من أجمل المقاربات بين الشعر والنثر وأعمقها وأكثرها رهافة هي تلك التي ذهب إليها شاعرنا الكبير محمود درويش. ويصحّ هنا السؤال: من أجدر بالقيام بمثل هذه المقارنة أكثر من درويش نفسه، وهو الشاعر الجميل والناثر الجميل في الآن ذاته؟
إنك تقرأ الشعر في نثره، والنثر في شعره، وفي الحالة الأخيرة فإنك تندهش كيف أمكن لمحمود أن يدخل مفردات، تبدو للرائي «شديدة النثرية» إن جاز لنا القول، في بنية الشعر.
لكن درويش كان سيعترض على تبسيطنا هذا للفكرة، فالأرجح أنه لا يوافق، ومعه في ذلك كل الحق، على أن هناك مفردات شعرية وأخرى ليست كذلك، أو أن هناك مفردات للنثر وأخرى للشعر. المفردات هي نفسها في النثر والشعر، ما يجعل الشعر شعراً هو الشاعر الحقيقي، والناثر الحقيقي هو الذي يجعلك وأنت تقرأ نثره تشعر بأنك تقرأ شعراً، ولو كان بلا قافية ولا وزن.
توضيح الفكرة سنجده في القول التالي لدرويش: «الأوزان لاحقة للقصائد والعروض علم لاحق للشعر». وهو بذلك يعني أن الشعر وجد أولاً ثم قرّر الدارسون والنقاد أن يضعوا لهذا الشعر قوافي وأوزاناً.
ولنا أن نتخيل أن شاعراً بوزن محمود درويش مجّد النثر، كما لم يفعل سواه من كبار الناثرين أو غلاتهم. قال درويش: «أحبّ النثر وأمجّده». ولم يكتف بذلك، قال ماهو أكثر مدعاة للدهشة: «أحب النثر أكثر من الشعر»! في شرح ذلك أضاف درويش: «النثر جنس أدبي نبيل جداً، وأرستقراطي»، لذلك فإنه يبدي استهجانه من شعراء النثر الذين يخافون من توصيف النثر، متسائلاً: «عندما تقول قصيدة نثر، ما نقيض هذا التعريف؟، هل قصيدة النثر ضد قصيدة الشعر؟ من يكتب قصيدة نثر يضع هذه القصيدة في مواجهة ماذا»؟
أحد من كتبوا عن نثر محمود درويش، الشاعر أمجد ناصر، والذي اعتبر درويش «من سادة النثر العربي»، أشار إلى «الشعرية الكثيفة التي تطبع بعض هذا النثر وتكاد تنقله من خزانة النثر إلى خزانة الشعر»، قبل أن يخلص إلى أن نثر محمود درويش عانى من شعرية طاغية وغنائية فائضة.
ولأن درويش كان يعي ذلك، فإن أمجد ناصر يقول إنه شبه جازم بأن الشاعر خاض صراعاً «لكبح طغيان الغنائية والتدفق التلقائي للشعر الذي يأتي، أحياناً، في غير مكانه». وليس واضحا ما إذا كان علينا أن نضع القول التالي لناصر في خانة النقد أم المديح: «تصوّروا شاعراً يكافح ضد كثرة الشعر عنده».