تتيح ليالي شهر رمضان الكريم، فرصة مهمّة أمام الكثيرين من أهل الرأي وأرباب البصيرة، من خلال عرض وتبادل الأفكار ووجهات النظر، في المجالس الرمضانية، حول قضايا عديدة جوهرية، تتعلق بقضايا وطنية عربية وإسلامية، منها ما له علاقة بالظروف والمشكلات التي يمر بها عالمنا العربي أو يعاني منها العالم الإسلامي .
وكما يحدث في أي منتدى، فإن تباين الأفكار، وربما تعارض وجهات النظر، لا يفسد للود قضية، وإنما يوسع من مساحات الحوار والنقاش، وهو ما يفضي إلى قناعات متقاربة ولا نقول متطابقة، ولأن الحوار والجدال يعنيان، في جانب منهما وجود قدرة على التحليل وإمكانية على إعادة تركيب وجهات النظر، والخروج منها بموقف مفهوم، ولو على صعيد الكلام النظري فحسب .
وضعنا العربي الحالي الذي يضرب الوهن والتصدع مفاصل مهمة منه، يتصدر مشهد الحوار والنقاش والجدل حوله في ليالي الشهر الكريم، وتبدو أن هناك وجهتي نظر أوموقفين هما الأكثر احتداماً من غيرهما، الأول . . يرى أن ما أصاب الأمة من ضعف ووهن وترد، يعود إلى ابتعاد المجتمعات العربية وانسلاخها عن تراثها العربي، ودليلهم في هذا أن العرب والمسلمين عموماً حققوا ما حققوا من إنجازات حضارية وعلمية إنما في ظل المنهجية الإسلامية، ويدعو أصحاب هذه النظرة للعودة إلى ماضينا البعيد وغير البعيد لإصلاح ما فسد من أوضاعنا العربية .
الموقف الثاني، يذهب بخلاف ما ذهب إليه أصحاب الموقف الأول، ويرون في ذلك انغلاقاً على مجريات العصر وما يشهده العالم من تطور معرفي في كل مناحي الحياة، بل يرون أنه لا خلاص إلا بالانغماس والاندماج في الحياة العلمية الغربية، والارتباط بمنظومة الأفكار والاتجاهات الثقافية والفكرية والاجتماعية التي تتطور، بل ساعة بعد ساعة، في العالم الغربي، والعودة إلى تراثنا القديم وغير البعيد تعني بناء سور من العزلة كسور الصين العظيم أو جدار كجدار برلين، يفصلنا عن منجزات هذا العصر ولغته وحضارته .
هذان الموقفان يبدوان للعقلية غير المتخصصة أو تلك التي تريد هروباً من واقع أزمتنا المريرة، وترجو حلولاً سريعة لتلك الأزمات، وكأنهما متباينان، بل متصادمان، ولكن بنظرة عقلية متبصرة، تحترم تراثنا العربي، وتتصف بشيء من الموضوعية، وتستحضر ارتباط أمتنا بالعلم والتحديث، ستجد الموقفين ينبعان من منبع واحد، ألا وهو النظرة الأحادية للأسباب التي أدت إلى هذه النتائج التي تثقل كاهل أمتنا حالياً، وبتحزب كل منهما إلى موقفه، وبتخطيء كل منهما الآخر، بحجة أو بغير حجة، وهذا ما يعرف عند المفكرين الاجتماعيين المتنورين بعبودية النهج أو المنهج .
نعم تراثنا فيه الكثير من التجارب المضيئة، بل المشعة أيضاً، لكن إفادتنا من تجارب الآخرين، لا تتعارض مع ما في هذا التراث من منجزات، وإلا تحول إلى سجن للأفكار والمفاهيم، بدل أن يتحول إلى فضاء رحب . والعقل العربي بكل تأكيد هو عقل إسلامي قطعاً، لا يختصم مع العلم بل هو قرين به، وإذا كان الجاحظ قد دعا إلى العروبة إلى حد الغلوّ، وإلى تحويل الفكر العربي العلمي في عصره من مجالس الحوار والجدل إلى مواقع التنفيذ العلمي المختبري، فإن نهضة العرب بالتالي حتى أيام الجاحظ، وما قبل مولده إنما كانت علمية أيضاً، وهي التي امتدت من الصين شرقاً إلى فرنسا غرباً، وكانت تحترم العلم، وتعمل من أجل جعله حقيقة في الحياة، وأن أي حديث عن الفارابي وابن سينا والكندي وابن رشد وابن حزم، إنما من منطلق أن هؤلاء عرب ومسلمون، تمكنوا من إقامة الدليل العملي والواقعي والموثق حتى في جامعات الغرب الكبرى، على أن الإسلام رسالة حضارية وعلمية، للأفراد والأمم والشعوب، بقدر ما هو حقيقة إيمانية ودينية، وأيضاً، فإن هذه الشخصيات ليست أجساداً محنطة، أو كتباً عفا عليها الزمن، وإنما هي أرواح حاضرة بيننا، بما ورّثته لنا من منجزات، إذا ما فهمنا تراثنا على أنه خبرة ضخمة، وهو ما يجب أن نفهمه أيضاً من قصة هارون الرشيد وشارلمان .
