الإمارات تدخل عصر امتيازات النفط

أول بعثة استكشافية برئاسة عبدالله وليامسن (2)
12:39 مساء
قراءة 13 دقيقة

شهدت السنوات الأولى من القرن العشرين اختراعات واكتشافات أسهمت في انتقال البشرية من عصر إلى آخر، ففي أوائل القرن العشرين، أجرى الأخوان رايت أول تجربة للطيران، وكانت تلك بداية مرحلة جديدة غيرت وجه العالم، فبعد تلك التجربة الناجحة، بدأ السباق نحو عالم الطيران، وبعد سنوات قليلة، استخدمت الطائرات للمرة الأولى في الحروب، وكان ذلك من خلال استخدام الطيران في الحرب العالمية الأولى التي بدأت عام ،1914 وفي الفترة نفسها، أي في السنوات الأولى من القرن العشرين، كان الاكتشاف الأول لحقول نفطية خارج الولايات المتحدة والغرب، وذلك باكتشاف النفط بمنطقة مسجد سليمان جنوبي فارس في 26 مايو/ أيار 1908 من قبل شركة النفط الانجليزية الفارسية، وبعد هذا الاكتشاف، بدأ الصراع الدولي يشتد على منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بين الولايات المتحدة وبريطانيا، ويعتقد أحد الباحثين أن السبب الرئيسي الذي دعا الولايات المتحدة لدخول هذا الصراع رغم وجود النفط في أراضيها يعود إلى سببين رئيسيين: الأول وجود فائض كبير في رأس المال في أمريكا، مما دفع أصحاب الشركات إلى البحث عن مجالات الاستثمار الخارجي، أما السبب الثاني: فهو الحرص على الاحتياطي المخزون في أراضي الولايات المتحدة وعدم استهلاكه في وقت قصير حتى لا تنضب الحقول الأمريكية خلال فترة قدرها الخبراء الأمريكيون وقتذاك ب 18 عاماً على الأكثر (1).

كانت سنوات الحرب العالمية الأولى الصعبة حافزاً قوياً للدول المشاركة في الحرب لتعويض خسائرها، وايجاد موارد جديدة لتعمير ما دمرته الحرب، وتقوية جيوشها التي خسرت الكثير، ولا تُستثنى من ذلك الدول المنتصرة أو الخاسرة في الحرب، ففي الحروب الكل في النهاية يخرج خاسراً، ورغم أن بريطانيا خرجت منتصرة من الحرب، وكانت أمريكا أهم حليف لها في تلك الحرب، إلا أن صراع المصالح بينهما بعد انتهاء سنوات الحرب أنساهما ذلك التحالف وقت الشدة، وكانت بريطانيا في تلك الفترة الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، فمستعمراتها تنتشر في كل مكان من العالم، واقتصادها المتأثر الحرب كان بأمس الحاجة إلى المزيد من الأموال، إضافة إلى ذلك، فالدور الذي لعبه الطيران أثناء الحرب العالمية الأولى كان حافزاً لتقوية هذا السلاح، والبحث عن الوقود المشتق من النفط لزيادة الأسطول الذي سيستخدم في المستقبل لدعم الجيوش البريطانية المنتشرة في مستعمرات حول العالم، وكذلك لربط تلك المستعمرات ببريطانيا، وهنا نظر الانجليز للساحة فوجدوا منافسين من الأصدقاء والأعداء، وفي صراع المصالح يصبح الاثنان في بعض الأحيان في الخانة نفسها، وبدأ الانجليز الاستفراد بالمنافسين واحداً تلو الآخر، وكما ذكرنا سابقاً، فاكتشاف النفط في فارس عام ،1908 أدى إلى شد الأنظار لمنطقة الشرق الأوسط، فوجود النفط في فارس يعني وجوده عند الجيران، وكانت الخطوة الأولى هي قيام الحكومة البريطانية بأخذ اعتراف رسمي من الدولة العثمانية في يوليو/ تموز 1913 بأن منطقة الخليج العربي هي منطقة نفوذ بريطانية، وضمنت لنفسها في الشهور القليلة التي سبقت الحرب تعهداً من ألمانيا بأن يكون القسم الجنوبي من العراق وفارس منطقة نفطية خاصة بها، ولم يبق إلا الأمريكان. كانت الأنظار متجهة بعد الحرب نحو العراق، وكما ذكرنا في الحلقة الماضية، طالبت الولايات المتحدة بتطبيق سياسة الباب المفتوح وترك المجال للشركات الأمريكية وغيرها للتنقيب في العراق، ولم يكن هناك تنافس في البداية على الجانب الغربي من الخليج العربي الذي يضم دول الخليج، لذا سارع الانجليز إلى أخذ تعهدات من دول الخليج بعدم منح أي امتيازات نفطية للشركات من دون موافقة الحكومة البريطانية، وكانت آخر تلك التعهدات من الإمارات عام ،1922 فكيف كانت التطورات بعد أخذ تلك التعهدات؟ هذا ما سنراه.

