر عبد الحميد.. من القرية إلى وزارة الثقافة

زيارة
00:47 صباحا
قراءة 5 دقائق
القاهرة: سماح إبراهيم
شاكر عبد الحميد هو أحد المبدعين الذين تنوعت مجالات إبداعهم ما بين التأليف والترجمة وكتابة المقالات والدراسات والأبحاث النقدية، انطلاقاً من إيمانه بوحدة الفنون، يعيش الحياة على طبيعتها غير متقيد بمنصب.

يقول د. شاكر عن طفولته: أنا من ديروط بمحافظة أسيوط.. لكن الجزء الأساسي من طفولتي كان في بورسعيد خلال المرحلة الابتدائية بحكم عمل الوالد بإحدى الهيئات الحكومية هناك، أنتمي لمواليد 1952 وما زلت أذكر جيداً العدوان الثلاثي على مصر 1956 حتى الآن، حيث تم تهجيرنا بسبب الحرب بالمراكب، فمات شقيقي الطفل أثناء التهجير حيث كان رضيعاً. ما زال في ذهني الطائرات وهي تضرب والبيوت وهي تتهدم وعملية التهجير.

التحق د. شاكر بالمدرسة الابتدائية في بورسعيد حيث يقول: «أتذكر أني كنت طالباً متفوقاً، أقوم بحل مسائل حسابية لصفوف دراسية متقدمة عن سني، لكني كرهت الرياضيات بعد ذلك بسبب قسوة المعلمين، وفي السويس التحقت بالمدرسة الإعدادية حيث انتقل والدي إلى هناك».

ومرحلة السويس كانت مرحلة مهمة كما يؤكد د. شاكر: حيث كانت بداية مرحلة القراءات والتي تعرف إليها من خلال صديقه القبطي رجائي والذي عرفه إلى عالم الأدب والروايات البوليسية ومنها أرسين لوبين وشارلوك هولمز وطرزان، وروايات أخرى مثل أحزان الشيطان.
ومن هذه المرحلة أيضا بدأ د. شاكر يعشق أغاني موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وتعرف إلى السينما وبدأ يرتادها، وفي المرحلة الثانوية عاد إلى ديروط، وفي هذه الفترة بدأ يقرأ كثيراً وكانت المواد الدراسية تحوز اقل اهتمام، فكان يقرأ الصحف ثم يعيدها للبائع مقابل مبلغ زهيد كل شهر ثم التحق بجامعة القاهرة كلية الآداب.

مرحلة فاصلة

يستعيد د. شاكر سنوات دراسته الجامعية والتي تعد مرحلة فاصلة في حياة أي مبدع ويقول: «التحقت بكلية الآداب القاهرة عام 1970، في البداية لم يكن هناك كلية للآداب في الصعيد كان الهدف الأساسي أن أكون صحفياً ولكني درست علم النفس ثم تخصصت في سيكولوجية الإبداع مع الدكتور مصطفى سويف، عملت ماجستير عن الإبداع في القصة القصيرة وكذلك عن التصوير في الفن التشكيلي».
ويتابع: تأخرت الدراسة في هذا العام بسبب وفاة جمال عبد الناصر، وأذكر أن «ديروط» خرجت بأكملها تبكي عبد الناصر، على الرغم من نكسة 1967 إلا أن الناس تعلقت به جدا، نظراً للخدمات التي قدمها للبلد، فله منجزات لا يمكن إنكارها، فخرجت البلد كلها عن بكرة أبيها بكاءً عليه، وقد جئت كطالب بالقطار للقاهرة مع زملائي لحضور الجنازة وبتنا في الشارع.

ويستعيد سنوات جميلة بابتسامة على زمن ولى ويقول:» سكنت في المدينة الجامعية بمبلغ زهيد جدا، تعلمت على يد الأساتذة الكبار مثل شكري عياد ورشاد رشدي ويحيى هويدي وتوفيق الطويل والكثير من كبار أساتذتنا الأجلاء، القاهرة لم تكن مزدحمة في ذلك الوقت، يشير د. شاكر: لم أكن قد اتصلت بالعالم الثقافي، ولكن كانت صلتي وثيقة بالسينما، وفي الجامعة بدأت أكوّن صداقات وأتعرف إلى مجال الفكر والأدب، ومن هو نجيب محفوظ».

صداقات المبدعين

ارتبطت بصداقات مع الدكتور يسري العزب والكاتب محمد مستجاب والشاعر محمد سليمان ومن خلالهم تعرفت إلى يوسف القعيد والغيطاني وسليمان فياض وكثير من المبدعين، فسعيت لقراءة أعمال هؤلاء المبدعين، وبعد إنهاء رسالة الماجستير بدأت أكتب مقالات وأترجم وهكذا استمرت الأمور.

عُينت معيداً بكلية الآداب بجامعة القاهرة ثم سجلت الماجستير مع الدكتور مصطفى سويف والدكتوراه في فن التصوير تحت إشراف الفنان السكندري حامد عويس، ومن هنا تعرفت إلى التشكيليين حامد ندا، عدلي رزق، عز الدين نجيب، عادل السيوي، محمود بقشيش، ومحمد عبلة.

