عاصم عبد الخالق
إما على سبيل التوقع اعتماداً على مؤشرات علمية وحقائق موضوعية، أو على سبيل التمني الذي تغذيه خلافات سياسية وتنافرات أيدلوجية وفكرية، أصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية حكمها بالإعدام على الاقتصاد الصيني. حيثيات الحكم كتبته الصحيفة الرصينة في تقرير عنوانه يشي بمضمونه وهو الاقتصاد الصيني ينصهر ببطء. لم تكتف الصحيفة المتخصصة في الشأن الاقتصادي بتكرار ما يردده الخبراء المحايدون حول الأزمة، التي يواجهها اقتصاد الصين؛ بل ذهبت بعيداً في توقعاتها حول نتائج ومآلات هذه الأزمة التي رأت فيها علامة على ذوبان وانصهار المعجزة الصينية وإن كان بصورة تدريجية بطيئة.
وبناء على هذه النتيجة المتوقعة دعت الصحيفة الحكومة الأمريكية وحكومات الاتحاد الأوروبي إلى الاستعداد لمواجهة التداعيات والعواقب الوخيمة لهذا السيناريو الكارثي الذي سيهز الاقتصاد العالمي.
من وجهة نظرها سيبدأ الانهيار، إن لم يكن قد بدأ بالفعل، من القطاع العقاري الضخم الذي يواجه ركوداً وتدهوراً لم تعرفه الصين منذ بداية نهضتها. أحد تجليات الأزمة كان انهيار الشركتين العملاقتين «ايفرجراند وكاسيا» مما تسبب في خسائر بالملايين. جاء إفلاس الشركة الأولى بعد أن وصلت ديونها المتراكمة وقيمة منشآتها غير المكتملة إلى نحو 300 مليار دولار، وهذا الرقم الهائل كشفت عنه صحيفة نيويورك تايمز في تقرير آخر عن الاقتصاد الصيني أقل تشاؤماً من تقرير زميلتها وول ستريت جورنال.
يمثل القطاع العقاري نحو 30% من حجم الاقتصاد الصيني وهي نسبة تبلغ ضعفي المستويات التي كانت سائدة في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وإسبانيا عندما تفجرت الأزمة المالية في 2008-2009، وكانت أيضاً بسبب انفجار الفقاعة العقارية، فيما عرف وقتها بأزمة الرهن العقاري.
وبفضل نشاط القطاع العقاري طوال السنوات الماضية حافظ الاقتصاد الصيني على نسبة نمو فوق 6% إلا أن «وول ستريت» ترى أنه لا توجد بارقة أمل بتعافي هذا القطاع الحيوي قريباً، وبالتالي لن يجد الاقتصاد القاطرة التي تنتشله من أزمته الحالية.
ولأن المصائب لا تأتي فرادى فلم تقتصر مشكلة الصين على هذا القطاع؛ بل تفجرت لديها أزمات أخرى لا تقل حدة في مقدمتها نقص الوقود، ما أدى إلى تخفيض عدد ساعات العمل في المصانع، وأدى ذلك بدوره إلى نقص مستلزمات الإنتاج وبالتالي تضررت عشرات القطاعات الأخرى وليس القطاع العقاري فقط.
تكمل «نيويورك تايمز» قصة الأزمة الصينية بالإشارة إلى مصير آلاف العمال، الذين خسروا وظائفهم بعد توقف النشاط في مئات المواقع الإنشائية، يضاف إلى ذلك تداعيات جائحة كورونا وخسائرها الاقتصادية.
تفاصل الأزمة كثيرة، لكنها ليست الوجه الوحيد للحقيقة، هناك نقاط مضيئة أخرى على حد قول صحيفة الشعب الصينية، التي ردت بتهكم وغضب على ما ذكرته «وول ستريت» معتبرة أنه عودة متأخرة إلى الحديث عن نظرية الانهيار الصيني التي تعتبرها أحد الأوهام التي روجت لها «الدوائر الشريرة» في الغرب. تقول الصحيفة الناطقة باسم الحزب الشيوعي الحاكم إن المؤشرات المؤكدة توضح أن الاقتصاد الصيني أنهي 2021 بأداء قوى وحقق توقعات صندوق النقد بنمو في حدود 8% كما توجد فرص واعدة لمزيد من الازدهار في 2022.