سارعت الحكومة البريطانية إلى أخذ تعهدات من دول الخليج الواقعة في تلك الفترة تحت حمايتها، بعدم منح امتيازات نفط لشركات غير بريطانية، وبدأت بأخذ تعهدات من حاكم الكويت في 27 اكتوبر/ تشرين الأول 1913 وحاكم البحرين في مايو/ أيار 1914 وحاكم قطر عام 1916 وكانت الشركة (الانجليزية الفارسية) التي اكتشفت النفط في إيران عام 1908 تقدمت بطلب الحصول على امتيازات نفطية في دول الخليج، كما جاء في أحد التقارير البريطانية (2). ورغم أن بريطانيا لم تكن مهتمة في تلك الفترة المبكرة من عمر النفط بأخذ امتيازات في دول الخليج، إلا أن السباق نحو الاستحواذ على ما يمكن الاستحواذ عليه بينها وبين الولايات المتحدة، دعاها إلى محاولة ضمان عدم قيام المناطق التابعة لها بالإفلات من يديها والرضوخ للإغراءات الأمريكية، وكانت الخطة البريطانية تقوم على أساس أخذ تعهدات ثم تقرير الوقت المناسب لأخذ الامتيازات متى شاءت ذلك. ويقول تريفور في تقريره بتاريخ 8/9/1921 بعد أن أخذ تعهدات من حاكمي الكويت والبحرين أنه لا يوجد اعتراض على الشروع فوراً في المفاوضات معهما (3) ونلاحظ هنا أن الانجليز أخذوا تلك التعهدات من حاكمي الكويت والبحرين قبل بدء الحرب العالمية الأولى، وبعد سنوات قليلة من اكتشاف النفط في إيران، وهذا يعني أهمية هاتين الإمارتين لقربهما من المناطق المتنازع عليها بين بريطانيا وأمريكا في العراق، ويبدو واضحاً من تقرير تريفور عدم أهمية الحصول على تعهدات مماثلة من حكام الإمارات في الفترة التي أخذت فيها تعهدات من الكويت والبحرين، ويعلل تريفور أسباب ذلك ب ان مفاجأة حكام الإمارات بطلب الحصول على حقوق خاصة للتنقيب عن النفط سيلقى منهم الريبة البالغة وسيواجه بمعارضة قوية في سائر المشيخات (4). وكان رأي تريفور هو التمهيد لأخذ امتيازات في الإمارات من خلال التدرج في الإجراءات، وأخذ تعهدات في البداية مثلما حدث في الكويت والبحرين، ويتضح عدم اهتمام بريطانيا بأخذ تعهدات من حكام الإمارات في تلك الفترة من خلال رسالة تريفور المؤرخة في 8/9/،1921 حيث إنه حتى ذلك العام لم تكن بريطانيا قد أخذت تلك التعهدات، في حين أنها أخذت تعهدات الكويت والبحرين قبلها بعدة سنوات، وها هي تدعو إلى البدء بأخذ امتيازات نفطية منهما. ويبدو أن المسح الجيولوجي في المناطق القريبة من الإمارات كان يعطي إشارات للجيولوجيين البريطانيين في المناطق التي يحتمل وجود النفط فيها ويقول تريفور حول ذلك أعتقد أن أفضل ما يمكن القيام به بصدد حكام الإمارات هو السعي في البداية لإبرام معاهدات معهم شبيهة بتلك التي أبرمناها في الكويت والبحرين، مع القيام في مرحلة لاحقة بمحاولة الحصول على امتيازات إذا اعتقدت الشركة الانجليزية الفارسية للنفط بعد التنقيب في البلدان المجاورة أنه من الجدي التنقيب عن النفط في الساحل المتصالح، ومع أنني لا أستطيع التنبؤ باحتمالات احتوائها على النفط، فإنني أعتقد أنه من الأفضل ترك هذه المنطقة لتكون آخر منطقة يجري التنقيب فيها (5).