كما أن القطيعة مع تراث الأمة بالمطلق، بحجة التقدم تعد منطقاً مغلوطاً، ولا تستقيم حتى في التجربة الواقعية، كتجارب إسلامية ناجحة في هذا القرن، حققت تحولات على طريق التحديث إندونيسيا، ماليزيا، تركيا فالتخطيط العلمي اقترن ببناء الإنسان روحياً، بينما قامت النهضة الغربية على الصراع بين المادة والروح لجهة تغليب الأولى، فقوة تراثنا تكمن في أنه خبرة كبيرة تساعد على تحليل واستيعاب ظروف التراجع العربي، ووضع حلول واقعية ومرحلية تطرح إمكانية تجاوز أوضاعنا الحالية .
الدعوة إلى الارتباط بالغرب بالمطلق، أو الدخول بخصومة أو قطيعة معه، كلا الرأيين يخالف منطق الأمور وواقع الممارسة، فالحضارة العربية عبر مراحلها المختلفة، انطلقت من أساسيات ذلك التراث، وأيضاً تعاملت مع منجزات الحضارات الأخرى الفارسية واليونانية والهندية من منطلق المتفاعل وليس من زاوية المنقاد أو التابع، والنماذج متعددة فالإمام الكندي، رجل عربي أباً عن جد، فهو من كندة، لم يغفل تراثه، ولم ينس تاريخه وحضارته العربية قبل الإسلام وبعده، وإنما تتأكد إضافته إلى منجزات تلك الحضارات، فيما ألف في العلوم والآداب لأكثر من 300 كتاب ورسالة، وكلها على قدر كبير من الأهمية .
بالعودة إلى بدايات النهضة الغربية، وخضوع العالم العربي لهيمنة العرب ونفوذه، والبادئ من تلك السنوات، يجد إصراراً غريباً على جعلنا متخلفين، بينما العالم من حولنا يتقدم يوماً بعد آخر .
قوة العرب في سابق عهودهم تكمن في العقل العلمي الإسلامي الذي يقودهم، فضلاً عن قوة الروح، ومن غير المعقول الحكم على تاريخنا العربي بعدم العلمية أو عدم العقلانية وأمامنا كل هذه الشواهد، يضاف إلى ذلك أن التخطيط العلمي اقترن ببناء الإنسان روحياً، وهذه مسألة جديرة بالانتباه والاعتبار، فالتخطيط للمعارك العربية، كان تخطيطاً علمياً أي أنه ارتكز على العقل منذ الخندق وفكرة سلمان الفارسي بالحفر، مروراً بانتصارات صلاح الدين الأيوبي، وحرب أكتوبر 73 التي كانت في شهر رمضان .
وهناك أمثلة تراثية، لكنها حية إلى يومنا هذا، لنأخذ كيفية بناء مدن مثل: واسط وبغداد والفسطاط، إنها مدن لم تكن لغايات عسكرية فقط، ولكنها استندت في بنائها إلى خبرات مهندسين معماريين، وجيولوجيين وفلكيين00 إلخ، أفبعد هذا يجوز شطب تاريخنا العلمي؟ نعم هناك تخبّط، منذ بدايات مايعرف بالنهضة العربية التي ترافقت مع تطورات الغرب حضارياً، لم نأخذ عنه فقط المنطلقات الثقافية، بل تعدى ذلك إلى استعارتنا من الغربيين أسلوبهم في بناء المدن وتعمير البلدان، رغم أن وضعنا مغاير تماماً لما عندهم، فالعمران في حضارتنا يشمل المادة كما يشمل الروح، بل إنه من خلال بناء الروح، علمياً، تطور العمران وتنامى .
عالمنا العربي في حاجة ماسة إلى النموذج الذي اختطه اليابانيون بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، بجعل البحث العملي والعمل التطبيقي حتى في المنازل، جزءاً من الشخصية الوطنية والهوية الثقافية اليابانية، وفي نقطة تفصيلية منه وضع الشخص المناسب في مكانه المناسب، وهذا مايعرف باسم التخصص الذي بات عملاً حضارياً وليس أسلوباً في تحسين الإنتاج كمّاً ونوعاً، فالعمل بهذا المبدأ ولو من قبل مؤسسة صغيرة يدلل على تحضر أصحابها، وكفاءة طاقمها الوظيفي، فكيف الأمر لو طبق على مجمل القطاعات الأساسية في المؤسسة العربية؟ سنلاحظ بلا شك تغيراً كبيراً في أحوال الناس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وهذا الملاحظ المفقود حالياً، هو الذي يفسر لنا طبيعة قدرتنا على الاستجابة للتحدي الذي يواجهنا . وما لم نصل إلى منطقة وسطى متوازنة تقينا الزلل أو التعثر في مشينا، لحل هذه الإشكالية حلاً صحيحاً، فإن فرص التقدم تبدو ضئيلة، بل نكون قد وضعنا مستقبلنا في سجن من صنع أيدينا، وسنبقى ملحقين بالآخر شئنا أم أبينا .