لا تنكر الصحيفة وجود صعوبات حقيقية بسبب تطورات معروفة في مقدمتها تداعيات «كورونا» والفيضانات وأزمة الطاقة، ومع ذلك فقد سجل الاقتصاد نمواً متواصلاً في كل ربع خلال 2021 وبمعدل يفوق أداء الاقتصادات الرئيسية في العالم مثل أمريكا التي سجلت 5,7% واليابان 2,4% وألمانيا 3%. فضلاً عن هذا فقد حافظت الصادرات الصينية على مستوياتها على الرغم من التوقعات بتراجعها. كما ارتفع إنفاق الأسر على السلع الاستهلاكية والمعمرة في الداخل ونمت مبيعات التجزئة بنسبة 4,4% في الربع الثالث.
لا مجال لسرد باقي تفاصيل الصورة البراقة التي ترسمها الصحيفة الصينية بنفس القدر الذي لا يتاح لنا نقل كل معالم الصورة القاتمة التي قدمتها «وول ستريت». أيهما على حق؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام خلال العام الجديد.
[email protected]
بعد عشرين عاماً من إطلاق الشرارة الأولى للحرب العالمية على الإرهاب، بات التيار العام في النخبة السياسية الأمريكية، بما في ذلك الكتلة الصلبة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يؤيد بقوة وضع حد لهذه الحروب التي بدأت رداً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 . وأصبح تعبير لا للحروب الأبدية شعاراً للمرحلة يتبناه السياسيون من كل الاتجاهات بعد أن تبينت لهم ضخامة الكلفة البشرية والمادية التي تتحملها بلادهم نتيجة استمرار مغامراتها الخارجية. والرأي العام أيضاً يشكل عنصر الضغط الأكبر في هذا الاتجاه، فلم يعد بوسعه تحمّل المزيد من الخسائر.
غير أن هذا الدفع الرسمي والشعبي لإنهاء الحروب الخارجية لم يقترن حتى الآن بإجراء قانوني أو سياسي محدد. فلم يصدر مثلاً إعلان رسمي بانتهاء الحرب العالمية على الإرهاب، رغم الانسحاب من أفغانستان والعراق. ولم تقرن الإدارات الأمريكية تعهداتها الشفوية بأي إجراء محدد ارتبط بهذه الحروب. بل تكتفي بالكلمات، على حد تعبير كارين جرينبرج، مديرة مركز الأمن القومي في جامعة فورهام بنيويورك، والتي تقترح ثلاث خطوات محددة يجب اتخاذها لكي يمكن أن تدّعي بعدها أمريكا أنها ودّعت عصر الحروب الأبدية. من دون ذلك سيظل الأمريكيون، كما تقول، أسرى هذه الحروب التي لن تتوقف.
الإجراء الأول هو إلغاء القانون الصادر عام 2001 الذي يخوّل الرئيس سلطة استخدام القوة لمواجهة التهديدات الخارجية. وقد ارتبطت الحرب على الإرهاب بهذا التشريع الذي يسمح للرؤساء بشن الحروب من دون الرجوع إلى الكونجرس. ولا يتضمن القانون أي إشارة إلى عدوّ محدد، ولا ينصّ على فترة زمنية لسريانه، ولا يحدد طبيعة الأعمال العدائية التي تستوجب استخدام القوة، ومتى، وكيف يمكن الحكم بانتهاء هذه الأعمال العدائية. كما لا يحدد حجم القوة التي يستخدمها الرئيس، وهل تكون حرباً شاملة، أو مجرد عمليات محددة. ولا يشير إلى النطاق الجغرافي الذي يجب أن تتقيد به العمليات.