خلال شهر مايو/ أيار 1922 حصل الانجليز على تعهدات من حكام الإمارات (6)، كان المقصود منها احتكار مناطق الامتياز فقط، من دون اعطاء أي وعود مكتوبة أو حتى شفوية بالمواعيد التي يفترض أن تبدأ بها شركات النفط البريطانية أو المسموح لها بالعمل من الحكومة البريطانية بالتنقيب عن النفط. وهنا تتضح طبيعة العلاقة التي أراد المسؤولون البريطانيون إقامتها مع حكام الخليج بشكل عام، والتي تقوم على عقد اتفاقيات وأخذ تعهدات تلزم الطرف الآخر ولا تلزم في المقابل الحكومة البريطانية بأي شروط، فإذا كانت الحكومة البريطانية قد رأت أن مصلحتها أن تحتكر هذه المنطقة لنفسها، وألا يتم دخول أي أجانب أو استغلال أي ثروات من جهات أخرى، فالمفروض أيضاً أن تنظر في مصلحة أبناء المنطقة، وأن تحدد لهم أوقاتاً معينة للبدء بالتنقيب عن النفط، فمثلما يهمها أن تستغل عمليات التنقيب لنفسها، فتلك الإمارات الفقيرة يهمها أيضاً أن يكتشف النفط فيها وأن يتغير بها نمط الحياة الرتيب الذي عاشت عليه سنوات طويلة، وهنا تكمن المشكلة، فالسلطة البريطانية كان يهمها مصالحها فقط، ولم تقم بأي تنمية طوال سنوات الحماية الطويلة، وتركت مجتمعات الخليج كلها تعيش على مهنة الغوض الشاقة من دون أن تسعى إلى مساعدتها بأي صورة من الصور، وفوق ذلك قيدت تلك الدول باتفاقيات ملزمة وبشروط مجحفة احتكارية لا تحدد وقتاً ولا تعطي فرصة للآخرين للمنافسة.

