وعي الحاضر دليل لمسار المستقبل. مثقفو الأمة الحيّة هم الأكثر إدراكاً لذلك وانغماساً فيه.
ولكن معظم المثقفين العرب حالياً قد احتوتهم سلبيات المرحلة الراهنة، فضاعت بوصلة الوجود وبالتالي الريادة لديهم.
مبدئياً، هذه الحالة يمكن قبولها لو كانت تشكل تراخياً إلى حين. غير أن إطالتها يعني الاستسلام لظروفها السلبية، وفي ذلك يكمن الخطر الدفين. فالخشية هنا أن استمرارها يأتي تعبيراً عن حالة فشل يمثلها قصور فادح في دور المثقفين للتأثير في الجماهير العربية، وعلى مستويين: محدودية تعميق إدراكها بخطورة استمرار المرحلة الراهنة ومضامينها المستقبلية، وفي الوقت ذاته هيمنة حالة الإحباط التي لم يستطع المثقفون فيها شحذ همة وبيان ملامح الطريق تجاوزاً لراهن مأزق عميق.
هذا الظرف ينصب بصورة خاصة على الشباب من حيث عدم القدرة على إثارة اهتمامهم بقضايا أمتهم المركزية والتحديات المصيرية القائمة.
الحالة العربية السائدة، إن تكن وليدة لتراكم عقود متواصلة من الانحسار، فإن انحراف اتجاه وزخم «الربيع العربي» قد حوّلها إلى حالة من الانكسار، بحكم غياب وحدة الحركة والقرار. وهكذا، وفي خضم انتشار واستمرار الفوضى والدمار، ضاع المثقف العربي في تيه الطوفان حين افتقد طوق الأمان. فالأغلب منهم هاجر بلاده، وبعضهم انطوى على ذاته، وغيرهم يئس من حياته، والجميع بات يتلمس لما فقد نسياناً، وتعصف بهم كآبة لا تعمر كياناً.
أما القلة الباقية من المثقفين فقد انشغلت في مخاضات حاضرها المضطربة، تحاول أن تتجاوب مع الأحداث الجارية باحثة عن تفسير يريح الضمير، ولكن من دون طائل أو نصير.
فهي في أحسن الأحوال لا تملك إلا بعض فسيفساء من صورة أعظم للأحداث، تلك التي يهيمن عليها الفعل الخارجي، ولكن تبقى خافية عنهم في القرار والمسار.
استلهام النهضة للخروج من هذا «المأزق التاريخي» أضحى حتمية تستلزم اعتماد إيقاع لثلاثية يشكلها شعار جامع، ومحتوى دافع، وقرار مانع، تتقبلها الجماهير وتستهدفها مناراً لحركتها. إن الهدف من هذا كله ليس تشكيل تنظيم حزبي أو كيان عقائدي، إنما هو تجسيد لانطلاقة مستجيبة لمتطلبات المرحلة العصيبة، يحدوها هدياً ودعماً لزخمها.
الشعار يستقر واثقاً من قناعته بأن «العروبة رمز للهوية، والانتماء رمز للمواطنة» جدير بأن يؤدي دوره في تحقيق الاستقطاب الهادف إلى خلق بيئة «دينامية شاملة» وإيجابية، تحرك المجتمع بكل مقوماته البشرية والتنظيمية والمؤسسية، مدركة لما يعانيه ومصممة على بلوغ ما يصبو إليه، يغذيه بما يقدمه المجهود الفكري والتحليلي الملتزم من صورة متكاملة للبناء المستقبلي المقصود دفاعاً عن حق الوجود. وفي هذا المقام تأتي الأولوية لإعداد «رؤية تنموية» تغطي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، تدعمها كينونة لوجستية تتضمن استراتيجيات وبرامج وسياسات وأدوات توجّه مسارها. هي رؤية حصادها تنمية متوازنة تنشئ وتطور مجتمعاً مدنياً عادلاً وديمقراطياً، ذاتي الزخم، ومحصناً من فجوات يسهل اختراقها وطموحات معادية يؤطرها حقدها.
نعم، نحن في ساعة عسرة، ولكنها ليست بعد حسرة، ولا ينبغي لها أن تكون. الوطن العربي غني بما يملك، ولكن غياب القيادة الموحدة جعله شحيحاً بما ينجز. حاضرنا يهيئ لنا وبكل الأبعاد فرصة تاريخية لنهضتنا. فلا مبرر لنتركها تفلت منّا وتتحول إلى إدانة لنا. الجهد الثقافي الهادف هو الأولى بحمل شرف ريادة الاستجابة للنداء، فتلك مهمة قدسية تبغي استرجاع الوطن والإنسان.
*المستشار الدولي للتنمية