ونتيجة لهذا النص الفضفاض استخدم الرؤساء التفويض وقتما وكيفما شاؤوا. بدأت الحرب بأفغانستان يليها العراق، ثم امتدت العلميات العسكرية إلى 19 دولة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.
الإجراء الثاني الذي تطالب به الباحثة الأمريكية هو إغلاق معتقل جوانتانامو الأمريكي سيئ السمعة الذي ارتبط بالحرب على الإرهاب. في البداية ضم المعتقل الذي افتتح في يناير/ كانون الثاني 2002 بالقاعدة الأمريكية في كوبا 78 معتقلاً، تراجع عددهم إلى 39 حالياً، ينقسمون من الناحية القانونية إلى فئتين؛ الأولى تضم 12 معتقلاً تنظر في أمرهم لجان عسكرية تعمل كمحاكم بعد إعداد ملفات اتهام بشأنهم . والمجموعة الأخرى تضم 27 معتقلاً قابعين في زنازينهم من دون محاكمات. ومنذ افتضاح أمر التعذيب في المعتقل أصبح نقطة سوداء في تاريخ أمريكا. والغريب أن الإدارات المتعاقبة خاصة الديمقراطية حاولت إيجاد حل قانوني لوجوده بلا جدوى. بل إن الرئيس الأسبق باراك أوباما وقّع مرسوماً بإغلاقه في اليوم الأول لتوليه السلطة إلا أنه فشل في تنفيذه. وقد وعد الرئيس الحالي، جو بايدن، بإغلاقه قبل نهاية فترة حكمة الأولى.
وترى الباحثة الأمريكية في التقرير الذي نشرته على الإنترنت أن الخطوة الثالثة الضرورية لدخول قرار انتهاء الحروب الخارجية الأبدية حيز التنفيذ هو إعادة تعريف التهديدات الخارجية. فالإرهاب الخارجي لم يعد الخطر الداهم الذي يهدد أمريكا. وقد نصت استراتيجية الأمن القومي التي وضعتها إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، على أن المنافسة مع القوى الخارجية، خاصة الصين وروسيا، هي التحدي الأكبر الذي يواجه الأمن القومي، أي ليس الإرهاب.
ومن دون إعادة تعريف طبيعة التهديدات التي تواجهها أمريكا، وفي ظل بقاء جوانتانامو مفتوحاً، وسريان قانون تفويض الرئيس بالحرب، لا معنى لحديث القادة الأمريكيين عن انتهاء حروبهم الأبدية. ولا يكفي أن يكون لدى هذا الرئيس أو ذاك النية في التوقف عن الحروب، لابد من إجراءات عملية، فالطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الطيبة.
[email protected]
عاصم عبد الخالق
تخلصت أفغانستان من الاحتلال، لكن السلام مازال بعيداً. حصلت على الاستقلال لكنها تفتقد الاستقرار. مستقبلها مازال غامضاً، حكم طالبان في بدايته ولا أحد يعرف كيف ستدير الحركة البلاد، وكيف ستحل مشاكلها المزمنة. كل أسباب وعوامل الانفجار الداخلي قائمة وكامنة وملتهبة. وإذا كان الأمريكي قد ذهب فلا يعني هذا أن المدافع ستصمت، فقد سبق أن انسحبت القوات السوفييتية في 1989، ثم اندلع القتال الضاري بين الجماعات الأفغانية التي كانت تجاهد ضد السوفييت، ولا يوجد ما يمنع تكرار ذلك، الآن، بعد رحيل القوات الأمريكية.
الفسيفساء العرقية التي يتكوّن منها المجتمع الأفغاني تجعل تماسكه هشاً وضعيفاً ومهيأ للانفجار في أي وقت. هناك نحو 30 جماعة عرقية وطائفية أكبرها الجماعات الأربع المعروفة: الهزارة، والطاجيك، والأوزبك، والباشتون. والأخيرة تهمين على الحكم منذ 1747 باستثناء فترات قليلة.