النفط في العشرينات

من المستحيل على أي أوروبي أن يقدم إلى أي من إمارات الخليج ويبدأ رحلة استكشاف فيها دون موافقة مسبقة من دار المقيم البريطاني وتأييده، وربما كان الأطباء المبشرون من الأمريكيين، والوكلاء التجاريون أو وكلاء الشحن الذين أوصي بهم لدار المقيم البريطاني، هم الأوروبيين الوحيدين من غير الرسميين الذين قضوا ليلة على هذا الساحل في القرن الماضي، وليس بإمكان أي من هؤلاء الأشخاص الحصول على ترخيص بالإقامة على الساحل (7). كانت هذه فقرة من تقرير كتبه مستر بريدو المقيم السياسي البريطاني في الخليج بتاريخ 4/2/،1926 ويبدو جلياً أن المسؤولين البريطانيين يضعون قيوداً صارمة على دخول الأجانب لمنطقة الخليج، وحتى الآن لا نعرف لماذا كل هذه القيود لمنطقة فقيرة قليلة السكان، لم يكن يوجد فيها ما يغري بوضع كل تلك القيود قبل اكتشاف النفط، بحيث ان المقيم البريطاني يوضح في تقريره حجم القيود المفروضة على دخول الأجانب، وذكر حالات استثنائية للدخول، منها البعثات التبشيرية الأمريكية لمنطقة الخليج في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأورد المقيم هذه المعلومات في سياق حديثه عن مجموعة من الجيولوجيين البريطانيين الذين قدموا لمنطقة الخليج من شركة النفط الانجليزية الفارسية، وهي كما ذكرنا شركة بريطانية، وعلى الرغم من أنهم بريطانيين ومن شركة بريطانية، ويفترض أن يدخلوا المنطقة من دون تصريح، ومن دون متابعة، إلا أن تقرير بريدو يوضح أن هؤلاء كانوا تحت الملاحظة، ويشير في تقريره لوزير خارجية حكومة الهند البريطانية الى أن مجموعة من الجيولوجيين قدموا إلى الشارقة في 19/10/1925 في طريقهم إلى مسقط على ظهر السفينة التجارية خوزستان حيث أفرغت شحنة من الوقود في الشارقة، واتجهت بالجيولوجيين إلى رأس الخيمة حيث أذن لهم حاكم رأس الخيمة بزيارة منطقة سفوح الجبال، ويتضح حجم القيود البريطانية على دخول وتنقل الأفراد من غير الدبلوماسيين بما يشير إليه بريدو في تقريره من أن دار المقيم ستخاطب الحكام للسماح بتنقل الجيولوجيين برحلات استكشاف علمية لمسافة 30 أو 40 ميلاً إلى داخل البلاد لكي ينشئوا علاقة بين الطبيعة الجيولوجية لجنوب الخليج مع الحقائق المعروفة المتعلقة بالأحوال الجيولوجية على الجانب الفارسي (8). كما أن مهمة هؤلاء الجيولوجيين كانت رحلة استكشافية لطبيعة الأرض وجيولوجيتها ومدى تطابق مكوناتها مع طبيعة الأرض على الجانب الفارسي الذي اكتشفت فيه نفس الشركة النفط عام 1908. ويمكننا معرفة المزيد عن هؤلاء الجيولوجيين ورحلتهم مما دونه أحد أعضاء هذه البعثة وأكثرهم أهمية وهو الحاج عبدالله وليامسن في كتابه رحلة إلى الخليج العربي 1925 1937 من تفاصيل تنقلهم في كل من البحرين والكويت وقطر ورأس الخيمة وعمان وبعض جزر الخليج، ويقول وليامسن في كتابه، إن هذه الجولة قام بها 4 من الانجليز إضافة إلى وليامسن والآخرين هم اثنان من الجيولوجيين الانجليز وهما جي. إم. ليز، وواشنطن غراي، إضافة إلى عالم النبات فرنانديز، والرئيس اكلس أحد ضباط الشرطة الانجليز في عدن، ويصف وليامسن تفاصيل رحلته إلى الخليج، وهناك القليل من المعلومات عن رحلته إلى الإمارات والجزر، وسنرى ماذا يقول حين قام بزيارة جزيرة صرّي، يقول من البحرين استقللنا السفينة إلى الجزر المنتشرة في الخليج، ووصلنا إلي جزيرة صرّي وفي هذه الجزيرة توجد قرية واحدة تدعى قرية صري ويعيش فيها جميع سكانها البالغ عددهم ستين فرداً، وهم يعتاشون على صيد الأسماك وخصوصاً النوع المعروف منه بالقرش، واللؤلؤ، وقدم إلينا سكان الجزيرة طعاماً من لحم السلاحف، وهو نوع من الغذاء يفضله سكان جزيرة صري على ماسواه، وتشتهر هذه الجزيرة ببساتينها، ويفاخر أهلها بهذه البساتين مفاخرة شديدة، حتى أنهم يعتبرونها مساوية في الشهرة لبساتين النخيل في البصرة، ومنها انتقلنا إلى جزيرة أبو موسى، وهناك شرع العلماء الجيولوجيون في فرقتنا يفحصون بعض الصخور الموجودة في الجزيرة، ثم اتجهنا إلى الشارقة لأخذ خان صاحب عيسى (يقصد عيسى بن عبداللطيف السركال الوكيل المحلي) الذي كان مركزه الرئيسي يقع في الشارقة، وذهبنا معه إلى رأس مسندم، ثم اتجهنا إلى رأس الخيمة، حيث شاهدنا السيارة الوحيدة الموجودة في الساحل المهادن، وهذه السيارة من طراز ديزي فيها ثلاث عجلات مغطاة بالإطارات والأنابيب تماماً، أما العجلة الرابعة فقد لف فوقها حبل غليظ ليقوم مقام الإطار، وعلى بعد أميال من ساحل البحر توجد بساتين رأس الخيمة، ويقال إنها من أحسن وأبرد الأماكن التي يلتجأ إليها في الصيف، وإن النساء والأطفال في المدن الأخرى بالإمارات يهرعون إليها لتمضية أشهر الصيف الحارة فيها، في حين يظل الرجال في البحر يصطادون اللؤلو (9).

