إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي قد نجحت في التأثير في الأطراف اليمنية المتصارعة بالتوقيع على المبادرة الخليجية، كآلية لحل المشكلة اليمنية، ولتهدئة ثورة الشباب، بعد ماراثون طويل من المفاوضات، بدأت في إبريل/ نيسان ،2011 إلى أن تم التوقيع عليها في الرياض بتاريخ 23 نوفمبر/ تشرين الثاني ،2011 للخروج بهذا البلد العربي من الحروب الأهلية وتأثيراتها في المنطقة والإقليم والعالم برمته .
دول الخليج إذاً مطالبة الآن بمواصلة مساعيها لدى مختلف الأطراف، لإتمام تنفيذ ما تضمنته المبادرة من خطوات، وعدم السماح لمن يسعى إلى تعطيل المسار الانتقالي، والانحراف به نحو مسارات غير التي حددت له، والوقوف بوجه كل من تسول له نفسه التأثير في إفشال مؤتمر الحوار في مراحله النهائية، والتوصل لحل يحافظ على الوحدة والجمهورية، ويحقق لمختلف الأقاليم بعض ما تتطلع إليه من تنمية ومكتسبات، والتخلص من كل رواسب الحقب الماضية وما فيها من مرارات، والعمل على سد المنافذ في وجه التدخلات القادمة من خارج المنطقة، لضمان استقرار اليمن والمنطقة، وتحقيق مصالح أبنائها بالحرية والكرامة والتداول السلمي للسلطة .
شملت الآلية التنفيذية للمبادرة خطوات تتعلق بكيفية التنفيذ اتفق عليها المؤتمر الشعبي العام وحلفاؤه، واللقاء المشترك وشركاؤه، برعاية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، خاصة ما يتعلق منها بالجوانب العسكرية وخطوات الفترة الانتقالية، واستطاعت المبادرة أن تنجز العديد من خطوات الفترة الانتقالية بنجاح، حيث تم انتقال السلطة لنائب الرئيس، واتخذت إجراءات عديدة بشأن القوات المسلحة، وبدأ مؤتمر الحوار الوطني الشامل اجتماعاته بحضور كل المجموعات المعنية بالمشاركة وباتخاذ القرارات المهمة، ووضع رؤية جديدة لمستقبل اليمن السياسي، وطوال فترة انعقاده خلال الستة أشهر الماضية، توصلت مختلف فرق العمل المنبثقة عنه إلى العديد من التوصيات والرؤى الخاصة بمستقبل اليمن الجديد، تركزت حول تسع قضايا أساسية هي، قضية الجنوب، وقضية صعدة، وقضايا وطنية، وبناء الدولة، والحكم الرشيد، وبناء الجيش .
وناقش مؤتمر الحوار شكل الدولة من خلال دولة اتحادية تضم عدة أقاليم أو من إقليمين وقدم فريق الحكم تصوراً لمرحلة انتقالية تأسيسية لليمن الجديد، من أربعة نصوص دستورية، بينها إعادة انتخاب هادي منصور لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات، يتم النص عليها دستورياً بالتوافق، وتحويل مؤتمر الحوار إلى جمعية تأسيسية لنفس الفترة برئاسة هادي بوصفه رئيس مؤتمر الحوار، وجعل مدة الخمس سنوات المقبلة فترة تأسيسية لتنفيذ مخرجات الحوار، وذلك رغم اعتراض الحراك الجنوبي والحوثيين على بعض قضايا الحوار خصوصاً المتعلقة بشكل النظام، وإصرار جميع فرق العمل من جانب آخر على إيجاد حل للمشكلة الجنوبية، وإيلائها كل الاهتمام باعتبارها مفتاحاً لحل كل المشكلات الأخرى، مثل قضية صعدة، وقضايا التنمية والحرية والحكم الرشيد، في إطار الثوابت والحرص على وحدة اليمن ونظامه الجمهوري، في ظل دولة واحدة، من عدة أقاليم أو فيدرالية من إقليمين، كحل بات مطروحاً للخروج من الأزمة .
حل يكون وفق عقد اجتماعي جديد يضع الأمور في نصابها الصحيح، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، ومن دون مزايدة أو متاجرة بالقضية الجنوبية، والتصدي لخيار من يسعون لعودة اليمن إلى الوراء، باعتباره خياراً كارثياً على الأجيال القادمة، بعد أن أبهر اليمنيون العالم بثورتهم السلمية واللجوء إلى الحوار، وهم قادرون على تجاوز الصعاب والوصول إلى حلول ترضي مختلف الأطراف، خاصة أن الوحدة تشكل طوق نجاة للجميع في الجنوب والشمال، كما أن اليمنيين بوحدتهم وإيمانهم بقدراتهم فقط وحدهم القادرون على إيجاد الحلول للمشاكل التي تواجه بلدهم وهي كثيرة، بدءاً بخطر القاعدة، ودعوات الانفصال، والأزمة الاقتصادية، التي تتطلب من مختلف المكونات التنازل عن المصالح الشخصية لصالح قضايا الوطن العليا .
لقد أصدرت حكومة الوفاق الوطني في شهر أغسطس/ آب الماضي بياناً أعلنت فيه اعتذار الدولة والحكومة عما لحق بأبناء المحافظات الجنوبية وأبناء صعدة والمناطق المتضررة الأخرى ممن كانوا ضحية لحروب شنها النظام السابق واعتبار كل ما حدث عملاً لا أخلاقياً .
لاشك أن هذا الاعتذار العلني كان الهدف منه التخفيف من حدة الاحتقان لدى الجنوبيين، ولتليينها من جانبهم ورسالة طمأنة تجاههم وتجاه كل الأطراف بأنه الخطوة المهمة نحو المصالحة والوحدة الوطنية تشكل مظلة أمان لليمن .
من هنا يجب القول إنه يجب على جميع الأحزاب السياسية اليمنية الاتحاد في مواجهة أي قوى خارجية أو داخلية تمس سيادة الدولة أو أمن المواطن اليمني، وجعل مصلحة اليمن وشعبه فوق المصالح الحزبية أو الفئوية أو الطائفية أو الجهوية أو الفردية، بكل ما فيها من سلبيات، كي تنهي الفترة الانتقالية التي حددتها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية بعامين في موعدها في 21 فبراير/ شباط 2014 .
ومهما كان نوع الحديث الذي يدور حالياً حول ما يمكن التفاوض عليه أكان حول مشروعين اثنين: شعب واحد في إقليمين، أو شعب واحد في أقاليم خمسة (اثنين في الجنوب وثلاثة في الشمال) سيظل اليمنيون موحدين وإن عاشوا في إقليمين أو خمسة لا يفصل بينها إلا خط وهمي، وسيتمكن اليمنيون من تجاوز كل التحديات التي تعترض حواراتهم، بفضل ما حباهم الله من الحكمة والإيمان، الحكمة يمانية والإيمان يماني ومن دعم أشقائهم في دول مجلس التعاون الخليجي، الذين يحرصون على إنجاح جهود المبادرة الخليجية .
