في حديث ثري بين عملاقين من عمالقة الأدب الكلاسيكي الروسي، هما أنطون تشيخوف ومكسيم جوركي تمّ أثناء زيارة الأخير للأول في بيته بضيعة روسية نائية، بادر تشيخوف ضيفه بالقول، وهو يشكو له الأحوال الصعبة في الضيعة، منطلقاً من موضوع التعليم بالذات: «لو كنت تعرف مدى احتياج الريف الروسي إلى معلمين طيبين مثقفين أذكياء. في روسيا ينبغي لنا أن نعد للمعلمين ظروفاً استثنائية، وأن نفعل هذا في أسرع وقت ممكن، باعتبار أننا ندرك أنه ما لم يحصل الشعب على ثقافة واسعة، فإن الدولة تنهار مثل بيت مبني من قرميد لم تشوهِ النار جيداً».
المعلم، برأي تشيخوف، «يجب أن يكون فناناً، شغوفاً بعمله إلى أبعد الحدود، في حين أن معلمينا خشنو الأيدي، نصف مثقفين ويذهبون إلى القرية لتعليم الأولاد وفي جوانحهم شعور، كما لو كانوا يمضون إلى المنفى، يعيشون في خوفٍ دائم من فقدان ما يقيم أودهم، بينما ينبغي أن يكون المعلم قادراً على الإجابة عن جميع الأسئلة التي يطرحها عليه الفلاحون، كما يغرس في نفوسهم احترام سلطانه».
قال تشيخوف لمحدثه أشياء أخرى كثيرة ومهمة، لا تتسع المساحة لتعدادها، لكن لا يمكن أن نغفل أبداً قوله التالي: «سخافةٌ أن تدفع قروشاً زهيدة لإنسان يُستدعى لتعليم الشعب».
هذا حديث عن روسيا القرن التاسع عشر، ولا شك أن حال التعليم في هذا البلد لم يعد بالبؤس الذي كان عليه عند حديث تشيخوف لجوركي عنه، وأن منظومة التعليم هناك تطورت علمياً، للدرجة التي حملت الولايات المتحدة حين بوغتت بتحليق يوري جاجارين حول الكرة الأرضية، إلى استنفار كل قواها للحاق بالسوفييت في غزو الفضاء، وشكلت لجاناً مختصة من أجل ذلك، كلفت واحدة منها بدراسة النظام التعليمي السوفييتي للإفادة من مواقع التفوق فيه.
لكن هذا الحديث يهمنا نحن، عندما نتحدث عن أحوال التعليم المتردية في عالمنا العربي، وإذا كان تشيخوف تحدث عن معلمين أنصاف مثقفين في روسيا القرن التاسع عشر، فإنه يمكننا اليوم الحديث، ونحن في القرن الحادي والعشرين، عن معلمين أنصاف متعلمين، لا أنصاف مثقفين فقط، لأن التعليم لم يبلغ حتى اللحظة الموقع الذي يجب أن يكون فيه في طليعة الأولويات، رغم أن رواد الفكر النهضوي العرب دعوا إلى ذلك باكراً.
الكثير من أحوالنا ستصلح، لو أعددنا معلمين مثقفين وربيناهم على أفكار التسامح والتفتح، ولو قدّمنا من المحفزات المادية والمعنوية ما يجعل مهنة التعليم، النبيلة بطبيعتها، جاذبة للكفاءات، بدل أن تكون طاردة لها كما هي الحال الآن، لأن أجيالاً جديدة ستنشأ محصنة بالعلم والمعرفة بوجه الخرافة والزيف و«الدعشنة».
المعلم، برأي تشيخوف، «يجب أن يكون فناناً، شغوفاً بعمله إلى أبعد الحدود، في حين أن معلمينا خشنو الأيدي، نصف مثقفين ويذهبون إلى القرية لتعليم الأولاد وفي جوانحهم شعور، كما لو كانوا يمضون إلى المنفى، يعيشون في خوفٍ دائم من فقدان ما يقيم أودهم، بينما ينبغي أن يكون المعلم قادراً على الإجابة عن جميع الأسئلة التي يطرحها عليه الفلاحون، كما يغرس في نفوسهم احترام سلطانه».
قال تشيخوف لمحدثه أشياء أخرى كثيرة ومهمة، لا تتسع المساحة لتعدادها، لكن لا يمكن أن نغفل أبداً قوله التالي: «سخافةٌ أن تدفع قروشاً زهيدة لإنسان يُستدعى لتعليم الشعب».
هذا حديث عن روسيا القرن التاسع عشر، ولا شك أن حال التعليم في هذا البلد لم يعد بالبؤس الذي كان عليه عند حديث تشيخوف لجوركي عنه، وأن منظومة التعليم هناك تطورت علمياً، للدرجة التي حملت الولايات المتحدة حين بوغتت بتحليق يوري جاجارين حول الكرة الأرضية، إلى استنفار كل قواها للحاق بالسوفييت في غزو الفضاء، وشكلت لجاناً مختصة من أجل ذلك، كلفت واحدة منها بدراسة النظام التعليمي السوفييتي للإفادة من مواقع التفوق فيه.
لكن هذا الحديث يهمنا نحن، عندما نتحدث عن أحوال التعليم المتردية في عالمنا العربي، وإذا كان تشيخوف تحدث عن معلمين أنصاف مثقفين في روسيا القرن التاسع عشر، فإنه يمكننا اليوم الحديث، ونحن في القرن الحادي والعشرين، عن معلمين أنصاف متعلمين، لا أنصاف مثقفين فقط، لأن التعليم لم يبلغ حتى اللحظة الموقع الذي يجب أن يكون فيه في طليعة الأولويات، رغم أن رواد الفكر النهضوي العرب دعوا إلى ذلك باكراً.
الكثير من أحوالنا ستصلح، لو أعددنا معلمين مثقفين وربيناهم على أفكار التسامح والتفتح، ولو قدّمنا من المحفزات المادية والمعنوية ما يجعل مهنة التعليم، النبيلة بطبيعتها، جاذبة للكفاءات، بدل أن تكون طاردة لها كما هي الحال الآن، لأن أجيالاً جديدة ستنشأ محصنة بالعلم والمعرفة بوجه الخرافة والزيف و«الدعشنة».
د. حسن مدن
[email protected]