د. حسن مدن

كان ذلك في الثالث والعشرين من أغسطس 1927، وكانت السيدة أم كلثوم مندمجة في الغناء على مسرح كازينو «البسفور»، ومثلها كان الجمهور الغفير الحاضر مندمجاً مع أغانيها، قبل أن تفاجأ بأن المتفرجين بدأوا في الخروج من القاعة فرادى وجماعات، وهو مشهد غير مسبوق بالنسبة لها هي التي اعتادت على تسمّر الجمهور على كراسيهم طوال حفلاتها.

كادت القاعة تخلو من الجمهور، حين توقفت أم كلثوم سائلة عما يجري، فقيل لها إن الزعيم سعد زغلول قد توفي، وإن خبر الوفاة قد ذاع، ما أثار موجة من الحزن لدى الناس، فلم يعد بوسع الحضور متابعة الاستماع للغناء.

حينها قررت أم كلثوم التوقف لفترة عن الغناء حداداً على رحيل زعيم الأمة، وعندما قررت العودة ثانية لإحياء حفلاتها، فإن هذه العودة كانت بقصيدة: «إن يغب عن مصر سعد»، والتي كتب كلماتها أحمد رامي، فيما لحّنها محمد القصبجي، وجاء في مطلعها: «إن يغب عن مصر سعد/ فهو بالذكرى مقيم/ينضب الماء ويبقى/ بعده النبت الكريم/ خلّدوه في الأماني/ واذكروه في الولاء/ اندبوه في الأغاني/ أعذب الشكوى البكاء».

وتنقل بعض المواقع الإلكترونية ما نشرته مجلة «كوكب الشرق» يومها، من أن أم كلثوم لم تكتف بتسجيل هذه الأغنية على أسطوانة بل غنّتها في «بيت الأمة» بحضور زوجة الزعيم الراحل صفية هانم زغلول في مرور الأربعين على وفاته.

في كتابه «العصر الذهبي للغناء المصري» الذي وردت فيه حكاية الأمسية التي مات فيها زغلول، يذكر د.نبيل حنفي محمود ما مفاده أن الأسطوانة التي سجلت عليها هذه الأغنية حققت رواجاً كبيراً ما جعلها في المرتبة الثانية من توزيع أسطوانات أم كلثوم في تلك الفترة، حيث جاءت بعد أغنية: «إن كنت أسامح وأنسى الأسية»، وكان أن استمرت أم كلثوم لفترة طويلة في المواظبة على أن تفتتح حفلاتها بأداء هذه القصيدة بالذات.

كما تشير مصادر أخرى إلى تبرع أم كلثوم بمبلغٍ مجزٍ، بمقاييس ذلك الزمن، لأحد المستشفيات التي تقرر إنشاؤها تخليداً لذكرى سعد زغلول.

تظهر هذه الحكاية جانباً من ارتباط الفن والفنانين يومذاك بالشأن الوطني العام الذي يوّحد الناس، وهي تذّكرنا، وإلى حدود كبيرة، بالموقف الذي وجدت فيه أم كلثوم نفسها بعد وفاة جمال عبد الناصر، حيث انتابتها حالة من الأسى الشديد، عبّرت عنها بغنائها قصيدة «عندي خطاب عاجل إليك» من تأليف نزار قباني وألحان رياض السنباطي.

[email protected]