تتيح ليالي شهر رمضان الكريم، فرصة مهمّة أمام الكثيرين من أهل الرأي وأرباب البصيرة، من خلال عرض وتبادل الأفكار ووجهات النظر، في المجالس الرمضانية، حول قضايا عديدة جوهرية، تتعلق بقضايا وطنية عربية وإسلامية، منها ما له علاقة بالظروف والمشكلات التي يمر بها عالمنا العربي أو يعاني منها العالم الإسلامي .
وكما يحدث في أي منتدى، فإن تباين الأفكار، وربما تعارض وجهات النظر، لا يفسد للود قضية، وإنما يوسع من مساحات الحوار والنقاش، وهو ما يفضي إلى قناعات متقاربة ولا نقول متطابقة، ولأن الحوار والجدال يعنيان، في جانب منهما وجود قدرة على التحليل وإمكانية على إعادة تركيب وجهات النظر، والخروج منها بموقف مفهوم، ولو على صعيد الكلام النظري فحسب .
وضعنا العربي الحالي الذي يضرب الوهن والتصدع مفاصل مهمة منه، يتصدر مشهد الحوار والنقاش والجدل حوله في ليالي الشهر الكريم، وتبدو أن هناك وجهتي نظر أوموقفين هما الأكثر احتداماً من غيرهما، الأول . . يرى أن ما أصاب الأمة من ضعف ووهن وترد، يعود إلى ابتعاد المجتمعات العربية وانسلاخها عن تراثها العربي، ودليلهم في هذا أن العرب والمسلمين عموماً حققوا ما حققوا من إنجازات حضارية وعلمية إنما في ظل المنهجية الإسلامية، ويدعو أصحاب هذه النظرة للعودة إلى ماضينا البعيد وغير البعيد لإصلاح ما فسد من أوضاعنا العربية .
الموقف الثاني، يذهب بخلاف ما ذهب إليه أصحاب الموقف الأول، ويرون في ذلك انغلاقاً على مجريات العصر وما يشهده العالم من تطور معرفي في كل مناحي الحياة، بل يرون أنه لا خلاص إلا بالانغماس والاندماج في الحياة العلمية الغربية، والارتباط بمنظومة الأفكار والاتجاهات الثقافية والفكرية والاجتماعية التي تتطور، بل ساعة بعد ساعة، في العالم الغربي، والعودة إلى تراثنا القديم وغير البعيد تعني بناء سور من العزلة كسور الصين العظيم أو جدار كجدار برلين، يفصلنا عن منجزات هذا العصر ولغته وحضارته .
هذان الموقفان يبدوان للعقلية غير المتخصصة أو تلك التي تريد هروباً من واقع أزمتنا المريرة، وترجو حلولاً سريعة لتلك الأزمات، وكأنهما متباينان، بل متصادمان، ولكن بنظرة عقلية متبصرة، تحترم تراثنا العربي، وتتصف بشيء من الموضوعية، وتستحضر ارتباط أمتنا بالعلم والتحديث، ستجد الموقفين ينبعان من منبع واحد، ألا وهو النظرة الأحادية للأسباب التي أدت إلى هذه النتائج التي تثقل كاهل أمتنا حالياً، وبتحزب كل منهما إلى موقفه، وبتخطيء كل منهما الآخر، بحجة أو بغير حجة، وهذا ما يعرف عند المفكرين الاجتماعيين المتنورين بعبودية النهج أو المنهج .
نعم تراثنا فيه الكثير من التجارب المضيئة، بل المشعة أيضاً، لكن إفادتنا من تجارب الآخرين، لا تتعارض مع ما في هذا التراث من منجزات، وإلا تحول إلى سجن للأفكار والمفاهيم، بدل أن يتحول إلى فضاء رحب . والعقل العربي بكل تأكيد هو عقل إسلامي قطعاً، لا يختصم مع العلم بل هو قرين به، وإذا كان الجاحظ قد دعا إلى العروبة إلى حد الغلوّ، وإلى تحويل الفكر العربي العلمي في عصره من مجالس الحوار والجدل إلى مواقع التنفيذ العلمي المختبري، فإن نهضة العرب بالتالي حتى أيام الجاحظ، وما قبل مولده إنما كانت علمية أيضاً، وهي التي امتدت من الصين شرقاً إلى فرنسا غرباً، وكانت تحترم العلم، وتعمل من أجل جعله حقيقة في الحياة، وأن أي حديث عن الفارابي وابن سينا والكندي وابن رشد وابن حزم، إنما من منطلق أن هؤلاء عرب ومسلمون، تمكنوا من إقامة الدليل العملي والواقعي والموثق حتى في جامعات الغرب الكبرى، على أن الإسلام رسالة حضارية وعلمية، للأفراد والأمم والشعوب، بقدر ما هو حقيقة إيمانية ودينية، وأيضاً، فإن هذه الشخصيات ليست أجساداً محنطة، أو كتباً عفا عليها الزمن، وإنما هي أرواح حاضرة بيننا، بما ورّثته لنا من منجزات، إذا ما فهمنا تراثنا على أنه خبرة ضخمة، وهو ما يجب أن نفهمه أيضاً من قصة هارون الرشيد وشارلمان .
كما أن القطيعة مع تراث الأمة بالمطلق، بحجة التقدم تعد منطقاً مغلوطاً، ولا تستقيم حتى في التجربة الواقعية، كتجارب إسلامية ناجحة في هذا القرن، حققت تحولات على طريق التحديث إندونيسيا، ماليزيا، تركيا فالتخطيط العلمي اقترن ببناء الإنسان روحياً، بينما قامت النهضة الغربية على الصراع بين المادة والروح لجهة تغليب الأولى، فقوة تراثنا تكمن في أنه خبرة كبيرة تساعد على تحليل واستيعاب ظروف التراجع العربي، ووضع حلول واقعية ومرحلية تطرح إمكانية تجاوز أوضاعنا الحالية .
الدعوة إلى الارتباط بالغرب بالمطلق، أو الدخول بخصومة أو قطيعة معه، كلا الرأيين يخالف منطق الأمور وواقع الممارسة، فالحضارة العربية عبر مراحلها المختلفة، انطلقت من أساسيات ذلك التراث، وأيضاً تعاملت مع منجزات الحضارات الأخرى الفارسية واليونانية والهندية من منطلق المتفاعل وليس من زاوية المنقاد أو التابع، والنماذج متعددة فالإمام الكندي، رجل عربي أباً عن جد، فهو من كندة، لم يغفل تراثه، ولم ينس تاريخه وحضارته العربية قبل الإسلام وبعده، وإنما تتأكد إضافته إلى منجزات تلك الحضارات، فيما ألف في العلوم والآداب لأكثر من 300 كتاب ورسالة، وكلها على قدر كبير من الأهمية .