كانت تلك المعلومات البسيطة عن الإمارات هي كل ما تضمنه كتاب وليامسن الذي مكث فترة قصيرة في الإمارات لم تتح له الفرصة لمعرفة المزيد من جوانب الحياة وعادات الناس وتقاليدهم، ويبدو أن فحوص الجيولوجيين لم تؤد إلى نتيجة في الإمارات، فهذه البعثة كانت الأولى والأخيرة التي قدمت للإمارات خلال فترة العشرينات.

ويبدو واضحاً أن شركة النفط الانجليزية الفارسية لم تكن مهتمة كثيرا بالإمارات لوجود بدائل اكثر أهمية في تلك الفترة، فهي تمتلك امتيازاً يغطي كل إيران باستثناء المحافظات الشمالية، أما في العراق فهي تمتلك امتيازاً في المنطقة الحدودية بين ايران والعراق، وكانت المنافسة الأمريكية هي الشغل الشاغل للانجليز، فقد أبدت شركة ستاندرد أويل رغبتها في الحصول علي امتياز في المحافظات الشمالية، ودخلت في مفاوضات مع شركة النفط الانجليزية الفارسية للقيام بعمليات مشتركة، ولكن المفاوضات لم تثمر عن شيء لأن تلك المنطقة كانت بعيدة، ولذلك لا تصلح لأن تكون مصدراً للامداد (10). واستطاعت بريطانيا الى حد ما ان تضمن منطقة الخليج وايران والعراق، فبعد ان قيدت الخليج بالتعهدات التي تمنع دخول أي شركة امريكية أو غيرها، عززت وضعها في ايران وفي الجزء العراقي المواجه لإيران، واصبحت بريطانيا تحصل على ربع وارداتها من النفط الخام والمكرر من ايران، وكان الجزء الأكبر من هذا النفط نفطاً خاماً، في حين ان معظم وارداتها الي الدول الأخرى يأتي على شكل نفط مكرر.