*أسفار عديدة
سافر د. شاكر عبد الحميد للعمل بعدد من دول الخليج وعن ذلك يقول: بعد الدكتوراه بعدة سنوات سافرت لسلطنة عمان، ثم عدت ودرست بأكاديمية الفنون كأستاذ ثم عميد لمعهد النقد الفني، وسافرت لدولة الإمارات وعدت وأصبحت نائباً لرئيس الأكاديمية وسافرت للبحرين ثم عدت وأصبحت أميناً للمجلس الأعلى للثقافة ثم وزيراً للثقافة.
لم أشعر بالغربة خارج مصر يقول د. شاكر: كوّنت صداقات في عمان والبحرين والإمارات سواء مع الشاعر سيف الرحبي في عمان، وفي البحرين قاسم حداد وأمين صالح، وفى الإمارات الدكتورة رفيعة غباش وكتّاب وأدباء كثيرين، على العكس فترة السفر هذه أنجزت فيها كتباً كثيرة صدرت في عالم المعرفة، كان لدي وقت وإمكانات مادية لأن معظم قراءاتي باللغة الإنجليزية وهذه الكتب مكلفة.
مكث د. شاكر عبد الحميد في وزارة الثقافة خمسة أشهر فقط في ظروف صعبة ويقول عن هذه المرحلة: توليت حقيبة وزارة الثقافة خلال المجلس العسكري في وزارة الدكتور كمال الجنزوري لمدة 150 يوماً، كانت فترة مملوءة بالاضطرابات والاعتصامات والمطالب الفئوية، ولكني على الأقل قدمت ما استطعت فعله مثل إعادة معرض الكتاب وافتتاح عدد من قصور الثقافة ومؤتمر الثورة والثقافة والمهرجان الدولي لفنون الطفل.

لكل تجربة يخوضها الإنسان فوائد حتى وإن كانت محدودة إذ يكشف د. شاكر أن هذه التجربة كانت مهمة بالنسبة له ويقول: من خلالها تعرفت إلى الناس أكثر وعرفت أن الحياة ليست وردية كما كنت أعتقد، والناس ليست ملائكة ولكن للبعض مآربه الخاصة.

مدة توليه حقيبة وزارة الثقافة كانت قصيرة لم تمكنه من تقديم الكثير من المشروعات التي كان يطمح إليها، حيث يقول كنت أتمنى أن أجلس في الوزارة فترة أطول لأني لم آخذ فرصتي لتقديم ما أريد من مشروعات، فلا يمكن أن يقدم أحد إنجازاً في 5 أشهر بل هذه المدة لا تكفي للتعرف فقط إلى الأجواء والخطط.
وعلى الرغم من قصر مدة أمانته للمجلس الأعلى للثقافة التي وصلت ل 3 أشهر فقط ويبدو أن هذا قدره الوظيفي، إلا أنه يؤكد أن عمله بالمجلس من أفضل فتراته الوظيفية، لافتاً إلى أن المجلس مكان محكم ومحدد وكل فرد يعرف مكانه وحدود عمله، مضيفاً وعندما تركته كنت حزيناً ورغم هذه المدة القصيرة أنجزت وفي المجلس كان هناك جو إنساني جيد.

30 كتاباً

أصدر د. شاكر قرابة الثلاثين كتاباً ما بين تأليف وترجمة في علم النفس والأدب، كان أولها كتاب بعنوان «السهم والشهاب» وهو في الثلاثينات من عمره، عبارة عن دراسات في نقد الرواية والقصة القصيرة، يقول عن إصداره الأول: كان كتاباً مهماً بالنسبة لي حيث قدمني للقراء أخذت مقولة «السهم والشهاب» من الكاتب الفرنسي «جي دي موباسان» والتي يقول فيها دخلت مجال الأدب كالسهم وخرجت منه كالشهاب، كنت قد كتبت مقالة عن الراحل يحيى الطاهر عبد الله الذي دخل مجال الأدب صغيراً وحقق شهرة كبيرة ثم رحل صغيراً ووجدت مقولة موباسان تنطبق على هذه الدراسة.
يصف البعض د. شاكر بأنه مجامل لأبعد حد، لكنه يقول: «لا أكتب عن أحد إلا إذا أحببت عمله، لا أجامل ولكني ربما أتحمس لكاتب أو عمل أدبي معين ولا بد أن أستمتع بما أكتبه وإلا لن أنشره لأن الكتابة هواية وليست حرفة، فأنا بالأساس مدرس لعلم النفس أما النقد والكتابة فخارج المهنة».
ارتبط د. شاكر بصداقة وعمل وثيق في مجال الفن التشكيلي إذ يقول: «أحب التشكيليين ومعارضهم، وبصفة خاصة أستفيد منهم، ويمكن أن أكتب عن عمل فني كما أن أطروحتي للدكتوراه في الفن التشكيلي وفي الوقت نفسه ليست لدينا كتابات كثيرة في هذا المجال، كما أن الإبداع والفن التشكيلي وجهان لعملة واحدة، الإبداع يتجلى على أنحاء شتى وأنا أؤمن بوحدة الفنون».
يطرح د. شاكر على نفسه سؤالاً يكشف عنه قائلاً: أسأل نفسي كثيراً ماذا سأفعل في الفترة القادمة ومتى سأشعر بالراحة؟ الإجابة معروفة بالطبع فأنا لا أكف عن الكتابة والترجمة والبحث والقراءة، أشارك في فعاليات وأتعرف إلى ناس، أعشق شراء واقتناء الكتب رغم وجود مكتبة كبيرة لدي لا أزعم أني قرأتها بأكملها، وأسأل: متى أقرأ هذه الكتب؟ فقررت إهداءها لأكاديمية الفنون.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"