بالعودة إلى بدايات النهضة الغربية، وخضوع العالم العربي لهيمنة العرب ونفوذه، والبادئ من تلك السنوات، يجد إصراراً غريباً على جعلنا متخلفين، بينما العالم من حولنا يتقدم يوماً بعد آخر .
قوة العرب في سابق عهودهم تكمن في العقل العلمي الإسلامي الذي يقودهم، فضلاً عن قوة الروح، ومن غير المعقول الحكم على تاريخنا العربي بعدم العلمية أو عدم العقلانية وأمامنا كل هذه الشواهد، يضاف إلى ذلك أن التخطيط العلمي اقترن ببناء الإنسان روحياً، وهذه مسألة جديرة بالانتباه والاعتبار، فالتخطيط للمعارك العربية، كان تخطيطاً علمياً أي أنه ارتكز على العقل منذ الخندق وفكرة سلمان الفارسي بالحفر، مروراً بانتصارات صلاح الدين الأيوبي، وحرب أكتوبر 73 التي كانت في شهر رمضان .
وهناك أمثلة تراثية، لكنها حية إلى يومنا هذا، لنأخذ كيفية بناء مدن مثل: واسط وبغداد والفسطاط، إنها مدن لم تكن لغايات عسكرية فقط، ولكنها استندت في بنائها إلى خبرات مهندسين معماريين، وجيولوجيين وفلكيين00 إلخ، أفبعد هذا يجوز شطب تاريخنا العلمي؟ نعم هناك تخبّط، منذ بدايات مايعرف بالنهضة العربية التي ترافقت مع تطورات الغرب حضارياً، لم نأخذ عنه فقط المنطلقات الثقافية، بل تعدى ذلك إلى استعارتنا من الغربيين أسلوبهم في بناء المدن وتعمير البلدان، رغم أن وضعنا مغاير تماماً لما عندهم، فالعمران في حضارتنا يشمل المادة كما يشمل الروح، بل إنه من خلال بناء الروح، علمياً، تطور العمران وتنامى .
عالمنا العربي في حاجة ماسة إلى النموذج الذي اختطه اليابانيون بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، بجعل البحث العملي والعمل التطبيقي حتى في المنازل، جزءاً من الشخصية الوطنية والهوية الثقافية اليابانية، وفي نقطة تفصيلية منه وضع الشخص المناسب في مكانه المناسب، وهذا مايعرف باسم التخصص الذي بات عملاً حضارياً وليس أسلوباً في تحسين الإنتاج كمّاً ونوعاً، فالعمل بهذا المبدأ ولو من قبل مؤسسة صغيرة يدلل على تحضر أصحابها، وكفاءة طاقمها الوظيفي، فكيف الأمر لو طبق على مجمل القطاعات الأساسية في المؤسسة العربية؟ سنلاحظ بلا شك تغيراً كبيراً في أحوال الناس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وهذا الملاحظ المفقود حالياً، هو الذي يفسر لنا طبيعة قدرتنا على الاستجابة للتحدي الذي يواجهنا . وما لم نصل إلى منطقة وسطى متوازنة تقينا الزلل أو التعثر في مشينا، لحل هذه الإشكالية حلاً صحيحاً، فإن فرص التقدم تبدو ضئيلة، بل نكون قد وضعنا مستقبلنا في سجن من صنع أيدينا، وسنبقى ملحقين بالآخر شئنا أم أبينا .
لا نبالغ إذا قلنا إنه ما من تجربة بشرية ناجحة على مر التاريخ، إلا وكان وراءها قادة عظام ومفكرون نابغون، تحدوا الصعاب وتجاوزوا العقبات، بفضل ما أعطاهم الله من رؤى وأفكار وصفات وملكات، لم تكن متاحة لغيرهم، في مرحلة من مراحل التاريخ، تدبروا فيها الماضي وقرأوا الحاضر واستشرفوا المستقبل، وحققوا لأوطانهم نهضة اقتصادية وتحولاً سياسياً، وتطوراً ترك بصمة بمداد من ذهب في مراحل فارقة في تاريخ البشرية المعاصرة، قائمة على الأفكار رغم مايشوبها من نواقص .
المفكر مالك بن نبي يرى أن لدى كل إنسان أسطوانة يحملها منذ ولادته، وأيضا لكل مجتمع أسطوانته وأنغامه الخاصة به التي تميزه عن غيره من المجتمعات، ومن يقرأ التاريخ، حديثه والمعاصر، يرى كيف تمكنت دول مثل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، من تجاوز الصعاب وحجم الدمار والانهيار الكامل، واستطاعتا بفضل احتفاظهما بعالم الأفكار أن يبنيا كيانهما من جديد، حيث تمكن الألمان من بناء قوة سياسية واقتصادية، تعدّ قلب أوروبا، بل إذا ما قرروا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، فهذا يعني تلقائياً انتهاء هذا الاتحاد، وسقوط عملته اليورو، بينما مثل نتاج التاريخ حافزاً لدى الجانب الياباني، في بناء نهضة عصرية في القرن التاسع عشر، وضمان استمراريتها وتحصينها من سلبيات التحديث، من دون التخلي عن تقاليد اليابانيين الموروثة، وقيمهم التقليدية، وسلوكهم الاجتماعي المميز .
أما هنا على ضفاف الخليج في إمارات الساحل العربي، ولمن عاصر ظروف الحياة ووطأتها، قبل عقود، وحجم التحديات، والرهانات المعقودة على زعماء المنطقة، للخروج من حالة التمزق السياسي، والتخلف الاقتصادي، والثقافي، والتطلع إلى بناء كيان قوي معافى، أساسه وعماده الفكر والإيمان، بقيادة الشيخ زايد طيب الله ثراه الذي كان له عالمه وفكره الخاص في ظل عالم رحب ليس له حدود، تمكن ورفاق دربه راشد طيب الله ثراه والآباء المؤسسون، من بناء دولة حديثة، ومن تحقيق هذا الحلم الكبير، في لحظة حاسمة من تاريخ المنطقة .
وفي تجارب بلدان مثل ماليزيا وتركيا والبرازيل، الأولى قادها مهاتير محمد الذي يعد واحداً من أعظم السياسيين والاقتصاديين في آسيا، حيث استطاع تغيير وجه ماليزيا، وجعلها في مصاف الدول الاقتصادية المتقدمة، مستلهماً التجربة اليابانية، كونها المحرك الرئيس في تطور وتوعية الشعوب الآسيوية، ما أطلق عليه وهم التفوق الأوروبي، وتجربة تركيا بقيادة الزعماء الكاريزميين رجب طيب أردوغان وعبدالله غول وأحمد داوود أوغلو، التي فيها من الدروس والعبر الشيء الكثير، وما تحقق لهذين البلدين على أيدي هؤلاء القادة من تحول ديمقراطي، وتقدم صناعي واقتصادي، أصبح يضرب به المثل في عالم السياسة والمال .