وبعد الحرب العالمية الأولى خلصت بريطانيا الى ضرورة سد النقص الذي عانت منه خاصة في ما يتعلق بالنفط والخط الجوي الذي اهتمت بتوسيعه وتطوير أدواته، ويشير أحد التقارير البريطانية الى ان اهمية منطقة الخليج كمنطقة منتجة للنفط ازدادت بعد الحرب، وان بريطانيا رأت ان من المفروض ان تسيطر على الانتاج الايراني، وبدأت في بدراسة امكانية انشاء خط انابيب من حقول النفط العراقية عبر فلسطين الي البحر الأبيض المتوسط (11). وأصبح النفط الشغل الشاغل والهدف الأول والأخير للحكومة البريطانية في فترة ما بين الحربين، إذ قامت الحكومة البريطانية في هذه الفترة بحشد أقدر رجال دبلوماسيتها مع رجال بحريتها لتأمين مركزها الممتاز في المنطقة النفطية الخاصة بها، ومنحتهم حرية الحركة والتصرف لتسهيل اعمال الشركات البريطانية، ومنذ اواخر العشرينات، زاد الصراع بين الشركات البريطانية والأمريكية، خصوصاً عندما دخلت الشركات الامريكية المنطقة، وقدمت عروضاً أفضل، وكان اكتشاف النفط في البحرين عام 1927 وتصديره عام 1932 بواسطة شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا، قد مثل صدمة للدوائر البريطانية، ثم قامت منافسة بين شركة كاليفورنيا وشركة النفط الانجليزية - الفارسية على امتياز الاحساء في السعودية عام 1932 كانت نتيجته فوز شركة كاليفورنيا بالامتياز، واحتدم التنافس بين الشركات البريطانية والامريكية في الكويت، وتمكنت شركة غلف أويل الامريكية بدعم من الدبلوماسيين الامريكيين في وزارة الخارجية الامريكية من مشاركة شركة النفط الانجلوفارسية من تناصف نفط الكويت عام 1934 (12). وعندما شعر الدبلوماسيون البريطانيون في الخليج بأن حاكم قطر الذي سبق ان وقع تعهداً بعدم منح أي شركة أجنبية حقوق التنقيب في قطر عام ،1916 ميالاً لمنح امتياز التنقيب عن النفط لشركة ستاندرد أويل، سارع مجلس الدفاع الامبراطوري لعقد اجتماع في لندن يوم 23 فبراير/شباط 1934 لمناقشة هذا الأمر، واستطاعت بريطانيا بالترغيب والابتزاز منع الشركات الامريكية من دخول قطر، وأمنت للشركة البريطانية الحصول على الامتياز عام ،1935 ومنذ احتدم الصراع بين الشركات البريطانية والامريكية، شددت بريطانيا قبضتها بشكل اكبر على الامارات، وبات الشغل الشاغل لها ايقاف الشركات الامريكية وراء الحدود التي سترسمها بالتشاور مع شركات النفط البريطانية والتي ستلعب دوراً أساسياً في المستقبل في نشوء الدول النفطية على ساحل الخليج.

وفي حديث للمقيم البريطاني مع أحد معاونيه يقول أوقف جميع وثائق السفر لهم ولرعاياهم، وبهذا لن يستطيع العاملون منهم بالتجارة السفر الى بومبي لبيع اللؤلؤ، لا تذكر أسباب هذا القرار، فالحكام سيعرفون بأنفسهم السبب والعاقبة، وإذا طلب منك تبرير ذلك في المستقبل، فيمكن لك في أي وقت تبرير ذلك بذكر عمليات التهريب للهند أو تهريب السلاح (13).

