د. باسل البستاني *

هل يمكن للدول النامية أن تستشف مسار مستقبلها من خلال حاضر تطورها؟
الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي رؤية للمستقبل من خلال تاريخه تكون كافية لإبراز دروسه الحيوية التي تعين على فهم حاضره. إنه حوار حضاري مقارن، إدراكه لازم من أجل تقرير مسار قادم.
مصدر القرار: في عالم اليوم، لو تتبعنا كل المواقع لوجدنا أن العلاقة بين مجاميع الدول هي في الجوهر بين رائد وتابع. هذا امتداد للإرث الاستعماري، ومهما أردنا تجاوزه يبقى هو الأمر الواقع. وقد تعاظم زخم هذه العلاقة غير المتوازنة بصورة خاصة منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي، أي نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد حصل هذا رغم طقوس وشكليات الاستقلال الوطني الذي حظيت به العديد من الدول النامية.
في إطار المقارنة التاريخية، كان هذا الظرف غائباً. فالقاسم المشترك للسجل التطوري للدول الصناعية تمثل في صراع للمصالح بين «قطر» وآخر. كما أن معيار النمو والتقدم انعكس في درجة الهيمنة الخارجية أكثر منه في القدرة على خلق الثروة (الإنتاج) الداخلية. هذا النمط بقي سارياً حتى بداية الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، وخاصة في بريطانيا. فهذه الثورة أحدثت نقلة نوعية كبرى في مصادر الثروة، حيث حوّلت منابعها من الخارج (باغتنام ثروات الأمم) إلى الداخل (بتطوير الموارد الذاتية) بصورة أساسية.
أما الدول النامية، فهي من بعد استنزافها كليّاً من قبل المصالح الاستعمارية، إذ هي تقف اليوم في مجابهة مع «نظام» متقدم غني الإمكانات ومشترك في الأهداف والمصالح، تبقى أقطارها مشتتة لا يجمعها إلا بؤسها. فلا عجب إذاً أن يكون القرار الخارجي قد احتوى قرارها الداخلي وعطّله.
تقرير الأولويات: في هذا الصدد، تأتي حالتان في معرض المقارنة. الأولى، يحكمها تساؤل هو: أيهما يأتي أولاً ، اعتبارات النمو الاقتصادي أم التطور الاجتماعي؟
الدول الصناعية في تاريخها لم تواجه هذا الاختيار لأنه قد حُسم لها بحكم طبيعة تطورها: فالعلاقة بين الحقلين جاءت على صورة «تتابع» زمني واضح بدأ من بناء قاعدة اقتصادية صناعية قوية وانتهى إلى العناية بالرفاهية الاجتماعية. بالمقارنة، الدول النامية تواجه ظرفاً مفروضاً: أن تستجيب لنداء الاثنين بصورة «مترافقة» دون أي فرصة للاختيار في الأولويات أو البدائل، وفي ذلك عبء عليها عظيم.
أما الحالة الثانية، فتتعلق بالعلاقة بين السياسة والاقتصاد: أيهما يقود الآخر؟ حرية القرار الوطني الذي امتلكته الدول الصناعية في تاريخها أدى إلى تسخير السياسة لخدمة الأغراض الاقتصادية، فترسخت قواعد البناء ونضجت. أما الدول النامية، فإن خيارها الأوحد جاء سياسياً ومستجيباً لظروفها في الدفاع عن النفس أمام مواجهة النظام الدولي وهيمنته. وتضمن هذا فعلياً تسخير كل الإمكانات الاقتصادية لخدمة الأغراض السياسية، فكان أمرها أنها تشتت وتراجعت حين تضمّن استنزاف مواردها وبالتالي مقوّمات وجودها واستمرارها، متعرضة بذلك مرّة أخرى إلى هدر طاقاتها.
أبعاد التنمية الاقتصادية: هذا المفهوم في ماضي تطوره لم يكن يتضمن أكثر من تحقيق المزيد من الإنتاج المادي، أي ضمان استمرارية النمو في الناتج المحلي الإجمالي. ولهذا كان يكفي الدول الصناعية أن تبلغه لتضمن النمو والإنجاز. بالمقابل، اتساع مفهوم التنمية المعاصر يتجاوز الابعاد الاقتصادية إلى الحقول الاجتماعية والبيئية والسياسية (قضايا عدالة التوزيع والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان) الأمر الذي يجعل مسؤولية الدول النامية أكثر عمقاً وأوسع امتداداً. إنه عبء مسؤولية تفرض تحقيق إنجاز لا تبلغه إلاّ قدرات إعجاز، ولكن ينقضها واقع دائم قلّما يبلغ مستويات الكفاف.
المساواة في خط الشروع: مبدأ المقارنة يصح إذا تقاربت الإمكانات وتوازنت القدرات. غياب هذه الفرصة في الظرف الدولي المعاصر يخلق فجوة هائلة في جسم الإنسانية بين ركنيها الشمالي والجنوبي. الأول تملّك الهيمنة فاغتنى، والثاني يستجير بالعطاء ليحيا. فالدول النامية تتعايش مع حالة من «التنمية الإحباطية» شاملة بدليل تراجع معدلات النمو وتعاظم الفقر والبطالة والعجز وفجوة توزيع الدخل والثروة. بينما الدول الصناعية تقع في موضع استقطاب مستمر للثروة والدخول والتجارة ورؤوس الأموال والتكنولوجيا.
تفشّي النزاعات القطرية والإقليمية: وكأن كل ما سبق لم يكن كافياً، حين يفلت عقال النزاعات ليدمر ما بقي من صمامات أمان في المجتمع. إن الذي يثير التعجب أن جميع هذه النزاعات تقع في «مواقع للدول النامية دون غيرها»! هذا لا يمكن أن يأتي كمجرّد صدفة تسببها عوامل «التخلّف» في بيئة الدول النامية. إن هذه النزاعات بحق هي نتاج فعل مُقرر، وهنا لا يمكن تبرئة القوى المهيمنة على مسار الأحداث عالمياً من دورها، إن لم يكن إثارة هذه النزاعات، فهو تغذيتها لكي تكتسب استمراريتها الدينامية الذاتية. وفي ذلك إدانة لقيم حضارة لا تستجيب إلاّ لدوافع المصلحة الذاتية.
الإنسانية اليوم تعيش آخر حلقات معاناتها. فهي منذ البدء لم تنعُم بوحدة كيان مترافقة مع رفاهية إنسانها.
ذلك واقع من الانفصام فرض ذاته منذ أن استقرت التجمعات البشرية، مروراً بعصور السلالات والإمبراطوريات، حتى بداية الأزمنة الحديثة. ففيها، ومنذ ثمانين عاماً ونيّف، بقيت الإنسانية تشكو من انفصالها الفعلي إلى عالمين: الأول قليل عدده يُقلقه يُسره، والثاني كثيره يطوّقه عُسره. فهل كُتب على الإنسانية فراق أبدي بين وحدة كينونتها وانفلاق ذاتها؟

* المستشار الدولي للتنمية