أما الملحمة البرازيلية الناجحة، بزعامة القائد العمالي لولا دا سيلفا، التي جعلت من بلاده أكبر مستودع للتنوع الحيوي في العالم، وأسهم في وضع بلاده ضمن أقوى الاقتصادات والقوى الإقليمية، وتبنى سياسة خارجية براغماتية، وبفضل هذه السياسات والبرامج الحداثية، في عالم الاستثمارات والاقتصاد، ارتفعت معدلات النمو في بلاده وحققت مكاسب حازت رضى الفقراء والطبقات الوسطى، وتأييد رجال الأعمال والطبقات الغنية والمتوسطة، واحتلت فيها البرازيل المرتبة السادسة، بين دول العالم، وفازت فيها بشرف استضافة دورة الألعاب الأولمبية لعام ،2016 كانت تلك اللحظة تتويجاً لعبور البرازيل إلى المسرح الدولي كقوة اقتصادية وسياسية وثقافية، وصعوداً ليس وليد اللحظة، بل بدأ قبل عقدين من الزمن، كقوة إقليمية تلعب دوراً محورياً في قضايا القارة والعالم كعرضها التوسط في ملف الشرق الأوسط والملف الإيراني .
وما لم يوفق فيه محمد خاتمي المثقف في إيران من إنقاذ ولو جزء يسير من مشروعه الفكري والسياسي بين سنوات قضاها وزيراً للثقافة، ورئيساً للجمهورية، فهو لتعنت المحافظين والمتشددين، رغم تطلعه إلى بناء مجتمع مدني، فيه دور للمؤسسات المدنية كمثيلاتها في الغرب نقابات وصحف ومؤسسات غير حكومية يحركها هدف وتلتزم بقواعد مختلفة، ضمن خصوصية القيم الدافعة، والحركة للسلوك التي تستلهم من التاريخ الإسلامي، ولعل ما في كتابيه الديمقراطية وحاكمية الأمة والختامية المصالحة بين الدين والحرية، خير تعبير عما يفكر به ويرغب في تحقيقه .
فالصلة وثيقة بين عالم الثقافة وعالم السياسة، وتبدو إشكالية المثقف والسلطة جلية في حالة ما أعطاه للأمة أشخاص من موقع المثقف، وما لا يستطيع أن يعطيه وزراء الثقافة العرب، فكما لا ينسى التاريخ ولا ذاكرة القارة السمراء أن ليوبولد سنغور أول رئيس للسنغال وأحد أهم المفكرين الأفارقة والأديب والشاعر العالمي الشهير قد تنازل عن منصب الرئاسة بمحض إرادته، أيضاً التاريخ لا ينسى مفكرين بحجم، عبد الوهاب المسيري، ومحمد الجابري، وبن باديس، وعلال الفاسي، ومالك بن نبي .
وما من زعيم أو مفكر أو فيلسوف أخلص في سعيه إلا وكان له نصيب مما اجتهد فيه وحلم به، البداية فكرة جمعت حولها قادة كونوا أمة، وأنتجت حضارة مادية من المنتجات والخدمات المختلفة، زراعة وصناعة ومبان وغيرها من الملموسات والماديات . الفيلسوف الألماني هيغل يرى أن القصور البشري لاينقص من العمل شيئاً بل تنبعث منه فكرة ثانية، من خلال التحسين المستمر للأفكار، وإعطاء مساحة واسعة للمتحاورين والمتناظرين والمفكرين، كي لا تخنق الأفكار في مجال معين، بل من خلال اصطراعها تتولد الأفكار الجديدة .
وللفكرة الفلسفية انعكاساتها على السياسة، فولدت التسلط وعلى الاقتصاد فولدت الاستهلاك، وعلى التربية فولدت العنف، هذا الثالوث الذي هيأ المجتمع لتقبل المصطلحات الأيديولوجية الوافدة، وهي كمجهود بشري تعيق أحياناً الفكرة الدينية، عن لعب دورها الحضاري، وتحولها من الممارسة إلى المحاربة .
والراصد للتحولات في العالم، يجد أنه ما من قصة نجاح تحققت إلا وكان وراءها قائد، وبالمقابل ما من فشل تعثر إلا وكان وراءه أيضاً فاعلون . عالمنا العربي، الآن يتعاطى مع أدق وأخطر قضاياه باستخفاف عجيب، وننسب تخلفنا وضعفنا إلى مجاهيل، ونهرب من مواجهة الواقع، ونتوغل في العمى والتعمية كأننا نستمرئ المزيد من الشقاء والتفتّت، ونستدعي المزيد من العصاب الطائفي والمذهبي والإثني، ونعجز عن التفكير في استثمار التطورات في بيئتنا الإقليمية، أو حتى التحاور مع الصاعدين الطموحين بندّية . ونؤسس لعلاقات تعاونية في المستقبل .
للأسف الصدوع تتسع بين الأقطار العربية، وتتربى أجيال جديدة على مفاهيم مضادة للهوية والوطن والآخر، حتى العدو صار ملتبساً، وأكثرنا من الثرثرة عن الاعتدال والتسامح، حتى أنتجنا أسباباً إضافية للغلو والتطرف، وأفرطنا في هدر الإمكانات، فزاد الفساد، وعمّ البر والبحر، وحجم الهوان يكفي لإحداث نقلة في الوعي، ثم الفعل، لكن . . قد أسمعت لو ناديت حياً .
الرقابة أنواع متعددة، منها ما هو مرتبط بالتعبد لله، وما هو خاص في شؤون الحياة وهي أيضاً في هذا الجانب متعددة ومتنوعة، رقابة مالية، رقابة إدارية، رقابة إعلامية وأخرى أمنية، وموضوعنا هنا الرقابة في عالم الإعلام المقروء، والمسموع، والمرئي العام والخاص، الذي بات يشكل محوراً بالغ الأهمية في استراتيجيات هذه المؤسسات، وتأثيراته في المجتمع والأفراد . وبحسب الأدبيات الإعلامية المتعارف عليها، فإن خروج مضمون وسيلة ما، على التوجه العام، يترتب عليه حجب أو حذف أو انتقاء وتكرار وفرض رسالة إعلامية عن سواها، وتتفاوت بحسب السياسات السائدة، وهامش الحريات بين دولة وأخرى، متقدمة أو نامية، في ظل الفضاءات المفتوحة، وشبكات الإعلام التفاعلي أو الوسائط الإعلامية المتعددة، والفوضى الخلاقة التي تجتاح ممارسة هذه المهنة، وبخاصة في عالمنا العربي قبل ثورات الربيع العربي وبعدها .
كما أن الرقابة الذاتية لدى الصحفي أو الكاتب أو المعد أو المذيع أو المسؤول العام في أحيانٍ كثيرة أعلى بكثير من الرقابة الحقيقية، أي بمعنى أنهم ملكيّون أكثر من الملك، وفي حالات أخرى الرغبة إما في تحقيق مكاسب ذاتية، أو تجنب لعقوبات ما، أو لتصفية حسابات ضيقة، وأجندات خاصة، ترسّخت من واقع الممارسة، وأصّلت لها كواقع لا يمكن نفيه .