ويسود اعتقاد تغذّيه هذه الجماعة نفسها بأنها الأكبر، غير أنه لا يوجد ما يؤكد هذا، فلم تعرف البلاد التعدادات السكانية الرسمية، كما تعاني مشاكل مزمنة أخرى أهمها الفقر، وقلة فرص العمل، والانهيار الاقتصادي، والمخدرات والإرهاب، وهو ما يجعل اندلاع العنف ممكناً دائماً.
ومهما كانت قدرات طالبان فلن تستطيع ضمان الاستقرار؛ لأنها لا تمتلك حلولاً لتلك الأزمات المعقدة؛ لذا تظل كل الاحتمالات السعيدة والمخيفة مطروحة بشأن مستقبل أفغانستان. وللباحثين الغربيين اجتهادات كثيرة في هذا الصدد، غير أننا سنتوقف هذه المرة عند دراسة لجامعة البنجاب الهندية ترسم أربعة سيناريوهات لن يخرج عنها مستقبل البلاد.
السيناريو الأول، وهو ما توصي بتطبيقه الدراسة التي نشرها موقع «يورواسيا»، هو تغيير نظام الحكم؛ أي التحول من الحكم المركزي القائم منذ 1747 وثبت فشله، إلى حكم فيدرالي غير مركزي، يعتمد على وجود حكومات محلية في الأقاليم مع حكومة فيدرالية في كابول.
تشير الدراسة إلى أن الهند وباكستان ولديهما نفس التركيبة العرقية والطائفية واللغوية، تطبقان هذا النظام بنجاح، وهو الحل الوحيد لتجنب الصراعات العرقية والطائفية.
السيناريو الثاني، هو تحول البلاد إلى عراق جديد؛ أي اندلاع صراع طائفي وعرقي بين مكونات المجتمع على غرار ما حدث بعد سقوط نظام صدام حسين. ولا يوجد ما يضمن ألا يتورط الباشتون بحكم امتلاكهم للسلطة والسلاح في ممارسات تعتبرها جماعات عرقية أخرى، نوعاً من الاضطهاد ضدها، بما يؤدي إلى اقتتال داخلي. التطورات في هذه الحالة مثيرة للقلق ليس فقط لوفرة السلاح ووجوده في أيدي الجميع، لكن أيضاً لانتشار جماعات مسلحة ومنظمة ستجدها فرصة لاستقطاب العناصر الغاضبة من كل طائفة.
على سبيل المثال سينضم الهزارة إلى ما يسمى بجيش الفاطميين وله امتداداته داخل إيران، بينما سينضم الأصوليون من الطاجيك والأوزبك إلى «داعش خرسان»، فيما قد يفضل آخرون من نفس المجموعات ولكن من غير الأصوليين الانضمام لجبهة المقاومة الوطنية التي يقودها أحمد مسعود ابن القيادي الراحل أحمد شاه مسعود.
التقسيم هو عنوان السيناريو الثالث، فاندلاع حرب أهلية جديدة يمكن أن يقود في النهاية، إلى تقسيم أفغانستان، وهو حل قد تضغط الدول المجاور لفرضه، خوفاً من تدفق المهاجرين إلى أراضيها ومعهم المخدرات والعناصر الإرهابية. التقسيم في هذه الحالة سيكون في صورة دولتين في الشمال والجنوب.
السيناريو الأخير، لا يقل سوءاً عن الاثنين السابقين، وهو تفتيت البلاد على أساس عرقي، وضم كل جزء إلى دولة مجاورة؛ أي تنضم مناطق الطاجيك إلى طاجيكستان، والأوزبك إلى أوزباكستان. ويذهب الباشتون إلى باكستان ويبقى الهزارة في الوسط بدولة مستقلة. في هذه الحالة سيكون الصراع إقليمياً وليس داخلياً؛ لأن هذه الدول لن تلبث أن تتصارع على اقتسام الغنيمة الضخمة طمعاً في المزيد من الأراضي والثروات الطبيعة. إنه سيناريو لحرب إقليمية تفجر آسيا كلها.
لذلك قد يكون الحل الذي يضمن الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها هو إقامة نظام فيدرالي. الحروب أرهقت أفغانستان، وآن لها أن تستريح.
