مُلهي الإنسان

03:00 صباحا
قراءة دقيقتين
عبدالله الهدية الشحي

«ملهي الرعيان» طائر ليلي المعيشة يتنقل بين قطعان الضأن والماعز والإبل باحثاً عن الحشرات، دون أن يسبب للمواشي أي أذى، فهو طائر وديع، يستقبل زائري البر بكل ود وترحاب، لكنه على قدر كبير من الحذر، حيث يبقى في النهار على سطح الأرض خاملاً لا يتحرك إلا إذا دهمه خطر فيطير لمسافة قصيرة ثم يتظاهر ويدعي الأعياء أو الإصابة فيحط فجأة وكأنه يسقط، ويكرر تلك العملية كلما طارده أحد، فيصعب الإمساك به باليد، وبسبب سلوكه هذا كان الرعاة يطمعون في صيده فيلاحقونه وينسون مهمة حراسة الماشية، لذا أطلق عليه مسمى «ملهي الرعيان»، واستخدم هذا المسمى كمثل عامي يضرب لوصف الشخص الذي يلهي الناس بأساليب جذابة عن أعمالهم أو للانشغال بأمر لا فائدة تجنى من ورائه على حساب إهمال ما هو مهم وأهم.
«لملهي الرعيان» مثلما عرفنا دور مهم في التخلص من الحشرات، وهو ليس الكائن الوحيد الذي يلهي الإنسان عن مبتغاه وواجبه ووظيفته، فهناك من بني آدم من لا يقدم نفعاً أو خيراً يذكر، وإنما يقوم بتأدية الدور السلبي عن طريق الحيل والادعاء، فيكون أشد خطراً على بني جلدته من حيث الخروج عن المسار الذي يحقق الطموح ومن حيث الحياد عن درب تحقيق الأهداف المثمرة، فكم من مدير مؤسسة يمارس ليلاً و نهاراً مهام إبعاد موظفيه عن دورهم الحقيقي وعن الواجبات المناطة بهم، وإلهائهم بكل ما يلفت الانتباه في العروض التي تبهر العيون، دون أن يكون لها واقع مذكور في المنجز الحقيقي، أو إشغالهم بتعزيز مكانته، وبما يزيد من تضخيم الأنا المتضخمة أصلاً لديه، وكم من محاضر أو مرشد أو مدرب أو واعظ يدعي الكمال التام، وهو مؤمن بأن الكمال لله وحده، فيجعل متلقيه ومريديه في حالة بحث كحال الرعاة وهم يحاولون مسك ملهيهم.
نعم كثيرون هم الذين يلهوننا عن كل مفيد في حياتنا، وعن كل ما هو مهم وعاجل، فيمارسون معنا دور طائر ملهي الرعيان، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، التي يعمل بعض مشاهير وسائطها على إثارتنا وتشويقنا بما لا يحدث في النفس وقعاً ولا يجدي للعقل نفعاً، أو من خلال معدي ومقدمي تلك الحلقات الإذاعية والتلفزيونية التي أوجدوها على خريطة البرامج المباشرة وغير المباشرة، من أجل تغطية البعد الزمني بالخرافة والسخافة، ومن أجل تسطيح الفكر بما لا يضحك ولا يبكي وأحياناً بما يضر جداً ولا يسر أبداً.
والعجب هنا أننا ندرك كل هذا الأثر غير المرضي لكننا نصر على المتابعة إما قتلاً للزمن، أو وأداً للتفكير، أو أملاً بمعرفة الطالع الذي نحدث أنفسنا به، أو رغبة في تفسير أضغاث أحلامنا فيكون حالنا تماماً كالذي يحاول خائباً صيد طائر ملهي الرعيان، ليس حباً في اصطياده، ولا طمعاً في لحمه، وإنما عبث أو تسلية أو هروب من حيث لا يدري عما خلق من أجله وعن كل ما يفيد ويعود بالنفع عليه.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"