ومن يتابع المشهد الإعلامي في وسائل الإعلام العربية، يرى كيف تدار وتوجه الرسالة الإعلامية، بحسب فلسفة ورؤية كل مؤسسة، ووفقاً لخطها السياسي وفكرها الأيديولوجي، وبقدر ما تتحرر هذه الوسائل من ضغوط السياسة ورأس المال، بقدر ما تقترب أكثر من المصداقية، وتتسع شريحة مقتنيها ومتابعيها، في ظل هذا الانتشار الواسع لوسائل الإعلام، وشدة المنافسة، وتطور المعلومات، وارتفاع نسب الحريات لحد الفوضى، وبروز تكنولوجيا الاتصال، والثقافات المتباينة، ورغم ازدياد الوعي والفهم لدى شريحة كبيرة من الناس، وعلم أصحاب هذه المؤسسات الإعلامية رسمية أو خاصة، بهذا الواقع الجديد، الذي يستدعي رفع هامش الحريات الهادفة نقداً وتحليلاً وحواراً، وتحجيم مساحة المادة الضعيفة والآراء التي لا تتسم بالصدقية والمسؤولية .
غير أن الواقع لا يعكس ذلك، ومن يتابع حال الإعلام العربي قبل عقود وما هو عليه الوضع الآن في العديد من البلدان العربية يلاحظ العجب العجاب، ويصاب بغصة وألم، ويرى تحدياً صادماً لعقول الناس، من حيث ارتفاع مساحة الخداع السياسي من جانب، والابتزاز الأخلاقي والمهني من جانب آخر، بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى مستوى السب والقذف العلني البعيد كل البعد عن قواعد وسلوكات هذه المهنة، التي لها من الوجاهة والقداسة ما لها، وبات هذا ديدن أغلبية هذه الوسائل رسمية كانت أو خاصة، وتراجع مساحة النقد الذي عرفته وسائل الإعلام، المحكوم بضوابط المهنة والأخلاق، حول قضايا سياسية أو فنية أو اقتصادية أو رياضية . . الخ، لتحقيق التقدم، وإحداث إصلاحات تنموية وسياسية واقتصادية لمصلحة الحكومات والشعوب .
إن تبني هذا النوع من الإعلام ورعايته، له انعكاسات سلبية على الجانبين الرسمي والشعبي، ويعطي شرعية لإعلام الوسائط المنفلت، ويساعد على انتشاره، ويدفع الناس للتكيف معه، بدلاً من تبني إعلام يتصف بالمصداقية، وبمادة صحفية رصينة ومنضبطة، تسلط الضوء على الكثير من العيوب والقصور في مؤسساتنا العربية ، بهدف تلافيها وتداركها إعلاءً للصالح العام .
قد يقول قائل، وما دخل الرقابة الإعلامية في ذلك؟ الجواب إن مقص الرقيب اللاعب الرئيس، لهذا النوع من المادة الإعلامية، أن تفرض سيطرتها على التوجه العام ومجمل ما يبث أو ينشر، في مقابل تضييق النشر على المحتوى والمضمون الجيد، والسبب الثاني يعود إلى ضعف القيادات، كيف كانت وكيف هي الآن، مثلها مثل بقية القيادات الأخرى، في عالم السياسة والاقتصاد والقانون والتعليم والخدمات والقضايا الأخرى . فمعظم المؤسسات العربية بات الحال فيها من بعضه كما يقال، فقضايا الحريات والحقوق، تحتاج إلى شخصيات على قدر كبير من الشجاعة والهيبة والمكانة والنفوذ والكاريزما والقبول المجتمعي، بجانب الخبرة العلمية والعملية، وأن تكون قادرة على الحد من سياسة المنع والتضييق على النقد البناء في الإعلام بشكل خاص، وبالمؤسسة العربية عموماً كالمجالس التشريعية أو في غيرها من المنتديات والملتقيات، وعلى طرح القضايا المجتمعية والدفاع عنها باستماتة واستبسال ومن دون استسلام أو مهادنة .
يضاف إلى ذلك أيضاً حجة ووجاهة ومنطقية القضايا المطروحة، كي تنال الموافقة والدعم من جانب السلطة وأصحاب القرار، والرضا والقبول من قبل الناس، وهذا منعدم في غالب ما نرى ونشاهد، وقد ورد عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، حين سُئل عن الساعة فقال حين يوسد الأمر إلى غير أهله، أي وضع الشخص بغير مكانه، ومن يرصد الساحة في عالمنا العربي اليوم، يرى أن أغلب من يتصدر المشهد هم من هؤلاء الذين يجيدون اللعب على الحبال، ويصورون الأمور على أحسن حال، والويل والثبور لمن يخالفهم الرأي .
والإعلام شريك رئيس في إصلاح منظومة القيم والمفاهيم التي تحدد علاقات وسلوكات الأفراد والنسيج الاجتماعي، بل وفي مجمل المنظومات الأخرى سياسية واقتصادية، وحين تخضع كاملة لرقابة غير مسؤولة وأيد مرتعشة تزيّن القبيح من القول، وتبيح تبني طرح من الطروحات، أو أنها تستسلم له، كتلك التي تؤثر في المضمون الإعلامي، أو أنها تؤسس لمفاهيم غريبة على مهنة الإعلام، لم تكن قبل عقود قليلة سائدة، لا في مناهج الدراسات الإعلامية، ولا في الوسط الإعلامي، هذا العالم الذي تحكمه مبادئ وقيم المسؤولية الاجتماعية، لمن درس نظريات الإعلام، ومنهاج البحث العلمي، ولكن لغياب المعايير الحاكمة لاشتراطات ممارسة هذه المهنة من ناحية، وضعف القيادات من ناحية أخرى، ما أسهم كثيراً في هذا الخلل، وأنتج مثل هذه الأنماط الغريبة، في وقت كان يتطلب رفع سقف النقد في القضايا التي تُطرح وتكون في مصلحة الناس، والنظام العربي ومؤسساته، ويضفي مصداقية لصاحب القرار .
إلا أن غياب القيادات القوية الراشدة وشيوخ المهنة وأساتذتها في عالم الإعلام العربي، الذين يصلحون بعض ما أفسده الدهر، ويسعون إلى تحسين السيئ المتاح، ويضعون أسس التوازن بين المباح والمسكوت عنه والممنوع، في ظل عالم متغير يموج بالفتن والأزمات، والتعامل معه يعد علماً وفناً، لا يجيده إلا من جمع بين الخبرة العلمية والمهنية، وأعطاه الله البصر والبصير . فغياب هؤلاء أو تغييبهم عن الميدان أو انكفاؤهم لسبب أو من دون سبب أو لقلة عددهم، حال دون تحقيق هذا الهدف النبيل، وبتنا في وضع شبيه بإعلام منظومة الدول الاشتراكية قبل تفككها، وازدادت سطوة التوجيه، رسمياً كان أو خاصاً رغم ما يشهده العالم من انفتاح إعلامي، وأصبحت فيه وسائل الإعلام العربية، أسيرة إما لإغراءات رأس المال الرسمي أو الخاص، أو وفق توجهات ضيقة لا تنظر للصالح العام، بقدر نظرتها لتحقيق أغراض خاصة بها، أو لتصفية حسابات في ما بينها، وهذه الظاهرة أكثر وضوحاً في العديد من الدول العربية، التي تتعدد فيها القوى والتيارات، وتشهد فيها الساحة صراعات حزبية وسياسية في ظل ممارسات خاطئة .