[email protected]
اعتاد الإعلام الأمريكي الإشارة إلى بلدان أمريكا الجنوبية باعتبارها الفناء الخلفي للولايات المتحدة، كونها منطقة نفوذ تقليدية لها بحكم قربها الجغرافي ومن ثم تحظي بأهمية كبيرة، وحساسية خاصة كمجال حيوي للأمن القومي الأمريكي. بالمثل تعتبر روسيا جمهوريات آسيا الوسطى الفناء الخلفي لها والمجال الحيوي لتمددها ونفوذها،لاسيما بعد تآكل منطقة تمددها التقليدية الأخرى في شرق أوروبا.
الحضور الروسي يبدو طاغياً وواضحاً للغاية في هذه الجمهوريات التي تضم تركمانستان، وقيرغيسستان، وطاجيكستان، وكازاخستان، وأوزباكستان. ولا يقتصر الوجود الروسي على التعاون العسكري والأمني والاقتصادي والسياسي فحسب، بل تمارسه روسيا بقوتها الناعمة أيضاً ممثلة في الثقافة والإعلام والفنون. وتنتشر اللغة الروسية بصورة واسعة، وتوجد كذلك جاليات ضخمة من أصول روسية تشكل في كازاخستان على سبيل المثال خمس تعدادها.
والتلفزيون الروسي هو المصدر الرئيسي للأخبار في تلك البلاد، لذلك ليس من الغريب أن تحظى السياسية الروسية بقبول واسع بين مواطني هذه الدول. وتطلق مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية اسم ظاهرة «التفسير البوتيني» للأحداث، في إشارة إلى وجهة نظر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن السياسة الخارجية وموقف بلاده من القضايا العالمية، والتي تحظى بقبول واسع في أسيا الوسطى. وتوضح المجلة أن التماهي مع المواقف الروسية يبلغ مداه في أوزباكستان التي لا يمكن إيجاد خط فاصل بين ولاء مواطنيها لروسيا وولائهم لبلادهم على حد قول المجلة.
ولروسيا تاريخ طويل في دعم ومساندة هذه الدول بعد تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلالها، ولذلك تحظى بشعبية ضخمة هناك على المستويين الشعبي والرسمي. وتقدم نفسها دائماً باعتبارها الشقيق الأكبر الذي يمكن اللجوء إليه والاعتماد عليه في أوقات الشدة. وتدلل على ذلك بما فعلته مع أصدقائها في جورجيا والشيشان وأوكرانيا وسوريا وحتى زيمبابوي.
ومنذ أعلنت أمريكا نيتها الانسحاب من أفغانستان وحتى قبل تنفيذه تحركت روسيا سريعاً لاستثمار مخاوف تلك الجمهوريات من نشاط جهادي قادم من أفغانستان، لعب الإعلام الروسي دوراً كبيراً في إثارة القلق. وسارع بوتين بالقيام بجولة في أربع جمهوريات منها لعرض المساعدة العسكرية.
رغم هذا التغول لا يبدو طريق روسيا مفروشاً بالزهور فهناك منافسة ضارية تواجهها من عملاقين آخرين هما الصين وأمريكا اللذين لن يقبلا أن تنفرد وحدها بالثروات الهائلة في المنطقة. ووفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن حوض بحر قزوين يحوي ما بين 17 إلى 33 مليار برميل نفط. كما يضم نحو 232 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي.
وإذا كانت أمريكا تواجه صعوبات حقيقية في الفوز بجزء كبير من هذه الاستثمارات بسبب مشاعر الشك والريبة في نواياها من جانب الشعوب والحكومات، فضلاً عن مشكلة مد أنابيب نقل الخام عبر الأراضي الإيرانية والروسية، فإن الصين على العكس تحظى بقدر كبير من القبول الشعبي والرسمي، ولذلك تبقى هي المنافس الأقوى والأهم بالنسبة لروسيا.
