د. باسل البستاني
حياة الفقر إن قامت، فهي الدليل على فقر الحياة. ولكنها إن استدامت، ففي ذلك بيان باختلال قيم وإمعان في تعميق ألم. فالفقر ليس نتاج صدفة أو قدر، بل هو من صنع بشر.

في حياتنا المعاصرة كلاهما موجود: فدائرة الفقر كبيرة وتتوسع، وفي تتابع وتعاظم زخمها تكتسب ديمومة تتحدى ركائز الحضارة الإنسانية في قيمها وأهدافها وقدراتها على تجاوز معضلتها الكبرى المتمثلة بالفقر. فحضارتنا الإنسانية مهما ادعت أنها راقية، تبقى روحها خاوية ما دامت قضية الفقر فيها باقية.
والآن، ومهما اختلفت مفاهيم الفقر ومؤشرات قياسه فإن ديناميته تشير إلى جملة من «الاعتبارات» الحيوية: إن أساس وجود الفقر يعبر عن حالة اختلال هيكلي في نمط توزيع الثروات والدخول وبالتالي نوعية الحياة، الأمر الذي يجعله مرافقاً لحالة عدم المساواة المادية والفرص معاً. إنه مفهوم دينامي يتغير مع دينامية العوامل المختلفة مثل أنماط الاستهلاك والاجتماعية والتقنية.
الفقر يأتي في مستويين مطلق ونسبي. الفقر المطلق رديفه الحرمان من الحاجات الأساسية المادية وغير المادية اللازمة لإدامة الحياة المناسبة. أما الفقر النسبي فيتعلق عموماً بحالة عدم المساواة غير الاقتصادية، أي ذات المحتوى الاجتماعي.
بين الفقر والجوع علاقة تبادلية: فالفقر هو أهم أسباب الجوع، ولكن الجوع بدوره يسبب الفقر لأنه يُضعف قدرة الناس على استغلال الفرص في العمل والدخل. الفقر كقوة دينامية يمثل صراعاً مستمراً يستنزف الذات الإنسانية.
ديمومة الفقر تعمقها ضغوط العولمة التي تزيد من توليده وانتشاره. فهي مدمرة للفقراء على عده صُعد وخاصة في بُعدها الدولي (فيما يتعلق بالقيود المتعلقة بالتجارة والهجرة ونقل التقنية). الفقر بما يرافقه من حاجة وحرمان يغذي الفساد ويعمقه. برز إدراك أبعاد العبء الإنساني الذي يفرضه الفقر والاهتمام به كقضية ترتبط بالتنمية الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وكان دليل اهتمام الأسرة الدولية بالقضية حاضراً بإنشاء منظمة الأمم المتحدة، حيث احتلت مسألة القضاء على الفقر موقعاً بارزاً في دستورها وأهدافها. وقد شهدت السنوات الأخيرة تصعيداً واضحاً لهذا الموقف قطرياً ودولياً، بما فيه التأكيد على ضرورة تفعيل المواجهة الشاملة بهدف القضاء عليه. ودوافع هذا الاهتمام المتزايد تكمن في عدة عوامل متداخلة: فحجم الفقر تعقدّه أسباب حصوله، وأنه مستمر، كما أنه ما زال واسع الانتشار.
وحالة الفقر في دولية انتشارها تتباين بين وضعها في الدول الصناعية مقارنة بالدول النامية. فالفقر في المجموعة الأولى يأتي على صورة جيوب هي نتاج فلسفة وطبيعة الأنظمة القائمة فيها. أما بالنسبة للدول النامية، فحالته في الغالب تجيء امتداداً من الخارج إلى الداخل بفعل هيمنة العوامل الخارجية الضاغطة، تلك العوامل التي يفسرها الموقع الهامشي للدول النامية في النظام الاقتصادي الدولي المعاصر. إن هذا التصور هو الذي يفرض اعتبار الفقر قضية وبالتالي مسؤولية دولية وليست قطرية فقط، ولكن باختلاف حدّة المعاناة: فمرافق المسؤولية الدولية تقلق، ولكن الدول النامية في ديمومة تعاستها تغرق. فهي التي تدفع الثمن ولا تمتلك الإمكانيات لكي تتجاوز ما تعانيه من محن.
هذه الواقعة تأتي إفرازاً طبيعياً للفلسفة الدولية التي سادت خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي على صعيد مواجهة قضية الفقر. محور ذلك التوجه انطلق من الثقة بدور العولمة بإحداث التغيير المنشود على مختلف الصُعد. فقد تولدت القناعة لدى الدول الرائدة والمانحة للمعونة وكذلك المنظمات الاقتصادية الدولية (بالأخص ثلاثية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية) بأن زخم العولمة هو الأداة الفعالة واللازمة لتحقيق النمو الاقتصادي الدولي وما يؤدي ذلك إلى تعاظم المنافع للدول كافة.
بالنسبة للدول النامية، ومن أجل أن تستفيد من هذا الزخم وتدعم نموها الاقتصادي، كان عليها أن تستلهم في تطبيق سياساتها مبادئ «الحوكمة الجيدة» المتمثلة أساساً في الالتزام بالاستقرار الاقتصادي الكلي، خصخصة الفعاليات الاقتصادية، وتحرير الأسواق. القناعة هنا أن نتائج ذلك ستؤدي إلى تحقيق التقدم الاقتصادي مما يعني ضمان حصول المطلوب على صعيد الحقوق الإنسانية الأساسية من تغذية وتعليم وصحة ومسكن مناسب، إضافة إلى توفير البنى التحتية الأساسية، الأمر الذي من شأنه أن يقضي على الجوع والفقر المنتشر فيها.
سجل التنمية للدول النامية للفترة المرصودة يؤكد الحقيقة الدامغة بأن حصادها كان مراً في أحسن الأحوال. وهذا الظرف إذ يشير إلى محدودية فاعلية استراتيجية التنمية الدولية في مواجهة الفقر. فإنه يعكس أيضاً الإدراك المصحوب بالقلق لحقيقية التحول النوعي الذي طرأ على طبيعة الفقر ذاتها: فقد تحول موقعه من كونه «نتيجة» لعوامل أفرزتها ظروف داخلية وخارجية معقدة تحتوي المجتمع بكامله، إلى موقع «السبب» حيث أضحى معضلة فعلية اكتسبت ديمومة ذاتية الدفع والاستمرارية.
واستجابة لهذا الوضع، شهدت الساحة الدولية ومنذ مطلع الألفية الحالية اهتماماً نوعياً بقضايا التنمية بما فيها الفقر كأولوية بريادة منظمة الأمم المتحدة، حيث تحّول التعامل مع الفقر من الأسلوب غير المباشر إلى المواجهة المباشرة. ففي (9/2000) اجتمعت (189) دولة في قمة الألفية وأصدرت إعلاناً با عتماد وثيقة «الأهداف الألفية للتنمية» التي تضمنت مجموعة من الأهداف والمؤشرات ألزمت فيها منظمة الأمم المتحدة بضرورة تحقيق إنجاز محدد مداه سنة (2015). هذا الإعلان مثّل شراكة بين الدول الغنية والفقيرة تعمل على توفير البيئة الملائمة في حدود أقطارها لضمان تحقيق الأهداف المنشودة، وفي مقدمتها القضاء على الجوع والفقر. ونظراً للوصول إلى نهاية المدة المقررة هذه السنة لإظهار نتائج التقدم الحاصل دولياً، تصبح مراجعة وتقييم سجل الأداء المنجز في الأهداف قضية مهمة، وهذا ما سنعود إليه في مقالة لاحقة.

*المستشار الدولي للتنمية