وسادت في عالمنا العربي نظرية ترى في تكليف الضعيف فكرياً وسياسياً ومهنياً، خير وسيلة لتنفيذ التوجيهات، والمؤسسة الإعلامية حالها كحال بقية المؤسسات، لن ينصلح أمرها إلا بصلاح أمر المؤسسة العربية برمتها، وهو كما يبدو صعب المنال في ظل ما نرى ونشاهد، ولا يلوح في الأفق ما يؤشر إلى إصلاح حقيقي لحالها قريباً، بل إن اختيار القيادات العربية، يخضع لمعيار الولاء والسمع والطاعة لا الكفاءة والقدرة على المواجهة في اتخاذ القرار، ومن يتابع التغطيات الإعلامية للأنشطة الرسمية في عالمنا العربي يرَ كيف تصور المنجزات الوهمية وتعظم، رغم تخلف الخدمات التعليمية والصحية والإسكانية، وازدياد حجم البطالة بين الشباب من خريجي وخريجات الجامعات والكليات، وتراجع الإصلاحات .
والسبب أن المؤسسة العربية بعامة، تدار وفق معايير خاصة، تختلف عن مثيلاتها في المؤسسات العالمية، وإلى حين قيام القيادات العاقلة والرشيدة في عالمنا العربي بإصلاح هذا الخلل، وإعادة التوازن من وضع الرجل المناسب في مكانه المناسب، علماً، وخلقاً، أعان الله المواطن العربي على ما هو عليه، وأعطاه صبراً وحلماً، لأن في سياسة العناد، مفسدة للعباد والبلاد، في وقت تحتاج فيه أمتنا العربية إلى أهل الرأي، والفكر المستنير، والنصيحة الصادقة الصدوقة، كي تستعيد وحدتها، وتسترد حضورها وحقوقها وتتجاوز ما يدبر لها من مؤامرات كَقِطَعِ الليْلِ الْمُظْلِمِ تضر بالمجتمع حكاماً ومحكومين .
ما من شك في أن علاقة اللغة العربية، بالأمة، علاقة وثيقة ومتجذّرة تتجسد وفق منطق الدوائر الثلاث التي لها مركز واحد بدءاً بدائرة الوطن . فكل إنسان له مكان يولد ويعيش فيه، ويحمل جنسيته وينتمي إليه، ولغة يتحدث فيها يتميز بها عن غيره، يعرف بها، وثقافة يتربى عليها، وتُعدّ حاملة لنسق القيم الاجتماعية، كالدين والأدب والفن والعادات والأعراف، وهذا يعني أن لكل إنسان، مكاناً، ولساناً، وثقافة .
ولأهمية موضوع العروبة بالنسبة إلى العالم العربي، انعقدت العديد من المؤتمرات واللقاءات، لمناقشة قضايا العروبة ومستقبلها، وتأثيراتها في مستقبل المشروع العربي، في ظل التحولات التي يشهدها عالمنا العربي . ويأتي انعقاد مؤتمر اللغة العربية الذي نظمته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتعاون مع المجلس الدولي للغة العربية ومنظمة اليونيسكو في الفترة من 7 10 مايو/أيار 2013 وبرعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تقديراً من قيادة الإمارات لمكانة العروبة في الفكر والسياسة والتخطيط ولعلاقة اللغة بالإبداع والابتكار والفنون، وقدم فيه الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع رؤية نقدية واضحة المعالم لامست كل مايتعلق بمكانة العروبة ودورها في بناء الأمة فكرياً وسياسياً وعلمياً، وحظي بمشاركة كبيرة من جميع أنحاء العالم، وباهتمام المختصين والباحثين .
ومن هنا علينا الاعتزاز بالعروبة كمشروع وهوية، وتعظيم مكانتها كلغة حية وعالمية، قادرة على العطاء في مجالات، التدريس والتعامل اليومي . فدول العالم التي حققت تقدماً ونهضة حديثة . وأسهمت في الحضارة المعاصرة، اعتمدت على لغتها القومية، فالعروبة مفهوم أكثر رحابة وقادر على التواصل مع حضارات وثقافات العالم المختلفة، في مختلف مجالات الحياة، الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، واستطاع الشعراء التعبير عن هذا المعنى باعتبار اللغة شعراً، والشعر خيال، وعبّر القرآن الكريم عن اللغة والشعر فقال الحق وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين وكانت معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم بإعجاز القرآن وسحره البلاغي إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وأصبح القرآن الكريم تعبيراً عن الوجدان العربي .
والحديث عن العروبة ومستقبلها سيظل شاغلاً لقيادات عالمنا العربي ونخبه السياسية والفكرية، رغم كل التحديات التي تواجه المشروع العربي، والعمل للخروج به من حالة الاستسلام لمنطق التفكك والضعف، وإعادة الثقة لوحدة الأمة وتماسكها، بعد أن وصل الحال إلى مستوى قاس وصعب، حيث تلاحقت الفتن والزلازل، وتعددت مسارح التمزق العربي، وبتنا ندعو في صلواتنا لتبقى الدولة القطرية متماسكة، لا تتفتت إلى فيدراليات أو بين شمال وجنوب، بعد أن اختار العرب المشي بمحاذاة الجدران المتداعية، وانتهوا إلى شبه استقالة من التاريخ، وغيبوبة قومية، وحالة نفسية قابلة للتدجين .
وطال ليل حال الأمة، وازداد ضعفها ليشمل السياسة والثقافة والدين وصولاً إلى الشارع، وبات الحديث عن العروبة، مرتبطاً بما يجري حولنا من تحولات وتغييرات، تمس أمن الوطن العربي ومستقبله، وبالتطور الديمقراطي والحداثة، فالعروبة ليست مفهوماً جامداً، بل هي ثقافة إنسانية تشكّل منطلقاً لحداثة أصيلة، وتؤصّل لهوية ثقافية وحضارية لمنطقتنا العربية، وترمز إلى الوطن والإنسان، والأمة والشعب والتاريخ، والوجدان والوجود العربي .
وهي ليست منظومة أيديولوجية أو فكرية سياسية، وإنما ثقافة وطنية قومية تشكّل أساساً لوحدة الشعب في كل دولة عربية ولوحدة الأمة بشكل عام، تحتاج بالضرورة إلى طرح برنامج إصلاحي ديمقراطي اجتماعي يحقق تطلعات المواطن العربي المدنية والعدالة الاجتماعية، ويقف في وجه الفساد والاستبداد السياسي والاقتصادي، ويُعلي من قدر النقد الإعلامي والبرلماني في الموضوعات العامة التي تمس اهتمام الناس ومتطلباتهم الحياتية، فالانتصار للعروبة، يتطلب في هذه المرحلة الحرجة، تحديد العرب أهدافهم المشتركة، التي تحمي وتصون أمنهم الوطني .