وتبدي الصين بالفعل اهتماماً كبيراً بالمنطقة، وضمت جمهورياتها إلى منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي، كما وضعتها على خريطة «مبادرة الحزام والطريق»، وتعهدت باستثمار 1,4 تريليون دولار في مشاريع الطرق والسكك الحديدية في تلك الجمهوريات ضمن المبادرة. ولم تتجاهل بكين كذلك الجانب الأمني في تعاونها. ومنذ 2016 حتى 2020 زادت مبيعاتها العسكرية لجمهوريات آسيا الوسطى بنسبة 18% مقابل زيادة لم تتجاوز 1,5% فقط بين 2010 و2014. وتقيم منشآت عسكرية في طاجيكستان لحماية حدودها مع أفغانستان.
ترصد موسكو هذا التقارب بصمت وقلق، لا تستطيع إبعاد الصين ولا تقوى على الدخول معها في صدام من أي نوع، فليس من مصلحتها أن تخسرها في وقت تواجه فيه عقوبات أمريكية وأوروبية تنهك اقتصادها. لكنها في الوقت نفسه لا تتحمل ضياع المكاسب الهائلة التي تذهب إلى الصين بدلاً منها. تلك هي معضلة بوتين؛ هل يضحّي بالاستثمارات أم بالصين؟ خياران كلاهما مرّ وغير محتمل.
[email protected]
العقوبات الاقتصادية، هي الحرب الأبدية الحقيقية التي تخوضها الولايات المتحدة. قد تتوقف لبعض الوقت عن تنفيذ مغامرات عسكرية أو غزوات خارجية، لكن إجراءاتها الاقتصادية العقابية المسلطة على رقاب الشعوب والدول والمنظمات التي لا ترضى عنها، لم ولن تتوقف. أحد أهم الدروس التي تعلمتها أمريكا من تجربتي العراق وأفغانستان، أن قتل العدو ببطء من خلال خنقه بحصار اقتصادي وعقوبات مالية وتجارية، أكثر أمناً وأقل كلفة من الاستعانة بالجيوش.
قبل وبعد هاتين الحربين تظل العقوبات إحدى الأدوات الأساسية، لتحقيق أهداف السياسة الخارجية لواشنطن من خلال الضغط على أعدائها، لتغيير سياساتهم أو مواقفهم أو انتقاماً منهم. لن يختلف الوضع مع الإدارة الحالية عما كان مع الإدارات السابقة، خاصة أن الرئيس جو بايدن لا يميل بطبعه إلى شن الحروب. والوثيقة التي أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية منتصف الشهر الماضي تؤكد هذا الاتجاه.
سيلتزم بايدن بالجزء الأكبر من منظومة العقوبات التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب، لكن ستكون هناك فروق جوهرية أهمها التنسيق مع الحلفاء الذين تجاهلهم ترامب، بل إنه فرض عقوبات على بعضهم مثلما فعل مع ألمانيا، لإصرارها على مشروع خط أنابيب الغاز الروسي «نوردستروم2». كما يصّر بايدن على رد الاعتبار للمنظمات الدولية، وفي هذا الإطار كان قراره برفع العقوبات التي فرضها ترامب على محكمة الجزاء الدولية، وكذلك العودة لمنظمة الصحة العالمية التي كان قد انسحب منها.
وإذا كانت وزارة الدفاع هي التي تقود الحروب الخارجية، فإن وزارة الخزانة تتولى القيادة في الحروب الاقتصادية، تعاونها وزارتا التجارة والخارجية. وعلى الموقع الرسمي لوزارة الخزانة توجد قائمة طويلة لما يسمى ببرامج العقوبات التي تم تحديثها خلال عامي 2020 و2021 وتشمل 37 برنامجاً تضم الدول والمنظمات المستهدفة بالعقوبات، والتي تفرض أيضاً على أنشطة بعينها مثل الإرهاب، أو تجارة المخدرات، أو الانتشار النووي، والهجمات السيبرانية. وقد يتم فرضها على أفراد دون أن تشمل الدولة التي ينتمون إليها.