سباق الا متيازات

بعد اخذها التعهدات تركت الحكومة البريطانية مسألة التنقيب عن النفط في الإمارات سنين طويلة من دون ان تقوم بأي ضغط على شركاتها للبدء بأخذ الامتيازات والبحث عن النفط، كما انها لم تترك الفرصة للشركات المنافسة سواء امريكية أو غيرها لأخذ فرصتها، وخلال العشرينات من القرن العشرين، بدأت عملية انهيار الصناعة الوحيدة التي كان يمتهنها أبناء المنطقة في تلك الفترة، ألا وهي اللؤلؤ، وبدأ اللؤلؤ الاصطناعي ينتشر في أسواق دبي وغيرها من الامارات منذ منتصف العشرينات ايذانا ببدء انتهاء عصر اللؤلؤ، ومنذ بداية الثلاثينات دخلت المنطقة عصراً مظلماً من الفقر المدقع والبطالة، وفي حين استطاعت البحرين والكويت ترتيب أمورهما بالافلات من التعهدات التي أخذتها منهما بريطانيا واكتشاف النفط في الامارتين بامتياز امريكي في البحرين وامتياز امريكي بريطاني في الكويت، ازدادت القيود على الامارات من قبل المسؤولين البريطانيين حتى لا يقوم حكام الامارات بتعاقدات مشابهة، ولم تبدأ الشركات البريطانية بأخذ الامتياز من حكام الامارات إلا في نهاية عام ،1935 أي بعد 13 عاماً من أخذ التعهدات، وأخذ الامتيازات لا يعني شرط البدء بالتنقيب عن النفط، وهذا ما حدث فعلاً فخلال الشهور الاخيرة من عام 1935 حصلت شركة النفط الانجليزية الفارسية التي تغير اسمها منذ ذلك العام الى شركة النفط الانجليزية الايرانية، على امتيازات للتنقيب من الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي والشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة والشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة والشيخ راشد بن حميد النعيمي حاكم عجمان (14). وكانت احدى السفن الفرنسية قد زارت سواحل رأس الخيمة في 11 فبراير 1935 كتمهيد لمهمة احد الجيولوجيين الفرنسيين لإجراء مسح ودراسات عن امكانية وجود النفط في امارة رأس الخيمة، إلا ان المقيم البريطاني الذي علم بالخبر، سارع باخطار الشركة الانجليزية الايرانية بضرورة ارسال أحد الجيولوجيين العاملين معها الى رأس الخيمة، على وجه السرعة لاجراء دراسات مماثلة وكان الغرض من ذلك هو اجهاض المساعي الفرنسية. كما يعترف التقرير البريطاني (15).

هوامش

(1) انظر المزيد من التفاصيل في مقال د. بدر الدين الحصوصي، اهتمام الولايات المتحدة ببترول الخليج العربي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، العدد ،31 السنة الثامنة يوليو ،1982 ص 185.

(2) رسالة من المقيم البريطاني في الخليج ايه بي تريفور إلى وزير الخارجية بحكومة الهند، 8 سبتمبر 1921 مختارات من أهم الوثائق البريطانية، تاريخ الإمارات العربية المتحدة، المجلد الأول، ص 507 509

(3) المرجع السابق (4) المرجع السابق (5) المرجع السابق

(6) انظر تعهدات الحكام بخصوص منح الامتيازات النفطية، مختارات من أهم الوثائق البريطانية، تاريخ الإمارات، المجلد الأول، ص 513 523

(7) رسالة من المقدم بريدو إلى وزير خارجية حكومة الهند البريطانية، دلهي، حول بعثة شركة النفط الانجلو فارسية إلى قطر والساحل المتصالح، 4 فبراير ،1926 مختارات من أهم الوثائق البريطانية، تاريخ الإمارات العربية المتحدة، المجلد الأول، ص 526.

(8) المرجع السابق

(9) عبدالله وليامسن، رحلة إلى الخليج العربي، بعثة شركة النفط الانجليزية الفارسية إلى البحرين وقطر ومسقط وعمان وأبوظبي والشارقة وعدن 1925 1937.

(10) Oil interest in the persian Gulf, 28 June 1928, The Persian Gulf Historical Summaries 1907 - 1953, vol.1, P 157

(11) Ibid (12) مختارات من أهم الوثائق البريطانية، تاريخ الإمارات العربية المتحدة، المجلد الأول، ص 530

(13) ابراهيم ابراهيم، اثر النفط في قيام دولة الإمارات تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 181 185

(14) Report fot eh year 1935, The Persian Gulf Administration Reports, Vol. P.1 (15) I bid

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"