فالعروبة كمفهوم مرتبط بالتطور والتقدم والحداثة، وتتعزز من خلال الممارسة والنقد، لاسيما في ظل مايواجه الأمة من أخطار تبدو وكأنها تدور حول نفسها، تضرب كفاً بكف وتستعيذ بالله من الشياطين، إنساً وجناً، سياسة واقتصاداً وأمناً، ولاغرابة في ذلك، لأن الانهيار العربي صار مفتوحاً على الغارب، ووصل الحال إلى مستوى دفع إلى استجلاب العون من الخارج، وأدى ذلك إلى التراجع، على مستوى التوحد بين دوله، وإخفاق مشروعه العربي الذي قام على تصور محدد للعقلانية، ما يستدعي ابتكار طرق جديدة، وتعظيم ثقافة الحداثة السياسية، ومعالجة أخطاء تجربة المشروع العربي، من واقع إعادة بناء مشروع التحديث السياسي، وتجاوز التراجعات من أجل المساهمة في إعادة النهوض به، وهو ما يحتاج إلى ممارسة فعلية في مجال التطور السياسي، في التاريخ الإنساني، للوصول إلى تحقيق مطلب الإصلاح المتدرج في أغلب المجتمعات العربية وفق أطر العلاقات الدولية التي تنشأ في التاريخ بين الأمم والشعوب من أجل تدبير أفضل لعلاقاتها ومستقبلها يكون ملبياً لآمالها وطموحاتها في التاريخ، وتحديث يتوافق مع إرادات الفاعلين وطموحاتهم المتغيرة ووفق معايير قابلة للتطوير، في ضوء تجارب أنجزت وأخرى مازالت تنجز حسب مصالح الدول ومن دون إغفال مقتضيات اللغة التاريخية .
فمستقبل العروبة سياسة ولغة، مرهون بتعزيز وترسيخ قيم الحداثة والتحديث وبناء مجتمع المواطنة، في عالمنا العربي، اعتماداً على مدخل الإصلاح السياسي، في ظل عالم يشهد حراكاً بين مختلف الحضارات، وتلعب فيه الثقافة والفنون دور القوة الناعمة، لما لهما من دور مؤثر في العديد من القرارات . ولقد تأخر العرب كثيراً في إصلاح منظومتهم الدينية والثقافية والسياسية، بل وفي إصلاح المؤسسات العربية عموماً، رغم مضي أكثر من قرنين من الزمان، ولايمكن أن يحدث تحول حقيقي واستراتيجي يحقق وحدة الأمة العربية والنهوض بها إلا بوجود قيادات عربية تؤمن بقيم العروبة ووحدتها .
وقد شكلت قيادة خالد الذكر المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، نقلة نوعية في تاريخ المنطقة العربية، فمن بين تجارب عروبية عديدة سبقت تجربة الاتحاد، لم تنجح إلا تجربة زايد دون غيرها، فما هو السر في ذلك؟ . . السر في ذلك أن زايد كان محباً ومؤمناً ومخلصاً في حبه للعروبة فقرب إليه المفكرين والإعلاميين وشجع الشعراء والباحثين، وأيضاً في إيمانه بالوحدة العربية عموماً والوحدة بخاصة بين إمارات الخليج التسع ثم السبع وتحدى كل المعوقات، وتمكن من قيام دولة اتحادية قوية، وبناء تجربة ناجحة أشاد بها البعيد قبل القريب، وواصل سعيه إلى تحقيق وحدة أبناء العروبة بالخليج في تأسيس مجلس التعاون الخليجي في عام ،1981 وكان يحلم بتحويله إلى اتحاد خليجي لصد المؤامرات التي تحاك ضد دوله وللمنطقة بعامة . وتواصل قيادة الإمارات الشابة السير على نهج الآباء المؤسسين، والعمل مع قيادات الخليج لتحويل الحلم إلى حقيقة، لأن في الاتحاد والوحدة قوة لمنطقة الخليج العربي وللمنطقة العربية، بل وللمشروع العربي بكافة .
سقوط الاتحاد السوفييتي، أنهى حقبة الصراع بين معسكرين رأسمالي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية واشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، وبهذا الانهيار للمعسكر الشرقي انتهت حقبة الحرب الباردة، وأصبحت روسيا الاتحادية جزءاً من المنظومة الجديدة، وتجاوزت كل محالات الهيمنة التي سعت إليها الولايات المتحدة بضمها وجعلها ملحقاً تابعاً في الحوش الأمريكي الكبير، وباءت كل التحليلات التي توقعت ذلك بالفشل، وأصبح العالم رأسمالياً صرفاً وانتهى الصراع بين معسكر رأسمالي وآخر اشتراكي، بل إن الصراع القائم هو بين رأسماليات جديدة، تسعى كل منها إلى إقامة منظومات خاصة بها بأشكال غير التي كانت تقام عليها التحالفات بين المعسكرين، وتبدلت كثيراً من المعادلات والمفاهيم التي كانت تحكم العلاقات الدولية، وفرض العامل الاقتصادي هيمنته على سياسات هذه الدول واستراتيجيتها لتجاوز التحديات والأزمات المالية التي مرت بها معظم دول العالم .
تحولات كبيرة شهدها العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، فروسيا على غير ما توقع المحللون، وأوروبا لم تعد جزءاً من الثالوث، واليابان تتهمش، والصين تفرض إيقاعاً جديداً يمثل الخطر الأول على الولايات المتحدة .
الولايات المتحدة فشلت بفرض هيمنتها من جانب واحد، وبتأسيس عالم أحادي القطب، ورمت الأزمة المالية بظلالها على الوضع العالمي الجديد، وأثّرت في القرار الأمريكي بصورة جلية وواضحة لا لبس فيها، وسعت إدارة أوباما في فترته الأولى تجاوز تلك الأزمة، عبر الاستمرار في سياسة بوش الابن، إلا أنها لم تنجح في ما سعت إليه، ولم تعد أمريكا هي أمريكا التي عرفها العالم واستقرت في أذهان الناس، ما دفع بأوباما إلى اختيار فريق عمل جديد يمتلك رؤية مختلفة من أجل إعداد المسرح لاستراتيجية جديدة، ستطبع بطابع تشاك هاغل وزير الدفاع وجون كيري وزير الخارجية العضوين الجديدين في إدارة أوباما، لمواجهة عالم يشهد تحولاً مطرداً لقوة مبعثرة غير ممركزة نحو الشرق والجنوب، بمساعدة أعضاء جدد للعب أدوار ما في فترات ما، وفق خطط خفض الإنفاق في الموازنة العامة للولايات المتحدة التي تواجة مشكلات عديدة، والاعتماد على مشاطرة أكبر في العبء من جانب حلفاء وشركاء أمريكا، ولقد عمل هاغل وكيري في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ مع أوباما ونائبه بايدن وحارب كلا الرجلين، وجرحا في فيتنام فهما يدركان كلفة التدخلات العسكرية والقتال .