لا يتسع المجال لعرض تفاصيل قائمة المغضوب عليهم أمريكياً، إلا أنها تعكس الإدراك الراسخ لدى صانع القرار في واشنطن بأهمية العقوبات كسلاح اقتصادي فعال، لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، وحماية الأمن القومي. وبصرف النظر عن نجاح أو فشل سياسة العقوبات وقدرتها على تغيير سياسات الدولة والجماعات المستهدفة، فإن أضرارها المحتملة على الولايات المتحد نفسها، لا يمكن إنكارها أو تجاهلها.
التحذيرات في هذا الشأن ليست جديدة، وقد أشار إليها في عام 2016 وزير الخزانة آنذاك «جاكوب ليو» في خطاب أثار جدلاً واسعاً حذر فيه من عدم فاعلية العقوبات والمبالغة في فرضها حتى لا تؤدي إلى الإضرار بصورة أمريكا وإظهارها أمام العالم، وكأنها تسيء استخدام قدراتها كدولة قائدة للنظام الدولي.
ضرر آخر مهم تحدث عنه السفير السابق دانيل فرايد، المحلل السياسي الحالي بمجلس أتلانتك للدراسات وهو أن تطبيق العقوبات على عدد كبير من الدول سيشجعها على الاستغناء عن الدولار كعملة أساسية للتبادلات، وكذلك ستسعى إلى الاستقلال على النظام العالمي الذي تهيمن عليه أمريكا وإيجاد نظام بديل. ولعل الصين بالتعاون مع روسيا تسعيان جدياً في هذا الاتجاه.
في وثيقة الخزانة الأخيرة اعتراف واضح بالقلق من هذه الاحتمالات، فضلاً عن رصد ثغرات أخرى. لذا تقترح مجموعة توصيات منها تجنب خطأ ترامب باستخدام العقوبات كأداة دعائية، لإثارة اهتمام الجمهور وكسب تعاطفه والادعاء بإحراز انتصار سريع، وهو ما لا يتحقق بالفعل. النصيحة المهمة التي توجهها الوثيقة إلى بايدن هي عدم استعجال النتائج، وعدم التسرع بفرض إجراءات انتقامية إضافية دون دارسة متأنية. توصي أيضاً بالتنسيق الكامل مع الحلفاء، وأن تكون العقوبات جزءاً من استراتيجية شاملة متناسقة.
الخلاصة التي لم تذكرها الوثيقة بصورة صريحة، إلا أنه يمكن قراءتها بسهولة بين سطورها، هي أن حروب أمريكا الاقتصادية ستتواصل، بل ستزداد شراسة ولن تستثني كبيراً أو صغيراً، فالكل في العداوة سواء.
[email protected]
عاصم عبدالخالق
لا تعتبر روسيا نفسها بعيدة عن الحملة الأمريكية الشرسة لاحتواء الصين، ومحاولة تقويض نفوذها الإقليمي والعالمي، وصعودها الاقتصادي. ولا تشعر بالارتياح للتحالفات والشراكات الجديدة التي تشكلها واشنطن في محيط مناطق النفوذ الصيني التقليدية في آسيا والمحيط الهادي، وكان آخرها تحالفها البحري مع أستراليا وبريطانيا الذي توّجته بصفقة الغواصات النووية. وكذلك التجمع الجديد الذي تقوده ويضم اليابان والهند وأستراليا وتوجته أيضاً بقمة افتراضية بين قادة الدول الأربعة.
ورغم أن موسكو تدرك أن الصين، وليست هي المستهدف الأول من هذه التكتلات، إلا أنها على ثقة بأن أهداف واشنطن الحقيقية تتجاوز التفوق في المنافسة المعلنة مع الصين. وأن هدفها على المدى البعيد هو إعادة رسم خريطة تحالفاتها في منطقة آسيا- المحيط الهادي باعتبارها الأكثر أهمية لمصالحها في القرن الحادي والعشرين.
