د. حسن مدن


كنت أحسب أن مفردة التسويف حين ترد على الألسنة، أو في الخطابات، فإنما تأتي، فقط، على سبيل نقد أو مذمة آخرين سوانا، سواء أكانوا أفراداً أم مؤسسات.
ونحن في بلداننا العربية نأخذ على أجهزة حكومية كثيرة معنية بخطط التنمية، أو تقديم الخدمات للناس، وقوعها في آفة التسويف هذه، فالشارع الذي يحتاج إصلاحه، أو تبليطه إلى شهر، أو أسابيع، قد يستغرق شهوراً، وما أكثر ما تقطع الجهات المعنية وعوداً أمام المستفيدين بأن خطة تنموية معينة ستنجز خلال عام، أو عامين مثلاً، انطلاقاً من دراسات وحسابات يضعها مختصون عن المدى الزمني الضروري لهذا الإنجاز، ولكن يمر العام، والعامان، والثلاثة، وأكثر، والمشروع «محلّك راوح»، كما يقال.
طبعاً نصادف في بلدان أخرى الحال النقيضة، فالمشاريع تسلّم في أوقاتها، وفي بعض الحالات يتم إنجازها حتى قبل موعدها، مع المحافظة على مواصفات الجودة الضرورية، وعدم التفريط في أي منها.
ولكن تقريراً وقعت عيني عليه، يجده الراغبون منكم على موقع «بي. بي. سي»، من وضع كلوديا هاموند، تحثنا على تفادي التسويف، وتجرد منا الصفة الاتهامية التي نطلقها على آخرين بالتسويف في إنجاز ما اتفقنا معهم عليه، أو للدقة، فإنه لا يحصرها في هذا، وترى كاتبة التقرير أننا أنفسنا نلجأ إلى هذا التسويف للتهرب من إنجاز مهام تخصنا، باختلاق مشاغل أخرى قابلة للتأجيل، لأن الانشغال بها يصرفنا عن التفكير في مهام أكثر إلحاحاً يتعين علينا إنجازها، محذرة من الخسائر التي يجلبها هذا علينا أنفسنا، لا على غيرنا.
ولفتني أن التقرير استخدم كلمة تسويف إلى جانب كلمة المماطلة، فسألت نفسي: أتراهما الأمر نفسه، أم أن التسويف شيء، والماطلة شيء آخر؟ فاستفتيتُ مواقع اللغة التي أفادت بأنهما الشيء نفسه تقريباً، بل إنها تشرح أحدهما بالآخر، على غرار ما فعل موقع «معنى المعاني الجامع» الذي أفاد بأن الإكثار من التسويف هو«المماطلة في أَداء دَين أَو ما شابه».
ومن مرادفات التسويف حسب الموقع: «إبطاء، إرجاء، إِمهال، إنْساء، تأجيل، تأخير، مطاولة، مماطلة»، فيما يأتي «التسويف» ضمن مرادفات المماطلة، وتشمل أضداد المفردتين معاً كلمات: «إحقاق، إسراع، إيفاء، تعجيل، تأدية الأمانة، وفاء».
ولكي تقرّب كاتبة التقرير الفكرة إلى أذهاننا ضربت مثلاً بنفسها حين أخذت ترجئ كتابته، فقبل أن تخط كلمة واحدة فيه، وضعت الثياب لتُغسل، وأعدّت لنفسها كوباً من الشاي، وردّت على بعض رسائل البريد الإلكتروني، وتصفحت حسابها على «فيسبوك»، بل وطالعت عدداً من المدونات أيضاً.

[email protected]