المعلم الذي صعد نوبل

00:31 صباحا
قراءة دقيقتين
احتفل العالم في 11 الجاري بالذكرى السنوية لاكتشاف الأنسولين، واكتشفه الطبيب الكندي فردريك بانتنغ. الذي لفت نظري هو بدايته، إذ كان مكلفاً بمهمة إلقاء محاضرة عن مرض السكري الذي كان مرضاً فتاكاً في ذلك الوقت، ودفعته المحاضرة التي كان لابد أن يلقيها، إلى البحث والقراءة عن المرض، حتى أثار فضوله هرمون يفرزه البنكرياس، قبل أن يعرف أن ذلك كان الأنسولين. وبمساعدة الطبيب جون مكليود وطالب الطب تشارلز بست، تمكن من فصل الأنسولين من البنكرياس، وفي 11 يناير/كانون الثاني 1922 تمت أول تجربة ناجحة للأنسولين على البشر، وحصل بانتنغ على جائزة نوبل للطب في 1923، وتقاسم مبلغ الجائزة مع مكليود وبست.

معظم الناس عندما يقرؤون قصته يعلقون على فضوله وأهمية الفضول، أو على ذكائه، أو على دقته، إذ إن هرموناً لم يلتفت إليه أحد كان لفت نظره، إلا أنني أعلق على شيء آخر مختلف تماماً، هو اهتمامه بالمحاضرة التي كان سيلقيها، لدرجة القراءة عن موضوعها بتعمق ودقة وشمولية إلى أن وصل نحو آفاق مظلمة لم يكن يعلم أنه هو من سيضيئها، هذه هي عظمة أي مهنة تقوم على أساس نقل ونشر العلوم والمعارف، فمن يزاولها يبحث ويقرأ ويكتب ويفكر ويدقق ويسأل ويجيب، لأجل نقل شيء صحيح وقيّم لعقول أخرى فقط. 

هذه القيمة هي التي تجعل معظم الحضارات والأمم تحتفي بمهنة المعلم، والمعلم ليس هو الذي يقف أمام طلاب في مدرسة فقط، بل يمكن أن ينطبق هذا اللقب على الأساتذة والمعيدين، وقد يكون الأخ الأكبر أو الوالدين، إلا أنني مع الأسف أقولها: ليس كل معلم، هو حقاً، جديراً بكل ذلك التبجيل، فقد انتشرت في الآونة الأخيرة فئة قليلة لا يلقون بالاً تجاه مسؤوليتهم في إيصال الرسالة التعليمية، ولا يعيرون المادة العلمية تلك الدرجة التي تحتاج إليها من البحث والتقصي والفهم، أولئك لا يدركون أن هناك عقولاً بانتظار العلم والمعرفة التي يمتلكونها. الأدهى والأمّر أنك قد تجدهم يتكلمون مع تلامذتهم ب"جلافة"، يملأهم الكبر والغرور، ويكاد الروتين والملل ينطقان في عيونهم، أصنام، يعملون لأجل الراتب فقط، من دون شغف، من دون رسالة، من دون هدف.
ورغم أنني لست دائماً أثق بشكوى الطلاب وتذمرهم المستمر، إلا أنني أدرك أنه في بعض الحالات قد يكون معهم حق.

بانتنغ لم يشعر بأي إهانة عندما سمح لتلميذه بست بأن يشاركه أبحاثه، بل إن هذه المشاركة تعتبر دعماً لبست نفسه، وفي نهاية المطاف ساعده على اكتشاف الفتح العلمي الذي قاده إلى «نوبل».

وهنا أعتقد أن مقولة الكاتب الأمريكي ويليام آرثر وارد تنطبق على بانتنغ، فهو يقول «المعلم المتواضع يخبرنا، والجيد يشرح لنا، والمتميز يبرهن لنا، أما المعلم العظيم فهو الذي يلهمنا». وأي إلهام أعظم من أن تثق بتلميذك وتحرص على ما يصل إلى عقله.
إذا كان المعلم يريد حقاً أن يستعيد عظمة مهنته وقيمتها فيجب عليه أن يمتلك جوهرها أولاً، وهو الإخلاص والشغف.

شيماء المرزوقي

[email protected]

www.shaimaalmarzooqi.com.

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

كاتبة وناقدة إماراتية ومؤلفة لقصص الأطفال وروائية. حصلت على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة ومرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية، في عام 2011 من جامعة زايد بدبي. قدمت لمكتبة الطفل أكثر من 37 قصة، ومتخصصة في أدب اليافعين

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxaz7la2