وإذا قُدّر لواشنطن النجاح فلن تكون الصين وحدها الضحية. روسيا أيضاً ستخسر الكثير في ظل الهيمنة الأمريكية المطلقة على المنطقة، وهو ما تعيه القيادة الروسية جيداً. رد الفعل الطبيعي في هذه الحالة هو اللجوء إلى القاعدة المعروفة؛ «عدو عدوّي صديق»، أي أن الصين هي الصديق المضمون باعتبارها العدو الأول لأمريكا عدوتهما المشتركة. وعلى هذا تسعى روسيا لتعزيز علاقاتها بجارتها القوية، إلا أن مهمتها ليست بالبساطة التي يبدو عليه الأمر.
الدولتان لهما حسابات معقدة تحكم علاقتهما المشتركة. الصين من جانبها ترغب في علاقات قوية مع روسيا، وتحاج إليها، إلا أنها لا تريد تحالفاً عسكرياً معها. وبتعبير المحلل الروسي ديميتري تيرينين، تتطلع بكين لعلاقات وثيقة مع موسكو لكن ليست وثيقة أكثر من اللازم. بمعنى آخر، مستوى من العلاقات أكبر من الشراكة، وأقل من التحالف. ولن تسمح الصين بإقامة روابط مع روسيا للدرجة التي يمكن تهدد مصالحها مع الغرب، بما في ذلك أمريكا نفسها. وفي تقرير نشرته مؤسسة كارنيجي الأمريكية البحثية، يعتبر تيرينين أن التقارب الروسي الصيني، الذي تمليه مصالح مشتركة وتعززه الضغوط الأمريكية، يظل مرهوناً بعلاقات بكين وواشنطن التي يمكن أن تتطور في أي اتجاه، سواء بمزيد من التدهور، أو الهدوء والمصالحة.
والمأزق الذي تواجهه روسيا في إدارة علاقاتها مع الصين له جانب آخر لا يتعلق بالنزاع مع أمريكا، بل بعلاقات الصين المتوترة مع العديد من بلدان المنطقة التي تحتفظ موسكو بعلاقات طيبة معها. على سبيل المثال، وجدت روسيا نفسها في موقف بالغ الصعوبة العام الماضي عندما اندلعت اشتباكات حدودية بين الهند والصين. وكان من المستحيل الانحياز لطرف والتضحية بالطرف الآخر في ظل العلاقات الوطيدة التي تربطها بالبلدين. وكان من غير الممكن أن تقف ساكنة. أما التوسط الذي حاولت القيام به فقد اصطدم برفض البلدين تدخل طرف ثالث. مأزق مشابه تواجهه موسكو وهي تحاول تطوير تعاونها مع فيتنام التي تحتفظ بعلاقات باردة مع بكين.
مشكلة أخرى مختلفة تواجهها في علاقاتها مع باكستان. هذه المرة الأزمة لا تتعلق بالصين لكن بالهند العدو التقليدي لإسلام أباد. ترى موسكو أن أهمية باكستان بالنسبة إليها تضاعفت بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، لكن التقارب معها قد يغضب الهند التي ترتبط مع روسيا بتعاون وثيق، خاصة في المجال العسكري. ومن هنا نفهم لماذا تسعى أمريكا لاستقطاب الهند مستغلة أزماتها المتكررة مع الصين من ناحية، وشكوكها تجاه نيات روسيا من ناحية أخرى. خاصة وأن كثيرين في نيودلهي اعتبروا حياد روسيا في أزمة الحدود مع الصين خيانة للهند.
وتعتصم روسيا بالحياد في الكثير من الأزمات المشابهة، فليس لها غيره، وهو موقفها على سبيل المثال من النزاع بين الصين واليابان حول جزر سينكاكو- دياون التي تسيطر عليها اليابان. وتتخذ الموقف نفسه من النزاع في كشمير. الاستثناء الوحيد هو تايوان التي تعتبرها روسيا جزءاً من الصين في تبنّ كامل لموقف بكين. إنها السياسة بتعقيداتها وتقلباتها. لا عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة، ولكن مصالح دائمة.
[email protected]