انطلاقاً من هذه الاستراتيجية سيلعب الرجلان بحكم صلاتهما القوية بأوروبا ومناطق نفوذ الولايات المتحدة، دوراً باستغلال الدبلوماسية إلى أقصى حد قبل اللجوء إلى القوة، وبمعالجة ما وقعت فيه استراتيجية الولايات المتحدة في فترة أوباما الأولى، من خلال الحرب في أفغانستان والعراق، التي انتهت إحداهما والأخرى على وشك أن تنتهي ما سيقلل من الوجود العسكري الخارجي، وهو ما يخدم سياسة خفض الإنفاق الذى تسعى إليه الإدارة الأمريكية . بمعنى أن الولايات المتحدة عليها مواجهة عالم أكثر خطورة بموارد أمنية وطنية أقل، أو إيجاد شراكات دولية قوية تتولى بعض المهام الضرورية .
ويضع بعض الباحثين والمفكرين تصورات تعرف بالموازنة من خارج المجال الإقليمي وهو مفهوم يعتمد على استخدام قوة عظمى قوى إقليمية مفضلة لديها، للحد من تصاعد قوى معادية، وهذه السياسة ربما يترتب عليها فك الارتباط مع الولايات المتحدة، بل احتمال انهيار تحالفاتها، ومن هنا تسعى الإدارة الأمريكية إلى تمكين شركائها الدوليين من العمل معها وتولي الدور القيادي في مناطقهم، واتضح ذلك جلياً إبان فترة إدراة كلينتون حيث ازداد عدد الشركاء في الحفاظ على الاستقرار العالمي، وتولي إدراة أوباما الحالية أهمية خاصة لإنعاش الشركات الدفاعية، وبخاصة مع أوروبا وآسيا والديمقراطيات الصاعدة في البرازيل والهند وإندونيسيا، إلى جانب المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي .
باختصار، يشهد العالم مخاضاً من أجل تشكيل عالم جديد لم يتبلور بعد، مختلف عن عالم الحرب الباردة وعالم الأحادية والقطبية بل والعالم القديم، ولن يكون عالم الرأسمالية ذاتها .
أمريكا تراجعت عن سياساتها الأحادية القطبية، وباتت تتكيف مع وضعها الجديد، ولم تعد قادرة على أن تكون زعيمة العالم، واقتنعت بأن تكون قوة عظمى بين قوى متعددة، وتسعى إلى حل مشكلاتها المالية، والحد من تداعيات تصاعد الصين القوي، الذي بات شاغلها الأول، ووضع الخطط اللازمة من منظور الحماية من الصين وتعزيز ترتيبات التجارة الحرة مع آسيا وأوروبا من منطلق استراتيجية الشراكة إلى الأمام ودعم الروابط السياسية مع الشركاء الذين يتشاطرون الأفكار، وتقوية اقتصاداتهم، واستمرار التموضع في الأمام، دونما انسحاب، بهدف تمكين الشركاء من القيام بمسؤولياتهم بنجاح يوفي بتحقيق الأهداف . أما روسيا فتتقدم، وباتت تتصرف كقوة تريد حصتها في تقاسم العالم الجديد، مستفيدة من ما تمر به الولايات المتحدة من أزمة مالية خانقة ومشكلات اقتصادية، سعياً منها لفرض إيقاع جديد يذكّر بأجواء الحرب الباردة ويعبّر عن تنافس قوي لبسط السيطرة والاستحواذ على الأسواق وتحقيق مكاسب مالية . روسيا ليست الاتحاد السوفييتي الذي دعم حركات التحرر من أجل إضعاف نفوذ المعسكر الغربي لكي تنتصر الاشتراكية، وإنما روسيا الجديدة المتطلعة لكسب الأسواق وإقامة تكتلات جديدة واعدة كتجمع مجموعة البريكس وتشكيل محور عالمي يرث الثالوث القديم أمريكا وأوروبا واليابان .
الصين من جانبها تطرح نفسها قوة منافسة على المستوى السياسي، لكن قوتها تكمن في التنافس الاقتصادي، حيث تستحوذ على كتلة نقدية تصل إلى 3 تريليونات دولار وتوظف في سندات الخزينة بمبلغ يصل إلى 1،5 تريليون دولار، وسلعها تغزو العالم بما يجعلها قوة تجارية من الدرجة الأولى، وتسعى إلى امتلاك قوة عسكرية هائلة، تشكل خطراً على أمريكا .
بينما تعاني اليابان أزمات حادة، ومشكلات مالية أضعفت من قوتها الصاعدة، وهمّشت من مكانتها، فيما تواجه الدول الأوروبية بمديونيات قد تدفع بها إلى الانهيار، باستثناء ألمانيا، في حين يتأرجح الوضع في فرنسا ويبدو في تناقض مع مطامح ألمانيا وتخلي أمريكا وطموح روسيا .
عالم مضطرب لم يتشكل بعد لكن يبدو واضحاً أن أمريكا لم تعد أمريكا التي يعرفها العالم، وأن الصورة النمطية على أنها طرف في الحرب الباردة وقائدة المعسكر الرأسمالي والطرف الوحيد المسيطر في تفاصيل العالم، قد تغيرت، ولم تعد تلك التي كانت في أذهان الناس، فأزمة 2008 قلبت الوضع كله، وأدت إلى تراجع أمريكا، وجعلها تعيد رسم تحالفاتها وتموضعها العالمي، وباتت تولي اهتماماً أكبر بمنطقة الباسيفيك آسيا - المحيط الهندي .
مما سبق نجد أن العالم الجديد لم يتشكل بعد، ومعظم الصراعات تتم في الخفاء، وتسعى كل دولة إلى الحفاظ على وضعها القوي القائم أو تدعيم وضع حلفائها على حساب الآخر، كما أن تراجع أمريكا لا يعني انسحاباً شاملاً وسريعاً، بقدر ما شكلت فيه منطقة الباسيفيك محور ومحدد السياسات والأولويات الأمريكية، مقابل تراجع الاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط إلى مرتبات الدرجة الثالثة أو الرابعة .
وهو ما يفرض التفكير في الدور الجديد لأمريكا في الشرق الأوسط، وتلمس ما تقوم به قوى أخرى، وسيظل العالم يبحث عن مخارج وحلول لأزماته الاقتصادية، وسط هذه الهزات المتكررة التي يعانيها، ولن تتمكن أي قوة الهيمنة منه على العالم من جديد، بقدر ما تفتح مجالات لصراعات كبيرة وأزمات عميقة، قد تؤدي إلى فتح أفق لعالم جديد أكثر أمناً وعدلاً .