الزمن مقاطع

03:46 صباحا
قراءة دقيقتين
د. حسن مدن

لا يثبت الزمن على حال. حتى في حال الجمود التي تصاب بها الأمم والبلدان فإن الزمن نفسه لا يتوقف، فهو يتدفق كما يتدفق ماء النهر في مجاريه الطويلة، ولا يبدو الزمن نفسه آبهاً بما هي عليه الحال عند الناس، أفراداً كانوا أو جماعات، مستقرين أم مضطربين، سعداء أم تعساء، فقراء أم أغنياء، فهذا ليس من شأنه. إنه لا يتوقف، وأيضاً لا يسرع الخطى لأن أمة من الأمم تعيش ظروف حرب، أو بالعكس تعيش حالاً من السلم والرخاء والازدهار.
رغم ذلك، فإن الزمن الممتد يمكن، لا بل ينبغي، تقسيمه إلى مقاطع، لكل مقطع ما يميزه عن سواه. هذا التقسيم هو صنعنا نحن البشر، لا صنع الزمن نفسه الذي لا يشعل حرباً وليس من مسؤوليته وقفها، وليس هو من يؤمن الرخاء لأمة من الأمم، حتى يكون مسؤولاً عن إدامة هذه الحال، والحيلولة دون زوال ما عليه الناس من نعمة. كل ذلك من صنع البشر أنفسهم، يفعلون ذلك بإرادتهم، بأن يقوموا بالخيّر من الأعمال حتى ينعموا بالاستقرار والرخاء، وبالعكس يحدث أن يراكموا من الأخطاء، التي تتحول إلى أسباب شقائهم وتعاستهم وخرابهم.
ولأن الزمن مقاطع، فإن الأجيال تتوزع على هذه المقاطع. محظوظ ذلك الجيل الذي يولد وينشأ ويكبر ويموت والحياة من حوله مستقرة، مزدهرة، خالية من المجاعات والكوارث والحروب، وتعس ومنكوب الجيل الذي يعيش في مقطع تكثر فيه الحروب وتتفشى الأوبئة وتباغته الكوارث، فيصبح على خلاف الجيل الآخر مثقلاً بذاكرة من الأوجاع والمآسي.
وبسبب هذا فإن ذاكرات البشر تتوزع حسب طبيعة المقاطع التي عاشوها. ولنطبق ذلك على أحوالنا العربية، ولنأخذ مثلاً أي بلد من البلدان العربية مثالاً، وليكن لبنان، فمن ولدوا وكبروا وأسسوا عائلات وأقاموا مشاريع في المقطع الزمني السابق لآخر حرب أهلية عرفتها بلادهم، يظل مسكوناً بالنستولوجيا لذلك المقطع الزمني المزدهر الذي عاشه، وبالعكس فإن الجيل الذي فتح عينه على الحرب الطاحنة التي عصفت بالبلد بكافة ارتداداتها من عدم استقرار وضنك في العيش واضطرار للهجرة وما إلى ذلك، يظل محملاً بالأوجاع التي تستدعيها ذاكرة تلك المرحلة.
ما يصح على لبنان، يصح على العراق وسوريا والسودان واليمن وغيرها من البلدان العربية التي خبرت هذا النوع من التعاقب، أو فلنقل التناوب، بين حالين: سيئ وحسن، ولكن وجه الفدح في الأمر، بالنسبة لأحوالنا العربية، لا يكمن في هذا التناوب، وإنما في حقيقة أن بلداننا وهي تعيش المحن والتسلط والفتن تظل تحلم بمستقبل أفضل ينهي، أو على الأقل يخفف، ما تعاني منه، لكن القدر القاسي يأتيها بما هو أسوأ، بما ينطبق عليه القول إن المصائب لا تأتي فرادى، ما يجعل الناس تترحم على أزمنة طغاة أذاقوها الويلات، لأن ما أتى بعدهم كان أشد قسوة وطغياناً.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"