غربلة الأمثال الشعبية

02:53 صباحا
قراءة دقيقتين
أتاحت لنا الدراسات الحديثة عن الأمثال الشعبية المتوارثة فرصة إعادة النظر في الكثير من الأمثال السلبية، التي أفرزتها عصور الانحطاط؛ إذ لا يمكن لأمثال من طراز «ما حك جلدك غير ظفرك» أو «على قدر فراشك مد ساقيك» أو «الكف لا تلاطم المخرز» أن تكون قد وصلت إلينا من عصور ذهبية؛ لأن الانكفاء والتشرنق داخل الذات والتحريض على الأنانية هي ظواهر من صميم فترات مظلمة في التاريخ بعكس أمثال أخرى تقدم الإيثار على الإثرة وتحرض على الشجاعة في إبداء الرأي والمساهمة في تخفيف شقاء الآخرين.
والغربال النقدي الذي تحتكم إليه مثل هذه الدراسات هو مزيج من علوم النفس والاجتماع والانثربولوجيا؛ لأن ثنائية النهوض والسقوط تحكمها قوانين وتتحكم بمنسوبها ظروف موضوعية، وللاقتصاد دور لا يمكن إغفاله في هذا السياق.
ولو أخذنا المثل الموروث عن الكف والمخرز نجده نموذجاً في السلبية والانسحاب من الصراع، وبالتالي الاستنقاع والخضوع؛ لأن من قالوه لم يكتشفوا في زمنهم وظائف أخرى للكف منها الكتابة والرسم والنحت والعزف أيضاً، بحيث يبدو المخرز أمياً وضعيفاً أمام هذه القوى الناعمة.
لولا إصرار الكف على ملاطمة المخارز كلها لما كانت حروب استقلال في التاريخ العربي، ولما دفع العرب منذ قرن على الأقل ملايين الشهداء؛ دفاعاً عن حريتهم وحدود أوطانهم.
فالكف إذن تلاطم المخرز والسيف أيضاً إذا كانت لها وظائف حضارية منها الكتابة والرسم والعزف، إضافة إلى وظيفة أخرى هي الضغط على الزناد.
والمثل الذي نكرره أحياناً بمعزل عن الظروف التي أفرزته وهو «ما حك جلدك غير ظفرك» ينزع عن الإنسان صفته الاجتماعية وما سماه ابن خلدون الإنسان مدني بالطبع، فالحك بمعناه الرمزي متبادل وكذلك كل الأنشطة البشرية التي تتأسس على التكامل وليس على التآكل!
أمثالنا الشعبية المتداولة بحاجة إلى غربال نقدي صارم.
خيري منصور

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"