يمكن أن نغيّر العنوان أعلاه إلى «الأندلس الدمشقية»، ويظل مناسباً لحمل الفكرة التي سنأتي على قولها تالياً، بل لعله يعبر عنها بصورة أفضل، فدمشق هي التي ذهبت للأندلس لا العكس.
من قدّر لهم أن يزوروا الأندلس، ويكونوا قبلها قد عرفوا دمشق، مثلي، سينتابهم ما انتابني من شعور وهم يجولون في محيط جامع قرطبة المهيب، أو يقطعوا، صاعدين أو هابطين، طرق حارات حي البيازين في غرناطة، بأن الكثير من روح دمشق حاضر هناك، خاصة في عمارة البيوت والمداخل المفضية إلى غرفها، التي تظللها الأشجار الوارفة، فيما لو قدّر لك ولوج بعضها.
سيهتم مستشرق فرنسي شهير هو ليفي بروفنسال بالوقوف أمام ما نودّ أن نصفه ب«الروح الدمشقية» للأندلس، ملاحظاً أن عبدالرحمن الداخل المعروف باسم «صقر قريش»، الأمير الدمشقي الذي فرّ من بطش العباسيين بعد أن أطبقوا السيطرة على الشام، قاصداً الأندلس بعد عناء رحلة طويلة استمرت أعواماً، حرص على أن ينقل تلك الروح الدمشقية الساكنة في ثناياه مذ كان طفلاً وفتىً يافعاً.
سينقل هذا المستشرق في كتابه «الحضارة العربية في إسبانيا» عن الرحالة الشهير ابن حوقل الذي قصد الأندلس، معلومات مهمة تتصل بهذا الجانب، بينها ما نقله الكتاب الذي عرّبه الدكتور الطاهر أحمد مكي، عن إعجاب ابن حوقل بما وصفه «بهاء قرطبة» وبضاحية الرصافة.
والرصافة حي في قرطبة على شط النهر الكبير، ويقال إن «صقر قريش» هو من اختار لهذا الحي اسم الرصافة ليحمل ذكرى مقر الإمارة الشهير في تدمر فترة الحكم الأموي.
وإلى «صقر قريش» بالذات تنسب أشعار تفيض بالحنين إلى أيامه الخوالي في الشام، ومنها القصيدة التي ألهمه بها منظر نخلة رآها وحيدة بأرض الأندلس، فأثارت في نفسه الشجن وهو يتذكر واحات النخيل في مسقط رأسه، فأنشد: «تبدت لنا وسط الرصافة نخلة/ تناءت بأرض الغرب عن وطن النخل / فقلت شبيهي في التغرب والنوى/ وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي/ نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبةٌ / فمثلك في الإقصاءِ والمنتأى مثلي».
ورغم المجد الذي حققه «صقر قريش» للأندلس يومها، ظلّ مسكوناً بالحنين إلى الشام، كأن جذوراً له لم تنبت بالأرض الجديدة، وأن هواه ظلّ هناك، من حيث أتى، وهذا ما تظهره أبيات أخرى منسوبة إليه تقول: «أيها الراكب الميمم أرضي/ أقَرِ من بعضي السلام لبعضي/ إن جسمي كما تراه بأرض/ وفؤادي ومالكيه بأرض/ قد قضى الله بالبعاد علينا/ فعسى باقترابنا سوف يقضي».
د. حسن مدن